“حمام نجيب محفوظ” للنساء ، وللرجال! كما في الصورة ! يا سلااام ،سلِّم يا سلام، على السبق، واللحق، المغربي. ولولا كون هذه (الظاء) المردوفة بالواو ( وتجوز معها الياء رَدفا ورِدفاً) قافية شموسا، لا تطاوع ؛ لنظَمْتُ قصيدة في هذا الحمام، حمام الحَمَام، وإن كان بالإمكان أن أحتال لها شعريا، بأسلوب شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم ، فأقول على منواله ،لولا أني أخاف أن أصبح من عياله: إن كان في كلِّ أرض ما تُـزان به فإن المغرب فيها حمَّامُنا النَّجَِبـي نسبة إلى (نَجِيب )،إذ كل ما كان على صيغة فَعِيل أو فَعِيلَة، ينسب إليه ب فَعَلِيّ وفَعَلِيَّة..

ولا عجب أن نزان، ولا نشان، بحمام نجيب محفوظ، فنحن نزانُ بالكُتبية، ليس فقط “صومعة” تاريخية بمراكش بنبراهيم، وليس خزانة أو مكتبة، وطنية أو محلية، أو معرضَ كتب مغربيا أو دوليا على أرض المغرب ؛ ولكن “الكتبية” “صوبعة” ، من الأصابع (في عينين الشيطان الحرامي) ،وعيني كل شيطان قراء ؛ إنها الكتبية شركة أصابع المورتديلا والسجق والنقانق أو المقانق وكل مشتقاتها( ألم يعلق أحدهم،عندنا، لوحة على باب محله : صانع السفنج ومشتقاته؟!) فالكتبية معرضٌ مغربي مفتوح ،لا للكتب الورقية ولا الإليكترونية، ولكن المأكولاتية الصبعانية، رقيقة دقيقة، أو غليظة بظيظة سمينة، فعوض أن تقرأ الكتاب و “تلتهم” مجازيا صفحاته، يكفي أن تلتهم واحدا ،أو واحدة،من هذه الأصابع المقانق ، فيتحصل في ذهنك وفكرك ونفسك وروحك في مضغة ضرس ، ما لا يتحصل من الكتاب والمجلة والأوراق المسودة، بلا تعب وبلا كد أو ملل، حتى لو كنت أدردَ من غير أسنان..و إنا لننتظر ،قريبا إن شاء الله ،أن تبدع كتبيتنا مصلا، أو أصابع تستف وتشتف بادرة مثلجة في عز هذا الصهد، الذي تتعطل فيه الأذهان عن التحصيل:
لا تعجبنْ ، صاحِ، ولا تقل عجبي يزدانُ مغربنا بمصْبعناتٍ من الكتبِ(ي)
فلئن سبقتنا [مصر إلى عبقرية المكان] مع عبقريها الشهيد جمال حمدان، وسبقتنا إلى فن الرواية و عبقري الرواية نجيب محفوظ ؛ فإننا سبقناها إلى “عبقرية الحَمَام” الأزرق، وإلى عبقرية الحَمَّام، وتوظيف الروائي القاص، النوبلي في الآداب ، العربي الوحيد..وحيد القرنين العشرين والواحد والعشرين بإذن الله؛ سبقْناهم إلى توظيفه توظيفا مستداما كسالا مغسلا غسالا، محككا ممحكا..في الحمام النجبي المحفوظي، حفظنا الله من شر العين والأذن والحواس وكل الجوارح..
و”حمام نجيب محفوظ” هذا هو أحد حماماتنا /مقار حزبنا “حزب المحكة” المغربي(وهو حزب افتراضي، ساخر ،غير راض(ي)- بزعامة الأستاذة أسماء النجار)، وبالتالي فإن الاستحمام الطوعي، والتحميم القسري القهري، فيه، إنما هما نفسيان ذهنيان عقليان، وليسا جسمانيين؛ والماء والصوابين والحك والتغسيل والتكسيل..والبارد والسخون ..كلها أمور وعمليات رمزية نفسانية ذهنية ، ضد الدهان والرهاب والانفصام والشيززوفرينيا والمانخوليا، وباقي الأمراض والأدران النفسية والعقلية..
وقد أصبح من المبتذل قولهم: عجبت لمن يحرص على نظافة جسمه يوميا ، ولا يحاول تنظيف نفسه وروحه ،ولو مرة واحدة في الشهر أو السنة! ولكن ليس مبتذلا ولا مرتجلا التفكير في العلاج بالموسيقا ، والأهم ،العلاج بالرواية والسرد narrative thérapy ؛ التفكير والتدبير الذي دعا إليه وطبقه منذ سبعينيات القرن الماضي ،بعض الأخصائيين الاجتماعين ،لعل أشهرهم الأسترالي Michael White مايكل وايت، والنيوزيلاندي David Epston ديڤيد( أو داود) إپستون ، لفائدة الشيوخ العجزة المصابين بالإكتئاب و الألزيهايمر ،أوبغيرهما من أمراض الشيخوخة، النفسية والذهنية، وكذا المراهقين اليافعين الذين لا تجدي معهم المواعظ والنصائح، كما لا تجدي عندنا المواعظ ،مواعظ “وعاظ السلاطين”، بتعبير عالم الاجتماع المؤرخ العراقي الكبير علي الجندي، رحمه الله ، والتي غالبا ما ينتهي مفعولها عند باب الجامع،أو عند الانتقال من برنامج أو قناة إلى أخرى أمام التلفاز.ويمكن للعلاج بالرواية والسرد أن يسير إلى مساعدة المراهقين، وغيرهم من الأعمار على سرد حيواتهم إبداعيا، وكتابة سيرهم ورواياتهم الأولى تأملا وتدبرا فنيا لتجاربهم النفسية وما واجههم من صعوبات وعوائق وتحديات أو ما تعرضوا له من عنف وقمع أو حتى اغتصاب أو محاولة اغتصاب ،مثلا..
وفي المملكة المتحدة،قبل سبع أو ثمان سنوات ، إزدهر هذا النوع من العلاج الذي يشرف عليه علماء اجتماع وسيكولوجيا وأدباء ونقاد مختصون في الرواية والسرديات في توجيه مختلف من يعانون نفسيا إلى قراءة روايات أو سير ذاتية ،أو قصص، بأعيانيا، تبعا لمعاناة كل فرد، وتجنبا للمضاعفات التي قد تحدثها بعض الرويات عند البعض..
وأذكر ،في هذا السياق، أن والدي رحمه الله، الذي كان شبه أمي، تعلم ذاتيا أن يقرأ ويكتب ، في حدود، كانت إحدى بنات جيراننا جاءته ،وهو في عزلة شيخوخته ، بكتاب “أهوال القبور”! فكنت أراه بين يديه ، فألومها كيف اختارت له هذا السم، حتى فاجأني بعد ساعات، وهو يرشقها به غاضبا، ويقول لي : انظر هذه المصيبة التي جاءتني بها رشيدة هذه، فضحكنا جميعا.
وهكذا ينصح مثلا لمن يعانون من الخوف من الموت بقراءة رواية “مائة عام من العزلة”
للكولومبي فدريكو غارسيا ماركيث، الذي نال نوبل سنة 1982 ،أي قبل صاحب حمامنا محفوظ بست سنوات؛ وينصح لمن يعانون من ألم الأسنان برواية الروسي الكبير ليو تولستويْ “أنا كارنينا”، ولمن يعانون من الخيلاء بقراءة “ذهب مع الريح” لمارغريت ميتشيل..
وأنا أنصح الكل، دون استثناء، بقراءة التحفة العربية العالمية السردية التراثية ، في حماماتنا الروحية والنفسية العلاجية. كحمام نجيب محفوظ، أو غسان كنفاني أو عبد الرحمان منيف،أو حمام دستويفسكي أو إرنست هيمنغواي، أو أمين معلوف ،أو يوسف إدريس، أو محمد زفزاف ،أو حمام فاطمة المرنيسي.. أوحمام عبد الكريم جويطي..؛ أنصحهم بارتياد “حمام شهرزاد” وقراءة قصص ألف ليلة وليلة”؛ ذلك أنها تلخِّص الجدوى من الأدب ،ومن السرد ، ومن العُقَد والأدران النفسية ،
كالإستبداد والقمع والتسلط، والذكورية ،واعتقاد دونية المرأة، وابتذال وإذلال الحب، ومن الجهل والكبر والخيلاء ؛ وقبل هذا وذاك، تمكن من تمديد العمر بالعرض، و تأجيل الموت؛ فكل هذا عالجته شهرزاد بسرد قصصها المشوقة المتناسلة، فأوقفت مذبحة النساء التي كان يستمرئها شهريار وجلادوه ، بل إنها ،من المفروض ، أن تكون قد ربَّت الطاغية شهريار ، إذ هذبته وشذبته وأدبته ،وطيبته ،وعلمته وثقفته..
ولكن، للأسف، تم اضطهاد شهرزاد، وإغلاق حمامها ،قرونا طويلة، لما اضطهدت” تحفة ألف ليلة وليلة”واعتبرت (قلة أدب) وحظرت قراءتها على الناشئة، واعتبرت مجرد أدب شعبي مسف، واضطهد معها الخيال ،فانعشت نفسيات الطواغيت كبارا وصغارا، وازدهر عندنا الإستبداد وشهريارات الذين ظلوا مصلتين سيوفهم على رقاب العباد ،بل إن عقلية ونفسية الاستبداد مانعت طويلا نشأة فن الرواية في الأدب العربي الحديث.بينما كان الغرب يكستشف قارة ألف ليلة وليلة ، ويعيد إليها الاعتبار ،باعتبارها قمة المخيلة الإنسانية السردية التي ما فتئت تلهم الشعراء والمسرحيين والروائين والسنمائين والرسامين والموسيقين..الذين ظلوا يواظبون على ارتياد “حمام شهرزاد” الذي أعيد فتحه، وتم ترميمه وتوسعته ،ومداومة صيانته للاستحمام الروحي والعقلي والنفسي. وكان طه حسين أول من فتح فرعا عربيا لحمام شهرزاد، ولكن “حمام طه حسين ” النقدي ،بدوره ،سرعان ما أغلق،أو ظل مغلقا على من فيه من المستحمين والمستحمات.

وحتى نعود إلى انفراجة ابتسامتنا من خلف الكمامة ، في آخر هذه المقالة، سأروي هذه الذكرى القريبة من ذكرياتي: كان فرع جمعية الشعلة بصفرو، قبل أربع أو خمس سنوات تقريبا، قد استضاف الروائي المغربي المبدع عبد الكريم جويطي ،احتفاءً به وبروايته “المغاربة” ، وكانت استضافتني معه لأقدم قراءة نقدية في روايته، وهو ما قمت به، فقدمت قراءة حظيت بإعجاب الجمهور ، وبإعجاب الروائي جويطي نفسه، وبخاصة منها خاتمتها التي كنت أحلت فيها على علاقة فن الرواية بخطاطة ألف ليلة وليلة و”حمام شهرزاد”، وكنت أشرت فيها إلى تصريح بنكيران المعزول بعد بلوكاجه، أنه يزمع قراءة رواية المغاربة الجميلة، وافترضت أنه لا ينوي الاستحمام في مياههاالدافئة ولا الباردة، ولكن لعله يفهم أكثر بنية سيده ومولاه المخزن، ويتعلم أحسن كيف يكون رهن نواياه قبل بنانه، وطلب مني الأستاذ جويطي نشر تلك القراءة النقدية، ولكني دسستها في أحد أدراج مكتبي،أو في أحد الصناديق، واهملتها كما هي عادتي وديدني. و لا شك أن بنكيران وبعض البناكرة والخناشيش قد دخلوا “حمام عبد الكريم جويطي” ،لكن ليس بنية الاستحمام، وإنما للتجسس والتحسس على المستحمين والمستحمات وسرقة ثيابهم وأحذيتهم وأشيائهم أو متعلقاتهم . صفرو- الإثنين 13 يونيو 2022 .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube