محمد بوبكري


يرى خبراء جزائريون أن الوضع السياسي الذي تعيشه الجزائر وطبيعة نظام الحكم، وما وصل إليه من ترهل وتكلس على مستوى بنيته الداخلية ومرجعيته ونخبه، قد وصل إلى نهايته، حيث ضربه العقم، ولم يعد قادرا على تقديم أي جواب. ومع ذلك، فقد استمر هذا النظام منذ انفجار أكتوبر 1988 مُستعملا من أجل ذلك مختلف وسائل العنف والريع والترهيب والخداع والتحايل السياسيين، ومُوظفا مختلف وسائل الإعلام لإقناع المجتمع الجزائري بأن الاستمرار أهم من أي تغيير حقيقي.


لذلك، فلا إصلاح من داخل هذا النظام السياسي، كما لا يمكن أن يحدث ذلك به، لأن أزمة الجزائر عميقة ومتشعبة، فهي في عمقها عطب تاريخي. بالتالي، ففكرة محاولة الإصلاح بسيطة مقارنة بحجم أزمة الأزمة العميقة للمنظومة السياسية، لأنها فكرة توحي، في عمقها، بأن الأزمة ذات طابع تقني ومرحلي، في حين الأزمة في الجزائر هي عطب تاريخي، ما جعلها ذات طابع بنيوي مرتبط بطبيعة السلطة وممارساتها، وآلياتها وبما آل إليه المجتمع الجزائري من تترهل وتكلس عبر عقود. لقد ولد نظام الحكم في الجزائر بطريقة غير طبيعية تتعارض وطبيعة المؤسسات في الدولة الحديثة. فمنذ ولادة النظام السياسي في الجزائر في بداية الاستقلال وهو يتنافى مع طبيعة الدولة الحديثة، حيث تواجد رؤساء عن طريق الانقلاب تارة، أو عن طريق التحايل تارة أخرى، أو عن طريق الترويج لأفضلية الاستقرار على فكرة التغيير مرات أخرى. فمنذ مؤتمر طرابلس إلى اليوم، ظل نظام الحكم في الجزائر يتعارض في جوهره مع طبيعة الدولة الحديثة ومقتضياتها. فالدولة الحديثة تعني المؤسسات، وهذه تعني اتخاذ الشعب للقرار، ما يقتضي سيادته، ويستوجب وجود قيم مشتركة تجعل الشعب قادرا على التقرير في شؤونه. لكن عندما ننظر إلى ما يحدث في الجزائر، فإننا نجد أن النظام السياسي العسكري قد انقلب ضد الشعب، وحال دون ارتقاء الشعب إلى مستوى مجتمع فاعل يمكنه أن يتحول إلى شعب يمارس سيادته الكاملة.


ونظرا لتغييب النظام السياسي الجزائري للمأسسة، فقد تمحور دوما هاجس هذا النظام، منذ عهد بومدين، حول مسألة الاستقرار، والحال أنه لا استقرار في غياب المأسسة. لذلك، ونظرا لتغييب المسألة الديمقراطية منذ عهد بومدين، فقد ظل هاجس الاستقرار هو المحرك للنظام السياسي الجزائري منذ “استقلال” الجزائر إلى الآن، هذا الاستقلال الذي لا يحس به الجزائريون اليوم، لأنهم لا يرون أي فرق بين الاستعمار والاستقلال، ما جعلهم يطالبون اليوم بالاستقلال عن نظام العسكر المستبد؛ وهم محقون في ذلك، لأن الاستبداد هو الوجه الآخر للاستعمار، بل إنهم يرون فيه امتدادا له، ما يعني أن الجنرالات، في نظرهم، امتداد للاستعمار. وهذا صحيح، لأن “هواري بومدين” سهل على الاستعمار زرع ضباطه في الجيش الجزائري حتى يظلوا في خدمة مصالحه الإستراتيجية في الجزائر. لذلك نجد بعض المعارضين يؤكدون أن الجزائر اليوم هي مجرد ملحقة تابعة لجهات فرنسية.


وبعد الانفجار الأخير للحراك الشعبي في وجه حكام الجزائر ومطالبته بتغيير نظام العسكر، صارت بعض زعامات الأحزاب الموالية للجنرالات تدعو إلى إيجاد صيغ للتوافق بين العسكر والشعب. لكن هؤلاء لا يدركون معنى مفهوم “التوافق”؛ فهو نوعان:
الأول فوقي مصدره أنظمة متسلطة تفرض مضمونه وأدواته وآلياته، ما يعني أن الأمر ليس بيد الشعب، ولا مؤسساته. وهذا ما يفضي إلى استمرار الأنظمة المتسلطة، ما يفيد استمرار الأمور على حالها، وإلى استحالة التغيير.


