أحمد رباص-حرة بريس

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان يمكن قول الشيء نفسه عن التاريخ عندما ندركه بمعنى الواقع التاريخي، إذا كان نفس المبدإ ينطبق على الطبيعة والتاريخ، إذا كان التاريخ هو الآخر نسقا. هل الافتراض المتعالي الذي وفقه يكون التاريخ نسقا ضروري ذاتيا، أي يحوز شرعية على المستوى الإبستيمولوجي؟
في إطار الفيزياء التي نقارنها هنا بالتاريخ، منظورا إليه هذه المرة كعلم تاريخي، نقول مع ألكسندر كوجيف إن الفكرة التي بموجبها تُمنح الطبيعة “بنية سببية” هي افتراض متعالي ضروري ذاتيا.
بعبارة أخرى، يحق للفرد أن يؤكد أنه على نطاق معين يمكن اعتبار العالم كما لو كان له بنية سببية دقيقة. وهذا يثبت أن له بالفعل بنية سببية من الممكن اكتشافها.
لا توجد قوانين ثابتة في التاريخ، ولا يمكن للعقل التاريخي، أي كناية، المؤرخ، ان يفسر الأحداث، أن يفترض أنها ناتجة عن بنية سببية، أن ينطلق من هذا الافتراض المتعالي بأن قانونا ضروريا يحكمها بأثر رجعي. يمكن للعقل ويجب عليه أن يشرع في إعادة تكوين العلاقة السببية بين الظواهر التاريخية، ويقتفي أثر عملية راجعة هي عبارة عن صعود السلسلة السببية في كل مرة من المشروط إلى الشرط، لكن الرابطة السببية الموصوفة هكذا لا يحكمها قانون ضروري، أي أن الأحداث التاريخية لا تحدث بطريقة ضرورية.
لاحظ رايمون آرون في هذا الصدد ، وهو يحلل سرد ثيوسيديدس لحرب البيلوبونيز ان السؤال: ماذا كان سيحدث لو …؟ يُطرح بشكل لا يقاوم على المؤرخ الذي يعتبر الماضي من منظور الأحداث. نظرا لأن الحدث – حسب رأيه – هو عمل رجل أو بضعة رجال ونفكر تلقائيا في العمل الحر أو الاختيار، الحر، فإننا نعتقد أنه ليس حتميا فيما يتعلق بالموقف. ” لا يعني عدم الحتمية أنه كان بإمكان الفاعل، دون أن يكون بشكل أساسي آخر، قد اتخذ القرار الآخر […] أو أن فردا آخر كان سيتخذ القرار نفسه عاجلاً أو آجلاً ، أو سيتخذ قرارا آخر في نفس الوقت. […] بعبارة أخرى، عندما يتحدث المؤرخ عن الكيفية التي لم تحدث بها الأشياء، فإنه ينظر إلى الصدفة كما لو كانت “التقاء سلسلات”، حظا سيئا (كسوف القمر، اضطراب حرارة القتال)، قرارات قاتلة التي مأخوذة من هذا أو ذاك اللذين يمكن أن يكونا آخرين. إن الإدلاء بالحجة متروك للمؤرخ الذي ينفي الصدفة وليس لمن يراقبها بسذاجة.
في مجرى الأحداث، هناك نصيب لكل هذه العوامل التي تجعل التنبؤ التاريخي، ليس مستحيلا باعتراف الجميع، ولكنه صعب، وإشكالي للغاية، بفعل عوامل موضوعية مستقلة عن الفاعلين التاريخيين؛ عوامل موضوعية أو ذاتية تعتمد أو لا تعتمد على الفاعلين التاريخيين، مثل نوعية وكمية التجهيزات الموجودة تحت تصرفهم، وصفاتهم الفكرية والتقنية والأخلاقية، وعواطفهم، ومهاراتهم. وباختصار شديد، تفرد الأحداث التاريخية هو نتيجة حرية الإنسان كما درسها كانط في الديالكتيك المتعالي.
الحرية بالمعنى العملي هي استقلال الإرادة عن إكراهات ميول الحساسية. ذلك ان الإرادة حساسة بقدر ما هي متأثرة على نحو مرضي (بدوافع الحساسية)؛ تسمى (قدرة الحيوان على الاختيار) عندما تفرض كضرورة على نحو مرضي. صحيح أن إرادة الإنسان هي قدرة حسية على الاختيار، ولكنها ليست قدرة حيوان مقيدة؛ إنها قدرة على الاختيار متحررة، لأن الحساسية لا تجعل عملها ضروريا، ولكن هناك في الإنسان قوة لتحديد نفسه، في استقلال عن إكراهات ميول الحساسية.
ما يقوله كانط عن المعرفة العلمية بشكل عام فيما يتعلق بالتجربة الحسية، يجوز أن نقوله عن الفلسفة فيما يتعلق بالتاريخ: “قدرتنا على المعرفة” لن يتم “إيقاظها” و “تفعيلها” إذا لم تكن هناك أشياء تحفز نشاطها ما دامت “تثير حواسنا”. إذا لم تكن الحساسية جزءًا من تكويننا الذاتي، فسنكون غير قادرين على المعرفة بالمعنى الدقيق للكلمة. لن يكون هناك اتصال بين ملكة المعرفة لدينا والتجربة الحسية التي نشكل جزءا منها والتي تزودنا بالأشياء التي يجب معرفتها.
إن العلم والفلسفة، كما قال أفلاطون، من اختصاص الإنسان. العلم ليس من اختصاص الآلهة، الأرواح الخالصة، لأن الآلهة، بحكم التعريف، مجردة من الحساسية، أي من القدرة التي للعقل على “تلقي التمثلات لأنه متأثر بشكل من الأشكال”؛ وكيف يمكن لعقل خالص أن يُبرهن على مثل هذا “التلقي”، ان يتأثر بأشياء من التجربة الحسية عندما لا تكون الحساسية أحد مكونات طبيعته؟
كان كانط، أثناء حديثه عن التجربة، يشير دائما إلى التجربة الحسية، ويعطي الانطباع بأن نظريته حول المعرفة ليست سوى إبستيمولوجيا العلوم الطبيعية والرياضيات. وفي الحقيقة، فهي تتضمن كذلك عناصر من إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية.
فعلا، وعلى الرغم من أن الأحداث التاريخية يجب أن ترتبط بالحرية، أي “بملكة الشروع من تلقاء الذات في حالة ليست سببيتها خاضعة بدورها […] لسبب آخر يحددها من حيث الزمن”، فليس من غير المعقول التفكير في التجربة التاريخية، ليس بنفس المقولات وبمساعدة نفس schèmes التي هي عمليات أو وسائل يصبح من خلالها المفهوم فعالا من خلال إشراك الحدس، و نستخدمها عندما نفكر في التجربة الحسية، لأن مبادئ علم الفيزياء غير قابلة لأن تحول إلى علم تاريخي، ولكنها كذلك بشكل مماثل مع التجربة الحسية. ويبقى التاريخ هو الإطار الوحيد الذي نحصل فيه على حدوسنا الفلسفية.
والأحداث التي توفر لنا حدوسا فلسفية، نحن نعيشها على نحو تاريخي، من خلال التجارب الشخصية، نتعرف عليها من خلال ما يقال عنها، في الصحف، في التلفزيون، تتأثر بها عقولنا كما تتأثر بأشياء التجربة الحسية. ولأنه محدود في الزمان والمكان، يمكن للإنسان بالتالي أن يعرف فقط الأشياء التي تُمنح له من التجربة – في الطبيعة أو في التاريخ.
“هكذا – يقول كانط – تعطى لنا الأشياء عن طريق الحساسية، هي الوحيدة التي تزودنا بالحدس”، على اعتبار أن الأخير هو “الطريقة التي ترتبط بها المعرفة مباشرة بالأشياء”. لا يمكن لأي مؤرخ، مثلا ، دون إثارة الضحك المتعالي والسخط العارم من الزملاء، أن يقول إن الله أو الآلهة أو الأشباح فعلوا أو قالوا كذا و كذا في زمن ما.
(يتبع)