أحمد رباص – حرة بريس

كملاحظ لدينامية الاحتجاجات ببلادنا سواء كانت افتراضية في شبكات التواصل الاجتماعي أو واقعية في الشارع العام، انتصبت أمامي مفارقة لا أحد من المحللين السياسيين وكتاب الرأي وزعماء الأحزاب السياسية تناولها بالدرس والتفكيك، وهي أن عدد المحتجين يكون في الغالب ضخما وعند الانتخابات يصعد هؤلاء الذين صرخ الحشد الغاضب في وجوهم: ارحلوا.. تكرر هذا السيناريو بعد احتجاجات 20 فبراير، وبعد الحركة الاحتجاجية المنددة بتخريب أنظمة التقاعد على عهد الحكومة التي ترأسها بنكيران، وعوض ذهاب المحتجين بكثافة إلى صناديق الاقتراع لإسقاط الإسلام السياسي، دخل المحتجون إلى جحورهم في انتظار الخروج للاحتجاج مرة اخرى، فعاد بنكيران وصحبه في ولاية ثانية للقضاء على ما تبقى للشعب من مكتسبات.
واليوم هاهم يملأون الفيسبوك ضجيجا بهاشتاغات مشفوعة بمطالبة أخنوش بالرحيل، وكأنه كان حملا وتحول فجأة إلى ذئب كاسر..متى يدرك المغاربة أن توحيد أصواتهم في مكاتب الاقتراع أهم بكثير من الصدح بها في الاحتجاجات وأفيد لهم من الجلوس أمام الشاشات لتوزيع الهاشتاغات؟؟؟
من حملة انتخابية إلى أخرى، كثيرا ما نسمع مواطنين ينتقدون بخيبة أمل الأحزاب السياسية في المغرب: “كلهم بحال بحال”، “كلهم فاسدين” “لا توجد أحزاب حقيقية في المغرب”،” إنها تمثل فقط مصالحها الخاصة “.
منذ سنة 1997، لم تزدد ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات والاصوات الملغاة إلا انتشارا واستفحالا، ولم تعرف أعداد الأشخاص البالغين سن الاقتراع والممتنعين عن التسجيل في اللوائح الانتخابية إلا تكاثرا ونموا.
على صعيد آخر، عادة ما يكون العرض الانتخابي متضخما وقليل المقروئية. وفي غضون خمسة عشر عاما تضاعف عدد الأحزاب السياسية الممثلة في مجلس النواب.
والغريب في الأمر أن الحزب الاشتراكي الموحد الذي قاطع انتخابات 25 شتنبر 2011 دخل سوق الانتخابات بعد أن اختار النضال من داخل المؤسسات لم يستطع الحصول حتى على فريق برلماني بعد الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2016 مع أنه ساند حركة 20 فبراير التي تجسد زخمها في احتجاجات عارمة اندلعت في أكثر من 50 مدينة مغربية، ورأى المراقبون أن الحركة احتلت حيزا مهما على الساحة المغربية وحصلت على دعم أكثر من عشرين منظمة مغربية من بينها أحزاب سياسية وجمعيات حقوقية ونقابات مهنية وجماعة العدل والإحسان الإسلامية.
ضمت الحركة نشطاء طالبوا بإصلاحات في المغرب، وقالت إن أعضاءها هم من المغاربة الذين يؤمنون بالتغيير، وهدفهم العيش بكرامة في مغرب حر وديمقراطي، وأكدت استقلاليتها عن كل التنظيمات والأحزاب السياسية. ولعل هذه الاستقلالية المتذبذبة هي ما جعلتها تستنكف عن دعوة المواطنين والمواطنات الذين استقطبتهم إلى المشاركة في الانتخابات والتصويت على الأحزاب السياسية التي دعمتها. وعوض ذلك، اختارت سياسة المقعد الفارغ وفسحت المجال متاحا للأحزاب التي تجاهلتها أو عارضتها بصراحة وعلانية.
بعد الانتخابات التشريعية التي نظمتها بلادنا يوم 7 أكتوبر 2016, فاز حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى وتم استدعاء بنكيران للمرة الثانية لتشكيل الحكومة، على الرغم من الاحتجاجات التي شهدها الشارع المغربي وانعكست ظلالها على مواقع التواصل الاجتماعي ضد القرارات المؤلمة التي نفذها زعيم البيجيدي، وليس أقلها إيلاما زيادة ثلاث سنوات على السن القانونية للتقاعد. افهم تسطى!!
وفي نفس السنة، أثار ارتفاع أسعار الوقود في المغرب سخطا شعبيا وصل صداه للشبكات الاجتماعية، حيث شهدت حملات احتجاج متواصلة ضد شركات توزيع المحروقات التي لم تخفض أسعار البنزين والديزل على الرغم من تراجع أسعار النفط عالميا.
وقد تداخلت هذه الحملة مع الجدل السياسي الدائر في المغرب حول الحكومة الائتلافية المزمع تشكيلها بقيادة زعيم حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران.
وبينما اعتبر مراقبون أن هذه الحملة تأتي في سياق طبيعي يرفض زيادة أسعار المحروقات في المغرب، ربطها آخرون بضغوط يمارسها حزب العدالة والتنمية على رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش المتهم بعرقلة تشكيل الحكومة. ومع ذلك، تمكن اخنوش الذي كان وزيرا للفلاحة خلال مدة فاقت عقدا من الزمن وجمع بين الثروة والسلطة من أن يفوز حزبه بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان ما أهله لقيادة الحكومة الحالية.
ومما لا شك فيه أن عاهل البلاد انتبه إلى هذه المفارقة عندما قال في أحد خطاباته: “فإن جعلتم على رؤوسكم فاسدين في مدنكم وقراكم، فلا تقبل منكم الشكايات. فأنتم المسؤولون على تدهور حقوقكم وحق بلدكم عليكم”.
لكن، مهما قيل عن مسؤولية الناخبين في اختيار من يسير شؤونهم وطنيا وجهويا ومحليا، يبقى على وزارة الداخلية المشرفة على الانتخابات أن تمنع الفاسدين والأميين من الترشح للانتخابات، وأن تكف عن تبرير السماح لهم بالمشاركة بدعوى ان الديمقراطية تقتضي ذلك. وهل باسم الديمقراطية يسمح لتجار الانتخابات بالتلاعب بمصائر الناس وللأميين بالتشريع في البرلمان وتسيير شؤون المواطنات والمواطنين في المحالس المنتخبة بسياسة “كور وعطي لعور”؟ كما تقول النائبة البرلمانية نبيلة منيب.
ختاما، لا أرى مانعا من إيراد تعليقين كتبهما صديقان على هامش الفقرة الأولية من هذا الموضوع التي نشرتها في الصباح الباكر من هذا اليوم على الفيسبوك.
الصديق الأول أيد ملاحظتي وقال إنها جيدة جداََ وجديرة بالإهتمام وأنها تنطبق على كل دول الجوار وليس على بلادنا وحدها.. بينما كتب الصديق الثاني أن هناك من يتوهم أن الفاسدين يفوزن باصوات المصوتين في الانتخابات بل هم يفوزون بفضل تقاعس العازفين عنها..

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube