أحمد رباص – حرة بريس

تزامن آخر بودكاست للأستاذة نبيلة منيب البرلمانية والأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، مع عيد الاضحى الذي احتفل به المسلمون المغاربة يوم الأحد الماضي، وهو البودكاست الذي بدأته بتنبيه على درجة من الخطورة ومعناه أنك إذا أردت تدمير شعب من الشعوب فعليك بتدمير قيمه، حتى تصبح اللاأخلاق طبيعية ويصبح الغش والسرقة من الأمور العادية، في تناس لكون ذلك التلميذ الذي يغش في الامتحان سوف يصبح غدا برلمانيا نهابا، يوزع على هذا ويأخذ من ذاك، ويبحث عما يفعل، أو يصبح رئيس جماعة “مفلس” (بالدارجة).
ولا تخفي صاحبة البودكاست وعيها بوجود مخطط جهنمي في الخارج من صنع هؤلاء الذين يسيطرون على العالم. واستنادا إلى اتفاقية لشبونة 2000/1999 تبين أنهم خططوا لأن تتخرج نسبة 10 % من تلاميذ المدارس كأطر ونسبة 90 % منهم كعبيد، تارة يعملون بمفك البراغي، وتارة أخرى يحملون القفة، يذهبون في هذا الاتجاه طورا ويعودون من اتجاه آخر طورا آخر. مرة يتم إخراجهم، ومرة أخرى يجري إدخالهم بموجب عقدة محددة في الزمن، وهكذا يبقون سجيني دوامة العذاب الأليم.
كل ذلك حتى لا يفكر الجميع، وحتى لايفهم الجميع، والانكى أن تلاميذ تلك النسبة المحددة في 10 % يضعون على أعينهم “دراقات” كأنهم حمير معصبو العينين يعرفون كيف يعملون وكيف يببنون، ولكنهم لا يسائلون النص ولا أي شيء آخر، انطلاقا من ان الشرط الأساسي للسيطرة على شعب هو السيطرة عليه فكريا، تدميره فكريا، حتى يدرك أنه فاقد للثقة في النفس، لكونه محروما من أدوات التفكير والتحليل والتلخيص.
والحال أن الواقع الحالي، تتابع نبيلة منيب، يشهد على أن الكثير من تلاميذنا لا يعرفون كيف يحللون ويلخصون ما يقرأون، والسبب في ذلك من وجهة نظر الأستاذة المتحدثة هو أن المدرسة الوطنية وجهت إليها أسلحة الدمار الشامل، وحتى في زمن الصراع السياسي كان هناك تخوف من نخب متعلمة تقوم بدور إيقاظ الشعب من سباته وتطالب بالحرية والديمقراطية والحقوق.
واليوم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يجب علينا، كل من موقعه، أن ندافع عن المدرسة العمومية الجيدة التي تحقق تكافؤ الفرص بتزويدها بما يلزم من تمويل، حتى ننهض بالمنظومة التربوية، وننقل المدرسة الجيدة إلى المدن والقرى والجبال وتكون مفتوحة في وجه الجميع، أما من يتوجه إلى مدارس القطاع الخاص فلهم ذلك ولن يكون تلاميذها سوى قليلي العدد اختار آباؤهم ان يتعلموا بمعزل وبعيدا عن أعين أبناء الشعب.
ذلك ما قالته السيدة المحترمة منيب وهي تعي جيدا أن الغنى في الاختلاط الاجتماعي، فعندما يدرس ابن(ة) الطبيب مع ابن(ة) الخارس فذلك هو الغنى في حد ذاته، بحيث يصبح بإمكان كل واحد أن يتعلم من الآخر، وليس ابن(ة) الطبيب هو (هي) الأكثر ذكاء، نحن هنا أمام قاعدة معروفة.
في ما مضى، تقول نبيلة منيب، كانت نسبة 5 % من المدارس تتوفر على مكتبات، اليوم لا شيء، لا وجود للحارس، ولا وجود للمكتبة ولا القيم عليها. التلاميذ لم يعودوا يتلقون فيروس القراءة في المستوى الابتدائي. وهي تعود بالذاكرة إلى الوراء، تستحضر المتحدثة الزمن الجميل الذي إذا تم فيه ضبط طالب في كلية الطب وهو يحاول أن يغش في الامتحان يمنع من اجتيازه لمدة خمس سنوات، وكأنهم يقولون له اذهب لتشتغل بناء، أما الدراسة فليست من نصيبك لاننا إذا تركناك تغش فقد تصبح غدا طبيبا تزهق ارواح المرضى بما سترتكبه من أخطاء مهنية.
.تعتبر الأستاذة نبيل أن التعليم مقدس انطلاقا مما قاله سلفنا الصالح من أن العلم نور والجهل عار. والتعليم وحده يخرجنا من ظلمات الجهل. لكن البعض منا لم يتعلموا مع انهم تخرجوا بدبلومات وييحسبونها سدرة المنتهى، ترى الواحد منهم يتيجح بشهادة الماستر التي يضعها في إطار مغطى بقطعة زجاج ويعلقها في مكتبه وحال لسانه يقول: “ها انتم شوفو، أنا عندي الماستر”، وترد عليه الامينة العامة مثيرة ضحكي: “إوا صافي طفرتيه! حتى كلمة مزيانة ما قادر تقولها، أو تكون إنسان مستقيم، تنخرط في جمعية، أو في حزب، أو في نقابة، أو تدافع عن قيم محددة…، ما كاين والو من هاد الشي”.
بعد ذلك، تنتقل الأستاذة نبيلة منيب إلى موضوع ذي صلة وثقى بمعضلة التعليم، وهو المتعلق بالفيديوهات التي غزت ساحة السمعي البصري ببلادنا في هذه الأيام، والتي يظهر فيها تلاميذ يتحدثون بمستوى دنيء عن الأجوبة التي كتبوها في امتحانات الباكالوريا، وآخرون يعلنون جهرا انهم غشوا في الامتحان. وفي جوابها عن سبب لجوء الإعلام الأصفر إلى بث مثل هذه الفيديو هات، قالت لكي نضحك على التلاميذ الذين يظهرون فيها، لأننا نعيش في مجتمع الفرجة الذي يعشق البلادة المبينة، ولنقول إن تلاميذنا الحاصلين على الباكالوريا دون المستوى، وللإمعان في تبخيس قيمة كل حاصل على الباكالوريا أو الماستر أو حتى الدكتوراه، وهنا تطرح المتحدثة متوالية من الأسئلة الاستنكارية على هذه الشاكلة: “وشكون اللي زوين فهاد الشي؟ ما بقى حتى واحد زوين؟ واش هادو اللي فالبرلمان هما الزوينين فهاد البلاد؟”
في أوربا، عندما يريد تلميذ حاصل على شهادة الباكالوريا أن يلتحق بإحدى المدارس العليا، يلزمه قي فترة الصيف قراءة خمسة كتب وتلخيص مضامينها، وبعد ذلك يمر من مقابلة أمام لجنة مكونة من بعض الأساتذة يسألونه خلالها عن أحد الكتب الخمس.
وهكذا، تواصل الأمينة العامة لحزب الشمعة، يتم تهييء الطالب لولوج التعليم العالي، أما عندنا فتجد المقبل على سنته الأولى في الدراسات العليا ممدا على شاطئ البحر ببلاهة ودون قراءة كتاب واحد، ويلتقي باصحاب الإعلام الأصفر ليسوقوه لمشاهديهم كسطل بدون عروة، وعندما تقول راه عندو الباك يردو عليك: آشناهي هادي؟
في المقابل، ترى السيدة النائبة البرلمانية أنه يجب علينا أن نفرح ب”وليداتنا اللي خداو الباك عن جدارة واستحقاق، وضمنهم مجتهدون متفوقون في القرى النائية والجبال الوعرة، متسائلة عن الغاية من إظهار “دوك السطولة”، ومجيبة بأن الغاية من ذلك هي تدميرنا، في إطار سياسة التخويف وإرغامنا على الانبطاح والموت البطيء، لكي نصبح جميعا عاجزين عن الحركة. وهنا تطلق السيدة نبيلة صرخة مدوية: كفى من التكليخ، كفى من الإعلام “المفلس” (بالدارجة دائما)، اللي كينقل غير الفلس المبين، جيبو الدراري والبنات الزوينين في المدرسة العمومية اللي كينجحو ب20/19، واللي قارين كتب جيدة ومعتبرة..
أما أولئك الذين أعلنوا أمام الملإ عن لجوئهم إلى الغش في الامتحان، فعلى وكيل الملك أن يتحرك لمعاقبتهم حتى نعيد للباك قيمته وأهميته، ونعيد بناء الإنسان على أساس القيم والفضائل.
لهذا قالت المتحدثة في ما سبق إن المدرسة العمومية وتلاميذها وجهت إليهم أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك، فهي تناشدهم ألا يستسلموا ولو غاب من كان يلقن لهم جيدا العلوم والعربية والفرنسية، وتنصحهم بحفظ الشعر وقراءة الكتب ليثقفوا أتفسهم بأنفسهم، وقولو ربي زدني علما، لأن التعليم حق ينتزع، لا سيما بعد أن كفت الدولة عن أن تكون راعية له، مدعية أن الأسرة يمكن أن ترعاه بدلا عنها، والحال أن الدولة هي المسؤولة عن التعليم، وأن الاستثمار فيه يجب أن يصبح استراتيجيا من المستويات الدنيا إلى المستوى الجامعي، كما ينبغي التوقف عن تشغيل الأساتذة بالعقدة، ويجب إدماجهم في الوظيفة العمومية، وتشجيعهم، واختيار الطلبة المتفوقين لتدريس أطفالنا وبناتنا في الابتدائي، في الإعدادي، وفي الثانوي، كما يجب انتداب أساتذة متميزين للتدريس في الجامعة.
في هذا السياق، تعترف الأستاذة نبيلة منيب بأن المغرب يتوفر على نخبة كبيرة من الأساتذة من طراز رفيع في الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا والقانون وباقي التخصصات، غير انهم مشرفون على التقاعد في السنوات المقبلة، فمن سيخلفهم؟ هذه طامة كبرى، لا أحد يتحدث عنها، والنزيف متروك لحاله، على أساس أن غيابهم سوف يتم تعويضه بأساتذة العقدة وهم مربوطون بحبل ولا حول ولا قوة لهم، ومستبعدون من البحث العلمي، مع ان دور الجامعة يتجسد في التعليم والبحث العلمي، فاين ذهب كل ذلك؟ تتساءل الأستاذة منيب.
وفي التفاتة نحو المسؤولين عن هذا الوضع الكارثي، تؤكد المتحدثة أنهم باعوا اقتصاد البلاد عن طريق الريع، والامتيازات، ولم يدعونا نبني الدولة الديمقراطية، ونقوم بالتوزيع العادل للثروات لنحقق عدالة اجتماعية ومجالية ونخرج من طوق العبودية إلى فسحة المواطنين كاملي المواطنة علينا واجبات ولكن عندنا حقوق نعرفها حق المعرفة. لم يدعونا نقوي الجبهة الداخليه حتى ندافع أحسن عن حقوقنا وعن وحدتنا الترابية، بل قاموا بتدمير كل ما هو جميل. لماذا فعلوا كل ذلك؟ لأنه في إطار العولمة المتوحشة يظهر لهم مستثمر أجنبي أحسن منا نحن المغاربة. ياتي هذا المستثمر بشركته ليصنع كذا ويفعل كذا، ولكنه لا ينقل إلينا التكنولوجيا، بل يحمل الأموال كاملة مع فائض الربح. يحدث ذلك في في مجال تركيب السيارات، أو في مجال التدبير المفوض للماء والكهرباء.. “هادوك الناس جاو بالفساد ديالهم، كيخلقوا شركات صورية باش ما يخلصوش هنا، وما يخليوش ليك شي ريال كيدور في المغرب، كلشي كيتنقل، خصوصا بعد ما ولات المعاملات المالية اليوم غير بالأورديناتور، كيهزو المال بالخناشي..”
وفي نهاية حديثها، اكدت المتحدثة أن الاختيارات التي طبقت في بلادنا منذ الاستقلال مع بعض الفوارق كانت كلها اختيارات غير صائبة. واليوم آن الأوان في هذا العالم أن يمر إلى طور تشكل جديد يعرف تغيرات، وربما تنشأ غدا قطبية جديدة ما بين الولايات المتحدة والصين، ربما سوف يؤدي ذلك إلى شرخ لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي اللذين يستعملان الدولار والأورو، ما يعني أننا نسير في اتجاه إلغاء الدولار (La Dédollarisation). ولن يبقى الدولار هو القيمة الكبيرة، إذ سوف ينسحب تاركا المجال للروبل الروسي والين الصيني وسوف يأفل نجم هذا العالم المعولم الذي من خصائصه الشمول.
سوف ينقسم العالم إلى مجموعات، وكل مجموعة تقوم بعمليات تجارية (Transactions) في ما بينها وتدبر شؤونها بنفسها.
في ظل هذه التحولات، ما ذا عن المغرب، هذه الدولة العتيقة التي انجبت أبناء وبناتا من طينة رفيعة، المغرب الذي نقل الأنوار في زمن ما، وغزا الاندلس في القرن الثاني عشر، عندما كان لنا فلاسفة وشخصيات تفهم في علوم الفلك والفيزياء والطب والتشريح والكيمياء..،؟
نريد لهذا المغرب ان يسترجع أمجاده، ولكن الطريق الموصل لذلك هو بناء مجتمع العلم والمعرفة، هو بناء دولة الحق والقانون التي تصون كرامة المغاربة وتمنحهم القدرة على تحقيق ما يصبون إليه من مجد.

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid02ydukaQDzWBz1B1dCoccwsGnxg6pBSvrMh75yT5hQ7ktBhwPb5aRg8Z5kzYBPgJeMl&id=100022273943854

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube