المناضل مصطفى المنوزي

لم يكن خطاب الجلوس (30 يوليوز من كل سنة ) يركز على البعد الإجتماعي في السياسات العمومية ، والتي هي في عمقها امتداد للسياسة العامة تُمارَس بمقتضى تفويض من صانع القرار الأصلي عبر منصة مجلس الوزراء ، لكن قبل ثلاث سنوات وفي إطار التعبئة من أجل إستدراك المؤسسة الملكية لِما فاتها من فرص إثر وقائع و حراك 20 فبراير ، الذي أعاد لجدول الأعمال فوبيا اللايقين ، وإجبار النظام العالمي للدولة المغربية على تسليم مشعل التدبير المفوض للشأن الحكومي لحزب المصباح ، بعلة الإنحناء حتى تمر عاصفة ” الربيع ” ، وباعتبار أن المسألة الإجتماعية ظلت طوال التاريخ موضوع تنافس لتزكية وامتلاك الشرعية الإجتماعية ، والتي هي من مقومات التجسير” الأيديولوجي” إلى الشرعية الدينية بحكم تقاطع النزعة الإحسانية / الأبوية فيهما معا ، فلا غرابة إذن أن يركز ذلك الخطاب الملكي على أهمية العناية بالبعد الاجتماعي وما يشترطه من تكثيف للمسؤولية الاجتماعية لدى الدولة ومعها المقاولة وتأهيل القدرات وتجديد النخب والكفاءات ؛ غير أنه رغم أن الانتخابات التشريعية الأخيرة قد حققت المبتغى ، بغض النظر عن أشكال الطعن والإحتجاج على المساطر والنتائج ، فإن الطعن ظل قانونيا محضا ولم يبلغ المدى السياسي المفترض في حزب كان عملاقا ووافق تصريحا وتلميحا على أن يتم تقزيمه ، إلى اقل من الحجم الذي كان عليه قبل 25 نونبر 2011 . غير أن تماهي عملية كسر جناح الأصولية مع عملية استرداد زمام المبادرة بتشكيل أغلبية متطرفة ، ليس ليبراليا فقط ، ولكن خاصة في الولاء الأعمى للملكية التنفيذية ، مما سهل عملية عودة الصقور إلى المشهد السياسي ، انتهازا وتتويجا للتداعيات السلبية لكوفيد 19 ، والتي تزامنت مع إخراج النموذج التنموي للوجود المسرب عمدا للوبي الفرنكفوني ،وبالمقابل وبغض النظر عن صراحة وصرامة المؤسسة الملكية في ضرورة سحب البساط من محتكري الإحسان الانتخابي ، أي من تُصَنِّفُهم منافسيها على الشرعية الاجتماعية والدينية ، فقد فرضت طموحات الدولة في العلاقة مع كسب المغرب لبعض النقط في القضية الدبلوماسية في ارتباط مع الأمن القومي ، ومع يتطلب ذلك من تأهيل للدبلوماسية والتنافسية الندية ، على أن يتم الاهتمام نوعيا بالمسألة الأمنية على المستوى الوطني والخارجي ، ولأنه لا أمن قومي دون تقوية عناصر ضمان الأمن الداخلي ، وهو أمر يتطلب تنسيق بين الإدارات المختصة ؛ بحكم أن الهحرة وإقتصاد الحدود قضايا تجمع بين ما هو داخلي وخارجي في الأسباب والعلاقة السببية التبادلية التاثير .
لقد سبق أن سقنا في تقرير اامركز المغربي للديمقراطية والأمن بأنه من تداعيات ما بعد كوفيد تفاقم الخصاص الإجتماعي ، ولا يعقل تكرار تسييد المقاربة الأمنية في ظل غياب ضمانات وتدابير عدم تكرار ااماضي الجريح . لذا حان الوقت لمأسسة الحكامة الأمنية ، وتعميمها تشاركيا بدل تأميم احتكارها ، فلا حكامة اجتماعية دون حكامة أمنية ، والعكس صحيح ؛ غير أنه يفترض أن الأمر ليس بالسهل مادام يتجاوز سؤال توزيع الثروة إلى سؤال تقاسم القوة العمومية ، في أفق دمقرطة تدبيرها ، وهنا وجبت الإشارة إلى أن العلوم الأمنية علوم غير حقة ، ويفترض فيها تعدد المقاربات ، بين إعتدال وتطرف ، وعدم تطابقها وعدم تماثل مهندسيها أو حتى الباحثين في مجالها على مستوى الأكاديمي الجامعي ! صحيح أن نظرية الصقور والحمائم نسبية ، وأن مفعولها البداغوجي ، عفوا الديماغوجي ، لا يروم سوى التمييز الشكلي بين مقاربات أمنية لا تختلف في الجوهر ، ولكن يبقى ، رغم كل شيء ، شرط استحضار التمايز بين وقع كل مقاربة عند كل تعامل أو حوار أو خطاب ضروريا فالإعتدال ولو شكلانيا أقرب إلى تحقيق مطلب الحكامة وبلوغ هدف التدبير السلمي للنزاعات والإحتقان ، أما تطرف ومغالاة بعض المقاربات لا يساعد إلا على اتساع الهوة وتكريس منطق الدولة المخيفة عوض الدولة القوية ؛ من هنا فالإصرار على استبعاد التمييز بين المقاربات حسب الموقع والأجهزة والخلفيات والمرجعيات ، قرينة على جدوى تنصيب إحداث المجلس الأعلى للأمن الذي يفترض فيه تنسيق التصورات والمقاربات و السياسية العمومية في مجال الأمن لفائدة التفاعل الإيجابي المتبادل ، فليس مطلوبا التطابق او الانسجام المطلق ، بل تناغم لن يتحقق بالنفي المطلق بوجود اختلاف في الرأي والموقف ، وإلا ما جدوى تعدد وتنوع الأجهزة ، وما غاية الرقابة البرلمانية ( وهي عديمة في العلاقة مع الحكامة ) ، وما جدوى الرقابة القضائية( و هي مترددة في ارتباط مع مبدأ الإستقلالية) ، وما تأثيرهما معا على السلوكات والسياسات الأمنية حيث يفترض التمييز بين خطأ المؤسسة الأمنية المرفقي وبين خطأ الفاعل الأمني الشخصي تجاه آليات الدفاع المدني والحقوقي العارية من أية حماية حقيقية ، والتي يتم قهرها ( بسيولة ونعومة ) وكأنها معارضة من ماضي عقود الجمر ، في ظل استشراء ظاهرة ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” الانتهازية ، والتي تستعمل ” الغيرة ” الدينية ، وفي تواطؤ موضوعي فادح مع تيار شرعنة الإفلات من العقاب ، وما ينتج عنهما معا من حماية للفساد المستشري ، مقابل تكريس نظام الحسبة وازدراء الأمن الروحي وبالتواتر يعتدى على استقلال العدالة وينتهك الأمن القضائي وتلك أهم إرهاصات الدولة الرخوة ومؤشرات عودة رجال السكتة القلبية، في زمن قل فيه الإعتبار لمفهوم الدولة القوية ، دولة المواطنة وجدارة الموارد البشرية ودولة الوعي الوطني بأهلية وكفاءة ذوي الحس الديمقراطي ؟
مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube