المصطفى القادري اليملاحي – لندن

بمجرد أن انتهى الملك من خطابه بمناسبة ثورة الملك والشعب يومه 20 غشت، حيث تطرق لموضوع مغاربة العالم في أحد محاور الخطاب، لاحظنا كمتابعين بروز ظاهرتين، الأولى تتعلق بانطلاق مهرجان التثمين اللامشروط للعناية الملكية بفئة عريضة من المواطنين المغاربة القاطنين خارج الوطن، وسهر رئيس الدولة على حماية حقوقهم وتمتين روابطهم بالوطن وانصافهم بعد طول ضيم طالهم من جراء السياسات العمومية القاصرة عن حل مشاكلهم وضمان تحقيق تطلعاتهم.
وقد انخرط في هذه الدينامية التثمينية مجموعات من المؤسسات والاطارات التي تتحرك في اطار منظومة مغاربة العالم، حيث شكلت سرعة اصدارها للبيانات تحطيما لأرقام قياسية غير مسبوقة إلى درجة اصبحت معها الدول التي تمتلك امكانيات مادية وبشرية هائلة عاجزة عن مجاراة سرعتها. فربما في القادم من الايام سوف تعمد بعض الدول المتقدمة الى ارسال بعثاتها للمشاركة في دورات تكوينية ـ من تنظيم أبطال التثمينات ـ عنوانها : “كيف تصدر بيانا تثمينيا في خمسة دقائق دون الحاجة الى اجتماع باقي أعضاء الاطار، إن هم وجدوا أصلا؟”.

بعض مؤسسات الدولة التي صفعها محتوى الخطاب خرجت هي الأخرى لتمارس عملية التأويل وتوضح أنها قامت بدورها على أكمل الأوجه وأنها مستعدة مرة أخرى لتكون فرس رهان الدولة في سباق الضحك على ذقون المهاجرين المغاربة. أما الحكومة فقد اجتمعت والارتباك يخيم على أدائها بعدما قامت بحذف وزارة الهجرة وأصبحت عملية تأسيس أي لجنة ترزح تحت طائلة تساؤلات قانونية حول وجود الصلاحية من عدمها.

الظاهرة الثانية تتعلق بانطلاق الصراعات بين بعض المراهنين على غنيمة الحصول على موقع يمكنهم من المشاركة في وليمة الريع. هذا الصراع ابتدأ بنشر لائحة مجهولة المصدر تضم 50 إسما على امل ان ينشغل الجمعويون بالمهجر بالصراع حول المواقع في الوقت الذي تقوم مختلف المؤسسات بتمرير أجنداتها وتنزيل مضامين الخطاب بالشكل الذي يتوافق توجهات الدولة بطبيعة الحال.
اللائحة جاءت لتؤجج الصراع بين مختلف الأطراف ويكثر التراشق بينها حول أهلية المشاركة بالمؤسسات، فأصحاب لائحة التناقضات يهدفون لتحقيق أمور من بينها جس النبض والتعرف على مستوى الفعاليات الموجودة في الساحة من جهة، وفتح المجال أمام من هب ودب لشن حملة اهانة وانتقاص من مكونات اللائحة في مجملها دون الأخذ بعين الاعتبار مسار هؤلاء الأفراد وادائهم الذي قد يكون مشرفا بالنسبة لبعض المدرجين، وايهام المهاجرين بان المسالة تختزل فقط في اعادة هيكلة مؤسسة او مؤسسات وحصر السقف في هذا الاطار لا غير دون تركيز الجهود في انتاج تصور أو مقاربة تضمن تمكين المهاجرين من حقوق المواطنة الكاملة وتفعيل مقتضيات الفصول الدستورية المعطلة منذ سنة 2011 بما في ذلك المشاركة الوازنة في مختلف المجالس والهيئات الدستورية.

الصراع الذي استعملت فيه كل انواع الاوصاف وتم تقاذف اتهامات بالفساد المالي والأخلاقي قد ابان عن قصر نظر الكثيرين الذين لم يفهموا سياق الخطاب الملكي ومخاطبه الأساسي في رهان خاسر على التموقع يعتبر تشويه بقية الفاعلين هو الضمانة لتحقيق التميز وكأن الصراع يدور حول موقع واحد وكرسي وحيد. هذا الصراع أحيانا، لم يكن صراع أفراد في تفاصيله بل يأتي في اطار دفاع بعض الفاعلين على مؤسسات والشخصيات التي تديرها باستماتة قل نظيرها. بعض الفاعلين من هؤلاء يمكن أن تنتقد الملك في حضرتهم دون أن تتحرك في أجسادهم شعرة حمية أو غيرة، لكن بمجرد توجيه الانتقاد الى احد اولياء نعمتهم او من يعدهم بموقع ريعي تجدهم يتصدرون انتفاضة الدفاع بشراسة منقطعة النظير. نذكر على سبيل المثال بعض المستفيدين من كرم مجرم الجالية والذي يعنبر الملك الصغير للمهاجرين امين عام أحد المؤسسات الدستورية الخارجة عن سلطة القانون. كان حريا بهم أن يدافعوا عن ملك البلاد! لكن ربما لأن ملك البلاد لا يدفع فواتير تنقلاتهم واقامتهم في فنادق مصنفة ولا يقدم لهم بعضا من الدعم بدعوى الاشهار بمواقع معينة.

اللائحة المسربة والمجهولة المصدر، لم تدرج للملاحظة أي اسم من اسماء اليهود المغاربة بالمهجر! والتساؤل المطروح هنا: ألم يفهم مسربوا اللائحة محتوى الخطاب الملكي عندما ركز على اهمية المكون اليهودي؟ أم أن اصحاب اللائحة المسمومة لا تتوفر لديهم معطيات عن اليهود المغاربة بالمهجر؟ ام ان اليهود المغاربة خط احمر لا يمكن ان يطالهم قصف الجهلة ممن هب ودب؟ وإن كان المكون اليهودي المغربي بحكم تشبعه بمختلف روافد الثقافة العالمية واشتغاله في مجالات ترتكز على العولمة والإنفتاح و نظرا للكم الهائل من الخبرات المراكمة فأن مساهمته في أي حوار يهدف إلى اشراك حقيقي لمغاربة العالم في تنمية الوطن يعتبر مكسبا حقيقيا للمغاربة بشكل عام وللمؤهلين من مغاربة العالم على وجه الخصوص.

أمام هذا اللغط والهرج والمرج والتخبط الذي تعيشه المؤسسات والأحزاب السياسية التي بدورها حركت بعض القطع على رقعة اللعبة في إطار التشويش الذي دائما ما تمارسه الأطراف المتدخلة بالتناوب الذي ينظم عملية توزيع الأدوار المفضية بالمحصلة إلى إفراغ الخطاب الملكي من معانيه التي غالبا ما تضيع بين فهم الأطراف المتحكمة والتأويلات التي يخلصون إليها. هذا إذا إعتبرنا عن حسن نية أن الملك ليس طرفا في معادلة هندسة الإطار العام للسياسات العمومية وأن الإرادة الملكية تتطابق ومنطوق الخطابات المتعاقبة.
الخطاب الأخير جاء غامضا فيما يتعلق بحق المواطنة الكاملة وأساسا مطلب المشاركة السياسية كمدخل أساسي لمشاركة مغاربة العالم في تقرير السياسات العمومية للوطن في تساو مع مغاربة الداخل وعدم التطرق لهذه النقطة وخلو الخطاب الملكي من أية إشارة واضحة حولها سواء بالقبول أو الرفض يقرأ في إطار مسلسل التراجع الذي تمارسه الدولة وعلى رأسها الملك في الوفاء بالإلتزامات التاريخية والدستورية تجاه شريحة واسعة من مكونات الشعب المغربي وتسقط عنصر مهم من معادلة العلاقة بين مغاربة العالم والدولة، يتعلق الأمر بعنصر الثقة في مدى التزام الدولة بإخراج الخطابات إلى أرض الواقع وهذا ما يفسر تناقص الإهتمام داخل صفوف مغاربة العالم وانتشار ثقافة العزوف عن المساهمة في أي نقاش أو فعاليات مرتبطة بالوطن وانتشار منطق الإستهزاء بكل ما يرتبط بسياسات الدولة وخطاباتها، فما عليكم سوى الإستماع إلى نقاشات مغاربة المهجر ليتضح أنه باستثناء مجموعات الريع فإن الغالبية فقدت الأمل في أن تتخذ الدولة قرارات تصب في إطار تحقيق الإنصاف والكرامة. هذه الخلاصة تأتي انطلاقا من التجارب السابقة التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن إرادة الدولة تمعن في معاكسة المطالب التاريخية لمغاربة العالم.
بالرغم من كل ما تقدم، فإن الأمل لا يزال معقودا على تصحيح الدولة لمسارها تأسيس أوراش النقاش الموسع والعميق حول بناء استراتيجية تنموية للمستويين المتوسط والبعيد تضع مغاربة العالم في قلب معادلة بناء الركائز الأساسية لمشوار التنمية والتقدم الذي يحتاجه وطننا الغالي.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube