كان صلبا قويا مهابا، يجلس صامتا ساهما وكأنما يفكر في أمر جلل أو في مصير عزيز يخاف عليه من عوادي الزمن. كلما جالسته تحس أنك بمحضر إنسان وقور لم تقدم له الحياة هدايا ولا أشربته كأسا دهاقا، وإنما عركته وعركها، وصارعته فصارعها في حرب ضروس كان غبارها يتطاير نهارا ولا ينقشع نسبيا إلا في الهزيع الأخير من الليل عندما يأوي كل منهما إلى فراشه ليسترق في ترقب يقض هجعة حذرة…
وبعد أن أضناهما العراك ولم ينته بغالب ولا مغلوب، أبرما صلحا مكرها ولزم كل طرف حدوده…
ومع مرور الأيام، أدرك الرجل الصلب في قرارة نفسه أنه لم يعد صلبا، ولكن خوفا من أن تشتم فيه الحياة وهنا أو دبيب ضعف فتهاجمه في حين غفلة منه، وهي المعروفة بغدرها الأبدي، كابر وعاند وحمل نفسه فوق ما تطيق، فموه عليها بدأبه على ارتياد متجريه الكائنين بشارع القناصلة وإن كان فيهما خلف يتكون من ابنين اثنين، كبيرهما محمد، وصغيرهما إبراهيم…
وشيئا فشيئا، أخذ يقتنع تدريجيا أن لكل شيء نهاية وأن الصحة قد ولت ولم تبق من بقية في آخر المشوار سوى النهاية المحتومة.
ولكن عناده الخرافي أبى عليه أن يرخي يديه ويسلم بالأمر الواقع،٥ فاهتدى إلى حل بين الحلين، ألا وهو تقسيم وقته بالتساوي بين المنزل والمتجرين، فهو هنا مشرف مدير، وهو ثمة موجه مراقب…
ومرت على هذا المنوال فترة، غير أن الوهن صار يرى فيه رأي العين… خطواته المتثاقلة وهو يغشى مسجد السودان المجاور، عجزه عن حمل بطيخة كبيرة من عند الفاكهاني إلى المنزل، إحساسه بالعياء وهو يرتقي الدرجات…
وأخيرا، فكر وقدر، فقرر أن يلزم البيت ويلزم المسجد، وإن ظلت الحركة الدائبة هي ديدنه لأنه من تلك الطينة النادرة من البشر التي تكفر بالاسترخاء والخمول، وتمقت الراحة والاستكانة والجمود…
ولما ذهب به أولاده عند الطبيب، وقد كانت له به سابق معرفة، أعطى تشخيصا نزل عليهم كضربة السيف الباتر:
“أرجعوه إلى بيته واتركوه يفعل ما يريد إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا…”
وكذلك كان، ظل الرجل دائما الحركة، يغشى المسجد، ويخرج للسوق ويتدبر كل شيء… وزوجته الطيبة الوديعة تراقبه عن قرب وهي تغالب دمعها كي لا تشعره أن الآزفة قد أزفت…
إلى أن لزم الفراش على مضض… وهنا جمع بناته وولديه من حوله وقال لهم وهو غير عليم بتشخيص الطبيب:
” حبيباتي أحبائي، ساعتي قد دقت، فمرحبا بقضاء الله…”
وظلت شفتاه تتحركان بذكر الله إلى أن انطفأ وهو في تمام وعيه قويا ثابتا صلبا…
كان ذلك هو المرحوم أحمد الشقروني المرواني، والد زوجتي الذي سكنت بجواره ذات يوم مع المرحومة والدتي، وما كنت أدري أن الله سبحانه وتعالى ساقني إلى جورته كي أقترن ببنته الرابعة رجاء…
وتلك قصة أخرى…
رحم الله هذا الرجل الطيب القوي الوقور الذي أفنى لبابة عمره في خدمة وتربية أبنائه، وأنزله عنده منزلا مباركا، وأسكنه فسيح جناته، وألهم زوجته وأولاده وأهله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون…
ملاحظة:
كثير من الناس سيعتبون علي أنني لا أتكلم في صفحتي سوى على الموت…
فأرجو منهم المعذرة لأن هذه العادة ورثتها من مقامي في تلك الجنان الفيحاء التي تكرم بها علي مسؤولو وطني الكرماء…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube