أحمد رباص – حرة بريس

“أردت أن أكون خائناً،لصا، ناهبا، مخبرا، كارها، مدمرا، محتقرا، جبانا. بضربات الفأس والصراخ، قطعت الحبال التي شدتني إلى عالم الأخلاق المعتادة، أحيانا فككت عقدها بشكل منهجي. بوحشية، أبتعدت عنكم، عن عالمكم، عن مدنكم، عن مؤسساتكم. بعد ما خبرت حظركم الإقامة، سجونكم، إنذاركم ، اكتشفت مناطق خالية شعرت فيها بفخر أكبر.” (ج.ج.)
1 – المجتمع الإجرامي حسب جونيه
عالم جان جونيه يختصر بأكمله في هذه الكلمة (المقتطفة من “يوميات لص” ). قال طبيب محلف لدى إحدى المحاكم إن جان جونيه وصل إلى “العمى الأخلاقي”. هذا ليس خطأ لأن جونيه مرشد أخلاقي يتهم المجتمع ويريد إعادة تأهيل المجرمين. يجب أن نتذكر أن الإنسان الفاضل ليس هو الرجل الذي يصنع لنا أخلاقا ولكنه الشخص الذي يبني أخلاقا، أيا كانت .
في بعض النواحي، يشبه جونيه محطما آخر للأصنام في الأدب: الماركيز دو ساد.
مثل الماركيز دو ساد تماما، قدم جونيه نفسه كإنسان فاضل. قام جان بول سارتر وجان كوكتو أيضا بمنحه هذه الصفة. لكن مثل ساد مرة أخرى، إلى الحد الذي تتعارض فيه أخلاقه مع الأخلاق التي يقبلها المجتمع، يكرس جونيه نفسه للعزلة من خلال الدفاع عن آرائه.
لا يمكن لتعريف قانوني بسيط ترجمة معنى الجريمة وفقا لـجونيه. في الواقع، من بين السلوكات الثلاثة التي تميز العالم الإجرامي بالنسبة للكاتب، أي السرقة والخيانة والشذوذ الجنسي، فإن واحدا من هذه السلوكات، كما نعلم، يعاقب عليه القانون: السرقة. في زمن جونيه. تضع هذه السلوكات الثلاثة المعنيين بها في موقف الاستبعاد من المجتمع التقليدي. في وقت لاحق، سوف تسمى أيضا بالسلوكات المنحرفة بدلا من الجانحة. لكن هذه السلوكات تصبح قيما في ثقافة أخرى. الخيانة والسرقة والشذوذ الجنسي هي المواضيع الأساسية في هذا الكتاب. “توجد علاقة بينها”، كما كتب جان جونيه في ‘يوميات لص”.
2 – عالم الانتقام الوهمي
من خلال رد الفعل على هذا الوصم الذي خبره منذ الطفولة، على صفة اللص التي سيلصقها به المجتمع في وقت مبكر (سنعود إليها)، انطوي جونيه على نفسه، في عالمه الشخصي. بنى لنفسه شخصية أخرى. أعاد تعريف نفسه. جونيه اعتبر نفسه مجرما. تصرف وتفاعل وفقا لنماذجه الشاذة، مقترفا أعمالا إجرامية.
كشف سارتر وكوكتو، في جونيه، عن هذا اللجوء إلى عالم انتقامي وهمي يمكّن من إنكار الموقف البائس الذي يجد نفسه فيه ويضع مكانها صورة مثالية عن المجرم. هذه الصورة المزينة تسمح له بحفظ شخصيته. من خلال إنكار الواقع المادي، ينطوي المجرم على الخيال، على عالم الفكر. في “معجزة الوردة”، حكي الكاتب كيف عاش، في بيت ميتراي للتأديب، مع رفاقه، مغامرات وهميّة تمتد أحيانًا لأيام أو أسابيع؛ يتخيلون أنفسهم رغاوي سفينة متمردة أو سفينة قراصنة. يهربون، بفضل هذه الرحلات الرائعة، من الظروف المؤلمة لوجودهم.
جان بول سارتر تحدث عن “الأحكام الرائعة” لجونيه. يؤكد جونيه بنفسه هذه المقاربة: إذا تفحصت ما كتبته، أجد فيه اليوم، رغبة متواصلة بصبر، في إعادة تأهيل الكائنات، الأشياء، المشاعر التي تعتبر حقيرة. رغبة في تسميتها بالكلمات التي عادة ما تعني النبل، ربما كان ذلك صبيانيا، سهلا: كنت أسير بسرعة. لقد استخدمت أقصر الوسائل، ولكني لم أكن لأفعل ذلك، لو أن هذه الأشياء، هذه المشاعر (الخيانة، السرقة، الجبن، الخوف) لم تستدع، في قرارة نفسي، الصفة المخصصة عادة ومن طرفكم لأضدادها (مقتطف من “يوميات لص”).
يطابق جونيه دائما الألقاب التي تُعتبر “نبيلة” مع المشاعر التي تُعتبر “دنيئة”. يتحدث عن طفل مجرم كأنه “سفاح لطيف”. القاتل “مجيد”، والعمل الشرير “جميل” ، والانحطاط الأخلاقي علامة على “القدسية”. مثلما يستخدم طفل أو رجل من الحضارة البدائية اللغة من خلال منحها فضيلة سحرية له، يسمي جونيه الكائنات والأشياء ملصقا بها الصفات التي تغير طبيعتها.
3 – الجريمة المبجلة، الجريمة المثيرة
مثل ماركيز دي ساد، يشبع جان جينيه رغباته رمزيا عن طريق الكتابة. مثل ساد، سيكتب جينيه في السجن جزءا كبيرا من عمله. مثل ساد، يتخيل جينيه نفسه مجرما، وتبهره جرائمه المتخيلة.
الجريمة عند جينيه مبجلة لكنها شبقية أيضا. إنها عمل عدواني ولكنه أيضا عمل جنسي وديني كما يتضح من الصفات والأفعال المستخدمة، مثلا، في هذا المقتطف القصير من “معجزة الوردة” حيث يصف الكاتب، بنوع من الانطباع الغنائي، عملية سطوعنوة.
إليكم المقتطف التالي: “في كل مرة حكى عن إنجازاتهم، طبقة فوق طبقة، من خلال الشقق الفاخرة، الدافئة، الأبواب المفتوحة، الزرابي الموطأة، الثريات المبهرة، الخراب، إثارة قطع الأثاث المفتوحة، المغتصبة، المال الذي يئن تحت الأصابع، (…) إنها الحياة الخاصة، الوجود الحميم للمالك، هو ما تم اغتصابه، اختراقه. (…) سوف يفهم كل اللصوص الكرامة التي كانت تجللني عندما حملت في يدي سيدي الملقط، ال”قلم”. من ثقله، من مادته، من عياره، من وظيفته أخيرا، انبثقت سلطة جعلتني إنسانا. كنت أحتاج دائما إلى هذا القضيب الفولاذي لتحريري تماما من تصرفاتي البائسة، ومواقفي المتواضعة وتحقيق بساطة الرجولة الواضحة …كنت أكن له، منذ سطوي الأول، كل الحنان الذي يكنه المحارب لأسلحته، مع تبجيل غامض كما هو الحال عندما يكون هذا المحارب وحشيا وسلاحه بندقية.”
إذا كان لا بد من التشخيص، فإن التغلغل في الشقة يعادل الاختراق الجنسي العنيف. السطو يصبح عملاً بطولياً. اللص هو محارب يتم تكريم أسلحته. السكين يصبح رمزا قضيبيا، وكذلك سيدي الملقط.
مثل ساد مرة أخرى، يربط جينيه الشبقية بالمعاناة والعنف. يجد سعادته في الألم. وفقا لجان بول سارتر، عند جينيه، المعاناة هي المكمل الضروري لمتعة الآخر، إنه يستمتع بها كما لو كانت متعة الآخر .. . ها نحن قد عدنا إلى هذا الانقلاب المعمم الذي يميز الشر، هذه الإرادة الحرون، ما دام يحرم عليه كل شيء، إلى فهم الحرمان كرقم للامتلاء، إلى الامتلاء بهذا الفراغ. ألمه متعة متخيلة.
مثل ساد أخيرا، يربط جونيه الشبقية بالتمسرح؛ إنه مهووس بلعب الأدوار، بمسرحة الحياة. شخصياته تمثل لتكون هي نفسها أو شخصيات أخرى.
في “الشرفة”، كل غرفة في ماخور فاخر تذكرنا بالديكور الذي تعيش فيه شخصية مهمة في مجتمعنا: الأسقف، القاضي، الجنرال، إلخ. يختار الزبناء الشخصية التي يريدون تقمصها خلال اللعبة. الماخور يرمز إلى العالم والعالم ليس إلا مظهرا. في “الخادمات”، كانت الخادمتان (يستوحي جينيه الأخوات Papin، المسممات الشهيرات)، تؤديان دور السيدة، رئيستهما.
4 – وضوح وعزلة
ومع ذلك، فإن جينيه، مثل ساد، نادراً ما خدعته “أحكامه المجملة” التي يحاول من خلالها تحويل الواقع المخيف الذي عاشه. إنه يعرف أن حياته، بطريقة ما، فاشلة وأن موقفه طفولي بالفعل. هذا الوضوح يتجلى بشكل خاص في “معجزة الوردة”، التي نقدم لكم منها هذا المقتطف: “مرتدية حُليها المقدسة، أرى السجنً عاريا، وكان عريه فظيعا. المحتجزون هم فقط أشخاص فقراء بأسنان نخرها داء الإسقربوط، تقوست ظهورهم بالمرض، يبصقون، يسيل ريقهم، يسعلون. يذهبون من المهجع إلى الورشة منتعلين قباقيب كبيرة ثقيلة ورنانة، يتعثرون في نعال من القماش، مثقوبة وصلبة باالقذارة التي شكلها الغبار مع العرق. تفوح منهم رائحة كريهة. إنهم جبناء أمام أخطائهم، هم ليسوا أقل منها جبنا. إنهم ليسوا أكثر من صورة كاريكاتورية غريبة للمجرمين الكرام الذين رأيتهم عندما كنت في العشرين من عمري، وما أصبحوا عليه، لن أكشف أبداً مزيدا من العيوب، من البداءات، لأنتقم من الشر الذي أذوني به، من الملل الذي تسبب لي في غباء لا مثيل له.”
هذه الملاحظة الفظة تعيد جينيه إلى عزلته الأصلية: لن يكون شريكا لمجتمع يكرهه، لكنه لم يعد واحدا من هؤلاء “المجرمين الممجدين”. في مقالته الشهيرة “الأدب والشر”، كتب جورج باطاي: “ما جعل جونيه يغوص في الوحل هو الوحدة التي حبس فيها نفسه … لا يوجد دافع مبتذل يفسر فشله، ولكن كما هو الحال في سجن مغلق بإحكام أكثر من السجون الحقيقية، قدر بئيس حبسه في داخل نفسه، في عمق ارتيابه”.
5 – الطفل المجرم
لم نتحدث حتى الآن سوى عن أعمال جان جينيه. ولكن ما هي حياته التي وصلت به إلى هذه الدرجة من العزلة واليأس؟
تشرح حياة جينيه بالتأكيد سبب تطور هذه الأخلاق إلى الوراء. اخترع الكاتب أسطورة لكنها تستند إلى وقائع حقيقية وهذه الوقائع، من حيث فظاظتها، تتجاوز أحيانا الخيال. في رواياته، يعطينا الكاتب عن ذاته صورة لص ثائر متوحش غير متعلم. لكن جونيه لم يرتكب أي شيء سوى السرقات الصغيرة، لا سيما الكتب والملابس، وتكشف مراسلاته عن ثقافة راقية كان يخفيها دائمًا بعناية.
عند ولادة جان جينيه في باريس سنة 1910، تركته أمه عند هيئة المساعدة العامة التي وضعت الطفل لدى عائلة تعيش وتمتهن النجارة في الريف. في سن العاشرة، ضبط متلبسا في عملية سرقة. هذا الاتهام الأول بالسرقة كان هو الحدث الأساسي في الأسطورة التي أبدعها جان بول سارتر حول جونيه وطورها في كتاب بعنوان “القديس جونيه، الكوميدي والشهيد”. وفقًا لسارتر، فإن جينيه، الذي تربى على يد بدائيين ، في بيئة “حيث يتم الخلط بين الملك والوجود “، لم يقم سوى ب”محاكاه حركة المالك” ليوهم نفسه وكأنه مثل الآخرين. يشرح سارتر أن هذا الاتهام الأول صدم الطفل بعمق. أصبح جونيه موصوما. من الآن فصاعدا، لن تكون حياته كلها غير “تكرار تجربة الرعب الذي شعر به أمام كلمة لص الفضائحية.
من الآن فصاعدا، تحددت هوية جينيه مرة واحدة وإلى الأبد. يشرح سارتر أنه في هذه اللحظة من حياته، اختار الطفل جونيه مهنة لص. يقرر أن يصبح ما يتهمه الآخرون به: لص. في زمن لاحق، أصبح جونيه الكاتب الذي يمتدح الشر والجريمة.
6 – محكمة الأحداث ومستوطنة ميتري الزراعية
في سن الرابعة عشرة، بعد حصوله على شهادة الدروس الابتدائية، غادر جينيه قريته بالتبني وذهب إلى مدرسة في ضواحي باريس لتعلم مهنة منضد الحروف. بعد عدة محاولات هرب وفشل العديد من التموضعات الأخرى من قبل هيئة المساعدة الاجتماعية، تقوم محكمة الأحداث بإرسال جونيه إلى مستوطنة ميتري.
كانت المستعمرة، منذ ما يقرب من قرن من الزمان، أقدم وأعرق المؤسسات الإصلاحية الكبرى للطفولة المنحرفة. في مقابلة مع الراديو، تحدث جونيه عن الأمر بشكل غريب:
فعندما سئل عما إذا كان يعلم أنه كان سعيدا، أجاب بنعم، وأكد أنه كان سعيدا رغم العقوبات، رغم الإهانات، رغم الأعمال الشاقة ، ورغم كل شيء .
ولكن عندما وصل جينيه إلى متري ، تتضعضعت المستوطنة ولم يعد موظفوها مؤهلين. بدأت الصحف في وصف ميتري ب”سجن خاص بالأطفال”. كشفت دراسة استقصائية أجريت سنة 1937 عن المستوطنات أن القذارة متفشية فيها، وأن نزلاءها يعانون نقص التغذية، وغياب المتابعة الطبية، والتوجيه المهني، وتدريب المعلمين.
الغرض من المستوطنة هو إصلاح الأطفال بدلاً من معاقبتهم، ويجب تحقيق هذا الإصلاح من خلال العلاقة الحميمة مع الطبيعة وتفديس الوازع الديني وروح الأسرة.
الدين حاضر بقوة من خلال الصلوات (ثماني مرات في اليوم)، والقداسات والتعليم المسيحي. الانضباط وفق النمط العسكري. يعيش الأطفال في مجموعات من نفس الفئة العمرية في أقسام فرعية تسمى “منازل الأسرة” تحت إشراف أحدهم، “رب الأسرة”.
العقوبات شائعة وقاسية للغاية، تمرر من خلال منح الخبز الجاف، التمارين الرياضية في الساحة، الحبس الانفرادي في الزنزانة أو الكاشو. هذا النظام (الصارم) أدي في بعض الأحيان إلى الموت. للهروب من تصفيح العمل والجوع والانضباط، يحاول الأطفال قتل أنفسهم أو تشويه أنفسهم أو الهرب. حدثت حالات تشويه الذات بأعداد غفيرة، للهروب من العمل والذهاب إلى المستوصف.
إنما في ميتري أنجز جينيه قراءاته العظيمة الأولى، ومارس تجاربه الأولى في الجنسية المثلية. بعدما حاول الفرار من المستوطنة، سرعان ما اهتدى إلى الهروب منها داخليا وهو يسبح في عالم من الأحلام التي يغذيها الأدب. اكتشف رونسار والروايات الشعبية. في وقت لاحق، سوف يقرأ دوستويفسكي ورامبو وفيلون وبروست. لكن نماذجه ظلت بودلير وفيرلين ومالارمي.
في القرية التي نشأ فيها، كان جان مهمشا، طفلا لقيطا، لصا، حالما، قارئا. تعارضت هويته مع قيم القرية. في متري، لأول مرة، يتم قبوله من قبل الآخرين. لم يعد هو الفتى المؤنث الذي يحتقر، بل هو الجمال الذي يطمح إليه المستوطنون الأكبر سناً. تقريبا كل جانب من جوانب الحياة في ميتري ذو إثارة جنسية بالنسبة لجينيه.
7 – الإدانات والكتابة في السجن
في عام 1929، غادر جينيه سجن ميتري وانضم إلى الفيلق الأجنبي. وفقا للأسطورة، لم يقض به سوى أيام قليلة. في الواقع، تمكن من الفرار بعد ست سنوات وترك فرنسا هربًا من المتابعات التي تلاحقه بها السلطات العسكرية. قاده مسار رحلاته إلى إيطاليا وألبانيا ويوغوسلافيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وألمانيا وبلجيكا، وعاد إلى باريس ليشد منها الرحال مرة أخرى إلى الجنوب.
تم العثور على جان جينيه في باريس في 16 سبتمبر 1937، تم القبض عليه بتهمة السرقة. إجمالاً، إلى جانب ميتري، سيقضي جينيه أربع سنوات تقريبًا في سجون البالغين، معظمها في كل من سجني سانتي وفريسن بالقرب من باريس.
بين عامي 1937 و 1943، سيُحكم عليه بغرامة في إحدى عشر مرة وبمدد قصيرة في السجن، نظير سرقة الكتب أو الملابس أو زجاجات فاتح الشهية … عرف سجونا مختلفة، وخاصة سجن فريسن، أثناء الاحتلال النازي، المعروف بنظام مماثل تقريبا لنظام خبره فيرلين، الذي سجن في بلجيكا، قبل مائة عام! خلال الحرب، طبق المحتل النظام النازي في السجون الفرنسية. في فريسن، عمل جينيه أكثر من تسع ساعات في اليوم، وكانت الزيارات والاتصالات نادرة جدًا. العقوبات عديدة وغالبا ما تتمحور على العلاقات مع العالم الخارجي.
هنا، في هذا المكان، كتب جينيه “معجزة الوردة”، روايته الثانية. قام النازيون بتعمد إطعام المحتجزين على نحو سيء وما كان من جينيه إلا أن كتب لأصدقائه مجموعة من الرسائل يتوسل إليهم فيها إمداده بطرود غذائية. كان أولاً في الزنزانة الانفرادية، ثم في زنزانة مكتظة، يجلس القرفصاء في زاوية، ويكتب على صفحة من الورق البني، الذي من المفترض أن يصنع منه السجناء أكياسا. صادر المراقب مخطوطته لما كتب حوالي خمسين صفحة وعوقب جينيه لكونه حول ملكية الدولة لشيء مختلف. لكن سرعان ما شرع الكاتب في إعادة كتابة الرواية. منذ ثلاثينياته، وخلال إقاماته المختلفة في السجن، كتب جينيه الكثير من رواياته وقصائده وبداية مسرحيته الأولى.
بين إقامتين في السجن، تيواجد جينيه في باريس حيث اكتشف عن كثب عالم ساحة بيغال الذي وصفه في Notre-Dame-des-Fleurs. بدأت أسطورته تتشكل شيئًا فشيئًا: سيقول جينيه إنه يكتب لدفع الملل، وللحصول على الطعام في وقت لاحق، كل هذا حدث له فقط في السجن. تلك صورة لص قدمها آنذاك، متمرد، غير متعلم ، أثبتت تجاربه في مجال الأدب نجاحها. ادعي أنه لا يهتم جدا بالفن إلا قليلا. إن مغامرته الحقيقية الوحيدة، حسب قوله، هي الثورة ضد المجتمع. لكن عديدة هي مراسلاته التي تتناقض مع هذه الصورة نفسها التي اقترحها جينيه على العالم. تمتلئ هذه الرسائل بالإحالات الثقافية. إنها رسائل كاتب ذي أسلوب أنيق، وليست رسائل “لص أمي”. لذلك يجب علينا استبدال أسطورة لص أصبح فجأة كاتباً في السجن بصورة كاتب مشرد، قارئ مهووس ومنحرف عن زمنه.
8 – مع جان كوكتو
في أواخر عام 1942، تداول القراء في باريس أول عمل لـجينيه، وقد طبعه ونشره على نفقته: إنه قصيدة “حارس الموت”. يسلط هذا العمل الضوء على السمة البارزة لشعر جينيه. كلمته متوهجة. بالإضافة إلى كزنه شاعر شر، جينيه هو في نفس الوقت كاتب كلاسيكي، أرستقراطي الكلمات. هذا العمل فريد من نوعه من حيث غنائيته المتميزة، المهذبة والمتوحشة في وقت واحد.
كان جينيه، خلال سنوات عديدة، يقتات من بيع الكتب المسروقة التي كان يعرضها في صندوق بائعي الكتب على ضفاف نهر السين. في عام 1943، قرئت لكوكتو قصيدة “حارس الموت”، فأنبهر لسماعها منذ البداية. وسرعان ما عبر عن رغبته في مقابلة الرجل الذي اعتبره من الآن شاعرا مجهولًا. كتب كوكتو في يومياته: “في بعض الأحيان تحدث لي معجزة. مثلا ، “حارس الموت” لجان جينيه. أعتقد أنه لم يبق منها إلا أربع نسخ فقط. هو مزق الباقي. هذه القصيدة الطويلة روعة. جان جينيه يغادرسجن فريسن (سبتمبر 1942). قصيدة شبقية على شرف موريس بيلورج، قاتل ذو العشرين سنة، أُعدم في 12 مارس 1939، في سانت بريوك. شبقية جينيه ليست صادمة أبدا. فاحشته ليست فاحشة أبدا. حركة هائلة ورائعة تهيمن على كل شيء. النثر الذي يبدأ قصير، قح ، متكبر. أسلوب مثالي.”
التقى كوكتو بجينيه وأدخله إلى الوسط الفني. بدأ جينيه حياة طبيعية. في باريس بأسرها، أصبح “شاعر كليبتومان”. هذه هي الحقبة التي تعود إليها الصور الفوتوغرافية المتعارضة تماما مع صورة جينيه التي رسمها كتاب سارتر: جينيه في سهرة بجانب ليونور فيني، جالس على صندوق المكتبة … البرجوازيات اللائي كن يستقبلنه ينتظرن بلهفة أن يسرق بعض أدوات الأكل الفضية … ومع ذلك، فهو يعمل بجد وفي ست سنوات كتب روايات، قصائد، سيرة ذاتية، ونصا سينمائيا. كان في الحقيقة يحاول ويجرب كل شيء . في عام 1949، صدرت أعماله عن دار النشر “غاليمار” الذائعة الصيت.
في اليوم الموالي للقائه مع كوكتو، أحضر جينيه مخطوطة عن روايته “نوتردام – دي – فلور”. كتب كوكتو في يومياته: “أؤكد أنه لا يوجد مطلقا في هذا الكتاب إرادة الفضيحة. اليد التي كتبته بريئة، حرة من دون أي إكراه (…) هنا العزلة ولمعان شمس سوداء.”
تكفل كوكتو بنشر الرواية وقال لجينيه: “أنت لص سيئ، هكذا تتصور نفسك. لكنك كاتب جيد.” تغطي روايات جينيه الأربعة حياته حتى هذا الوقت: تستحضر “نوتردام – دي – فلور” طفولته في القرية، مع مشاهد من حياته في مونمارتر وفي السجون، في حين تتحدث “معجزة الوردة” عن متري ثم عن انتقاداته للحرب ، أما رواية “Pompes funèbres” فهي تمزج بين فترات من حياة جينيه وصديقه ديكرنان مع القصة الخيالية لخادمة شابة، وأخيرا تقتفي “يوميات لص”، التي تعتبر سيرته الذاتية، أثر جينيه منذ خروجه من معتقل ميتري إلى الوقت الذي التقى فيه بكوكتو.
في عام 1944، التقى جان جينيه مع جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، التي أشارت على الفور إلى بعض خصائص جينيه: ذكائه وعناده. لاحظت بوفوار أيضًا أنه إذا حدث أن دعا إلى الخيانة، فهو مخلص جدا للصداقة. عندما التقي جينيه بسارتر، دخل الأخير فترة المجد. في الواقع، بين عامي 1945 و 1956، كان جميع المثقفين يرتدون ملابس سوداء، يحملون نسخة من كتاب “الوجود والعدم”، يشاهدون مسرحيات سارتر، يشترون رواياته ويناقشون أفكاره. كان سارتر يقضي ساعات في التحدث إلى جينيه. كلا الكاتبين يحب المسرح، السينما، الرواية، يحتقر البرجوازيين، يسافر دون أمتعة ويمزج اللغة العامية باللغة الفكرية المتطورة.