أحمد رباص – حرة بريس

لكن حتى وإن كان مالبرانش متمسكا بأوغسطين ورافضا لديكارت على نحو صريح ، فإن الأخير لم يُنس تماما. ينسب مالبرانش إلى أوغسطين النظرية القائلة بأن العقل البشري يرى في الله فقط الحقائق الضرورية والثابتة للأخلاق والعلوم الدقيقة، بينما، وفقا لمالبرانش، يجب أن تتضمن الرؤية في الله جوهر الأجسام أيضا.
يُعرف المظهر المتغير للأجسام من خلال الأحاسيس وليس من خلال الأفكار، حيث تكون الأحاسيس ذاتية، كما أوضح ديكارت ذلك بوضوح، وبالتالي فهي غير قادرة على قول أي شيء عن طبيعة الأجسام، بينما أفكار الأجسام، كما هي في الله، تتشكل من خلال خصائصها التي لا تتغير.
من الواضح أن تصحيح الرؤية الأوغسطينية في الله الذي اقترحه مالبرانش مدين للأطروحات الديكارتية حول طبيعة الأجسام. ولكن يجب أيضا التأكيد على أن التاويل “الديكارتي” للرؤية في الله أصبح ممكنا بفضل النظرية الأوغسطينية التي بموجبها تسكن في الله النماذج المثالية لكل الأشياء المخلوقة، النظرية التي أعلن فيها سانت أوغسطين صراحة ملاءمة المسيحية مع فلسفة أفلاطون.
من جهة أخرى، أول توما الأكويني، وهو يطور النص حول مسألة الأفكار، المذهب الأوغسطيني عن المعرفة الحقيقية بوصفها رؤية في الله لجوهر الأشياء المخلوقة. في الرؤية في الله، يقبل مالبرانش أطروحات ديكارت بقدر ما تتوافق مع أوغسطين والتفسير التوماوي للمذهب الأوغسطيني.
وعلى الرغم من قبول الله لأفكار الأجسام، تظل نظرية المعرفة عند مالبرانش مناهضة للديكارتيين بشكل أساسي. إذا عرف العقل الله من خلال الرؤية، فإن ذلك يعني أن موضوع المعرفة هو النماذج المثالية للأشياء كما هي في الله.
هذه هي الأفكار التي يتحدث عنها مالبرانش، بينما الأفكار التي تحدث عنها ديكارت كانت تعديلات للعقل المحدود، قادرة على تمثيل جوهر الأشياء. تبعا لذلك، توجد الأفكار عند مالبرانش خارج العقل المحدود، وفق التحول المسيحي لأفلاطون الذي أجراه القديس أوغسطين.
ها نحن مرة أخرى أمام نفس الأفكار كموضوع للفهم الإلهي والعقل البشري في وقت واحد، عندما يلجأ الأخير إلى الفهم الخالص. هذا هو مصدر الشمولية المالبرانشية.
كان اختيار مالبرانش موضوع جدل طويل مع ارنو، الذي سيتولى، عكس ذاك، الدفاع عن التاويل الديكارتي للفكرة.
لم يكن بمقدور أرنو أن يعبر بطريقة مباشرة وفظة عن ابتعاده عن القديس أوغسطين المقترن بدحضه لمالبرانش، إلا عندما رفض سانت أوغسطين وسائر تلاميذه المحدثين، بمناسبة فحص أطروحات جوماري هيغنز وفرانسوا لامي، اللذين تبنيا اقتراح أوغسطين للرؤية في الله.
تماما كما فعل مالبرانش، أعاد أرنو طرح السؤال الأوغسطيني “إذا رأى كلانا معا أن ما تقوله صحيح وأن ما أقوله صحيح، فأين نرى ذلك؟”، لكن جوابه كان مناقضا تماما لأجوبة أوغسطين، مالبرانش، وهويغنز ، ولامي.
بهذا الصدد كتب أرنو يقول: بكل صراحة، أنا لا أراه في ذاتي ولا في ذاتك؛ لكني أنكر ما يترتب على ذلك من أننا نراه في هذه الحقيقة التي لا تتغير والتي تعلو على عقولنا. كل واحد منا يرى ذلك في عقله: أنا في عقلي، وأنت في عقلك.”
تعد خيارات مالبرانش المناهضة للديكارتية أكثر إثارة للاهتمام لأنها من الكثرة بحيث تبرر المعارضة بين مالبرانش وأرنو. سينحاز أرنو إلى التاويل الديكارتي للفكرة، مقابل تأويل مالبرانش، ذي الأصل الأوغسطيني. مالبرانش ، بعد أن رفض الفطرية الديكارتية للالتزام بالرؤية الأوغسطينية لله، سيرفض أيضا من المذاهب الميتافيزيقية الديكارتية الأكثر مناهضة لأغسطين، أي ذلك المذهب القائل بالخلق الحر للحقائق الأبدية.
من ناحية أخرى، سيُظهر أرنو تعاطفا واضحا مع هذه المذهب. ولكن لا شيء يمكن أن يكون أبعد من الأطروحة الأوغسطينية الأصلية للرؤية في الله أكثر من الأطروحة الديكارتية التي بموجبها خلق الله بكل حرية الأفكار التي تمثل جوهر الأشياء، وهي أطروحة افترضت التباسا مطلقا بين الروح البشرية وجوهر الله.
لقد كان اختيار مالبرانش للشمولية ورفض عقيدة الخلق الحر للحقائق الأبدية واضحين وجذريين.
يقول بهذا الصدد: “بكل تأكيد، إذا كانت الحقائق والقوانين الأبدية متوقفة على الله، إذا كانت قد أُنشئت بإرادة الخالق الحرة؛ باختصار، إذا لم يكن العقل الذي نستشيره ضروريا ومستقلا، يبدو لي واضحا أنه لن يكون هناك بعد الآن أي علوم حقيقية، وأنه من الممكن جدا أن نكون مخطئين إذا أردنا التأكيد على أن علم الحساب أو الهندسة الصينيين مشابهان لعلم الحساب أو الهندسة عندنا.”
(يتبع)