والثاني توافق في المراحل التي تبرز فيها، بشكل جدي، إرادة الانتقال الديمقراطي، على أساس التداول على السلطة والانفتاح وتشجيع النخب الجديدة، وتمكين المجتمع من النمو، ومن التعبير عن نفسه عبر تعددية فعلية، تفضي في النهاية إلى التوازن والاستقرار الفعلي.
ويرى ملاحظون وفاعلون سياسيون جزائريون أن كلمة “التوافق” هي حق أريد به باطل. فعندما تأتي على لسان السلطة والموالين لها، يكون المراد بها هو الإجماع الذي هو الباطل عينه، لأنه يؤدي إلى استمرار النظام… فالنظام السياسي الجزائري يرفض الاعتراف بأزمته، بل يعتقد ويتبجح بأنه قد أعطى الكثير والكثير. ولا يدرك أن الجنرالات قد خوصصوا الدولة واحتكروا وظائفها، ومؤسساتها، ما حال دون ميلاد الدولة الحديثة، وارتقاء المجتمع الجزائري إلى شعب له سيادة..
ويؤكد خبراء جزائريون أن النظام السياسي قد أصبح اليوم يشكل خطرا على الأمن القومي الجزائري، ما يقتضي تغييرا جذريا لهذا النظام. وهذا ما يستوجب إحداث قطيعة مع طبيعة النظام في جذوره وشرعياته ومرجعياته وذهنياته وأوهامه التاريخية. والتغيير الجذري لهذا النظام يستلزم قطيعة مع طبيعة السلط وأدواتها وأساليب الحكم وآلياته… وممارسة القطيعة مع ذهنيات المجتمع الذي انتقلت إليه كل أمراض النظام السياسي منذ “الاستقلال” إلى اليوم.
وإذا كان النظام السياسي والموالون له يروجون أن القطيعة تعني ممارسة العنف، فليس الأمر كذلك في زمن الحراك الشعبي، لأن هذا الأخير اختار القيام بثورة سلمية حضارية بيضاء. أما العنف، فهو من طبيعة النظام الذي ولد بالعنف وعاش به، ويريد الاستمرار عن طريقه. عندما يطالب الحراك الشعبي بالتغيير الجذري السلمي، فإنه يقصد قطيعة مع الأفكار والثقافة والآليات التي حالت دون ميلاد الشعب الجزائري القادر على ممارسة سيادته.


هكذا، فإن النظام الجزائري قد حال دون بناء دولة حديثة تمكن النخب من أن تؤدي مهمتها في مجتمع مفتوح، ما جعل النظام والمجتمع منغلقين، ومناقشة كل القضايا ممنوعة، وتم تأجيل ذلك إلى أن أصبحت عبارة عن “طابوهات” يعاقب قانون العسكر كل من حاول التطرق إليها. وبذلك وجد المجتمع الجزائري نفسه أمام منظومة سياسية شمولية تغتال العقل والوجدان، وتتعارض مع الحداثة …
تبعا لذلك، فغياب الحرية والمأسسة الديمقراطية هو ما جعل الحراك الشعبي يطالب بالقطيعة فكريا ومنهجيا مع نظام العسكر… فهو لا يطالب بإصلاح النظام، بل يتمسك بالقطيعة معه جملة وتفصيلا، ما يعني أنه يريد قطيعة مع آليات وضع الدساتير في الجزائر، التي تحول دون تمكين الشعب بأن يكون صاحب السيادة، أي رقيبا ومراقبا لكل المؤسسات.


فالجزائر تتراجع اليوم بنيويا وماديا، ما يقتضي تجنب الدخول في توافقات مع السلطة، بل يجب على كل القوى المعارضة والمعارضين أن يشرعوا في تطوير بدائل، ويعملوا على استمرار الحراك الشعبي من أجل ممارسة المزيد من الضغط على العسكر في أفق خلق ميزان قوى جديد يفرض على العسكر مشاريع جديدة وبدائل جديدة ونخبا جديدة، ما يفضي إلى تغيير جذري يقود إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة…