كثير من الصديقات والأصدقاء يسائلونني لماذا التركيز على المسألة الأمنية وإشتراط الحكامة في الأداء والتدبير ذي الصلة ؟
ذكرتهم بأن الباعث المباشر هو أن الأمر يتعلق بتوصية وتكليف من أجل تفعيل توصية !
قالوا كيف ؟
قلت بأن المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف قرر في أحد دورات مجلسه الوطني ( يفترض أنه برلمان المنتدى وهو أعلى هيأة تقريرية على مستوى هياكله ) قرر بأن يتم تأسيس آلية لتنفيذ ومتابعة تفعيل مقتضيات أقوى توصية صادرة عن هيأة الإنصاف والمصالحة ، تتعلق بإقرار حكامة عند تدبير الشأن العمومي في مجال الأمن وإستعمال القوة العمومية وإنفاذ القانون ، وما كان على المكتب التنفيذي للمنتدى الذي كنت رئيسه ، إلا أن يبادر إلى تأسيس المركز المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف ( بتشكيل مكتب نصف أعضائه من المكتب التنفيذي للمنتدى والبقاي من خارج المنتدى ، بمثابة تمرين على الإنفتاح بإعتبار أنه ينبغي جعل قضايا وأهداف المنتدى شأن عمومي وقضايا مجتمعية ، وذلك على هامش أشغال وتوصيات ندوة وطنية إنعقدت بمدينة المحمدية موضوعها ” الحق في التنمية والحق في الأمن : أية علاقة اي تفاعل ؟ ” نظمها كل من مركز أجيال للثقافة والمواطنة برئاسة الأيتاذ عبد الغني عارف ، ومنتدى الحقيقة والإنصاف ، وأطرها عديد من الأساتذة والأكادميين على رأسهم الدكتورة رحمة بورقية والدكتور احمد بولحباش والدكتور إدريس الكراوي والاستاذ خالد بكاري والأستاذ سعيد الرهوني . وإلى جانب ذلك تم تفعيل توصية بتأسيس المختبر المدني للعدالة الإجتماعية ، وهما ديناميتان يتوافقان إرادة على تفعيل مقتضيات الحكامة الأمنية والعدالة الإجتماعية من خلال تفاعل مطلبين ، مطلب الحق في الأمن ضد الحاجة ومطلب الحق في الأمن ضد الخوف .
أما البواعث الأخرى غير المباشرة فكثيرة ، فأولها إقتناعنا بأن أهم ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هي إقرار حكامة أمنية بدمقرطة إستعمال القوة العمومية وعدم الشطط في إستعمال السلطة والقانون وعدم التعسف في إستعمال الدولة للحق في حماية النظام العام على حساب الحريات والحقوق . وقد توصلت هيأة الإنصاف والمصالحة في تقريرها النهائي إلى أن الإنفلات الأمني هو المتسبب في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان . وبذلك فإن الباعث الجوهري لتبنينا لمطلب الحكامة الامنية هو كونها تسوية سياسية بمقاربة حقوقية للتوليف التوافقي من أجل توزان بين ضمان الحريات وحماية النظام العام . ولأنه لا تكفي الحكامة في هذا المجال دون العمل على ضمان رقابة على الأداء الأمني ومساءلته بمقتضى قضاء مستقل يضمن عدالة وتكافؤ الفرصة على مستوى التقاضي والمساواة أمام القانون ، وهو أمن قضائي يتأسس بالضرورة أو الإفتراض الوجوبي على أمن قانوني ، ولهذه أسسنا منذ نصف عقد أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي ، ونظرا لندرة الإمكانيات قررنا في الأكاديمية وفي المركز عقد شراكة منتجة هدفها العمل سويا بنفس الأهداف مندمجة ، بغاية تنسيق الجهود وتوحيد الإمكانيات . ولأن المناسبة شرط فإن الدولة ومؤسساتها لا تدعم أيا من هذه الديناميات كلها ، طبعا مع تسجيل بعض الإستثناء على مستوى المشاركة في أنشطتنا ودعمها بالحضور والتواصل ، غير أننا لا نستغرب فعدم التعاون ثم عدم الإكتراث من قبل من هم محسوبين على الطيف الحقوقي ، لا يشكل قلقا لدينا ، فالقلق الفكري الوحيد الذي يؤرقنا هو كيف نبني التعاون دون توفر عنصر الثقة ، في زمن يعتقد فيه الجميع بأن السيادة والدين والأمن والقضاء مجالات محفوظة للأمن ، وهي مفارقة تستدعي إعادة النظر في سؤال دمقرطة تدبير الشأن العمومي بوضع المسافات بين السياسة العامة التي يتولاها مجلس الوزراء وبين السياسات العمومية التي يفترض أنها حكومية محضة ، وبنفس القدر نتساءل والحالة هاته عن كيفية تحويل الشأن الأمني شأنا عموميا خاضع للنقد والتقييم التشاركيين والمساءلة التبادلية . فما الذي انجزناه من كل هذه الحركة المطلبية في العلاقة مع خفوت منسوب الثقة هنا وهناك ؟ لن نحكم فقط على خطاب النوايا ، لأن الواقع لا يرتفع على حقيقة وحود إختلال في موازين الثقة قبل القوة والمصلحة والمعنى ، الثقة المقصودة هنا هي التمثلات الإيجابية المرتبطة بضرورة حصول إنتقال نوعي في العقيدة الأمني من خلال تقوية الحقوق المرتبطة بالمعرفة والعدالة والصدق كمفاهيم تتسامى على مجرد خطاب ومصطلحات إجرائية . ليبقى السؤال الجوهري ما هي القيمة الإضافية المتطلبة منا لتجاوز عائق إستكمال تفعيل ضمانات عدم تكرار الماضي ؟ لقد صار في توجسنا اعتقاد يكاد يترسخ بأن المتشابهات لدينا مختلفات ومفارقات ، وبأنه يمكن للمرء أن يستحم في النهر مرتين ، نتمنى أن نكون في مستوى اللحظة العصيبة والتي نحتاج فيها إلى أن نساهم تشاركيا في إحداث الفرق بين الماضي والحاضر لأن جدية الحياة بلا مسؤولية ومساءلة سيتم القضاء عليها ، لذا نصر على إسترداد إمكانية التعاون على أساس الثقة الذاتية في القدرات وعقلانية الطموح ، وكذا الثقة المتبادلة لأن ما حققناه بالتسوية والتدبير السلمي مهم للغاية ، وأهم مما لم ندركه بالصراع والتراخي .
مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube