وأنا أستقبل سنة 2026… أكتب عن الألم

وأنا أستقبل سنة 2026، لا أستقبلها بخفة العابرين ولا بطمأنينة من لم يُمتحنوا، بل أستقبلها محمّلًا بتجربة ثقيلة اسمها الألم. لا ألمًا واحدًا، بل آلامًا متراكبة: ألم المرض، ألم السجن، ألم الظلم، ألم تلفيق التهم، وألم التشهير دون عقاب. آلامٌ لا تُرى كلها بالعين، لكن آثارها محفورة عميقًا في النفس والذاكرة.الألم ليس دائمًا صرخة جسد، أحيانًا يكون صمتًا داخليًا. المرض يُوجِع، نعم، لكنه وجع مفهوم، له تشخيص ودواء وصبر. السجن قاسٍ، لكنه قد يكون ثمن موقف. أما الظلم، فهو الألم الذي يضرب المعنى ذاته، يهزّ الإحساس بالعدالة، ويزرع في الروح سؤالًا موجعًا: لماذا؟وفي هذا السياق، يصبح التشهير دون عقاب واحدًا من أخطر أشكال الألم النفسي. لأنه اغتيال بطيء للسمعة، وضربٌ للكرامة في العلن، وتعرية قاسية أمام مجتمع لا يعرف الحقيقة كاملة. قد يتحمله البعض بصلابة نادرة، وقد ينهار تحته آخرون بصمت. فليس كل إنسان يملك نفس القدرة على الاحتمال، وليس كل نفس قادرة على ترميم ذاتها بعد أن تُسحَق بالكلام الكاذب والإيحاءات الخبيثة والأحكام الجاهزة.التشهير ليس مجرد كلمات؛ هو سجن بلا جدران، ومحاكمة بلا قاضٍ، وعقوبة بلا نص قانوني. وهو حين يُترك دون مساءلة، يتحول إلى سلاح نفسي خطير، يقتل المعنويات، ويُدخل الضحية في دوامة شكٍّ وألمٍ وعزلة، قد تكون أشد فتكًا من أي مرض عضوي.في أدب نجيب محفوظ، نجد فهمًا عميقًا لهذه الفكرة. في ثلاثية القاهرة، وخصوصًا في «السكرية»، يُعاني السيد أحمد عبد الجواد من النقرس؛ مرض مؤلم، متكرر، يقيّد الحركة ويُشعر صاحبه بالعجز. يصف محفوظ الألم الجسدي بدقة، لكنه لا يجعله مركز المأساة. فالألم الحقيقي في الرواية يكمن في التحولات القاسية، في السقوط الداخلي، وفي مواجهة الإنسان لزمن يجرّده من سلطته ومعناه. كأن محفوظ يهمس لنا: الوجع الجسدي يُحتمل، أما الانكسار النفسي فحكايته أطول.وهنا تتقاطع الرواية مع الواقع. فالنقرس، مهما اشتد، يظل ألم مفاصل، لكن الظلم ألم كرامة. والتشهير، حين يقترن بالظلم، يتحول إلى جرح مفتوح لا يندمل بسهولة. أما حين يمتد هذا الاستهداف ليطال الأبناء، فذلك هو الذروة القاسية للألم؛ إذ لا شيء يوجع الإنسان أكثر من أن يرى أبناءه يدفعون ثمن معركة لم يختاروها، أو يُستهدفون لمجرد أنهم امتداد له.ومع ذلك، تعلّمت أن الإنسان لا يُقاس بكمية الألم التي مرّ بها، بل بما فعله وهو يتألم. بعض الآلام تُحطِّم، وبعضها يُنضج. بعض الظلم يُنهي، وبعضه يكشف المعادن. وقد اخترت، رغم كل شيء، ألا يتحول الألم إلى حقد، ولا الظلم إلى كراهية، بل إلى وعيٍ أعمق، وإيمانٍ أصلب بقيمة العدالة، حتى حين تغيب.وأنا أستقبل سنة 2026، لا أطلب المعجزات. أطلب فقط أن يخفّ هذا الحمل الإنساني الثقيل:أن يتراجع الظلم،أن يُحاصَر التشهير،أن يُفهم أن الألم النفسي لا يقل خطرًا عن الألم الجسدي،وأن يكبر الأبناء في فضاء أقل قسوة، وأكثر إنصافًا.لأن كل آلام الدنيا، مهما تنوعت، لا تضاهي ألم الظلم…لكن الأمل، حتى وهو مثقل بالجراح، يظل آخر ما يُهزم.




