أحمد رباص – حرة بريس

بمجرد تسرب هذه الفكرة وانتشارها امتعض منها الكثير من المدرسات والمدرسين وكانت من أقوى المبررات لمن عمل منهم 30 عاما أو أكثر لتقديم طلب التقاعد المبكر في أول يوم من الأجل المخصص لهذا الإجراء الإداري.
من الطبيعي، والحالة هاته، أن تثير الفكرة المخبولة، التي مناطها تكليف جمعيات الآباء بتقييم أداء المدرسين والمؤسسات، لغطا وجدلا حادين بين رجال ونساء التعليم. في هذا السياق، يندرج موقف نقابة مفتشي التعليم التابعة للجامعة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل.
من منطلق الرفض القطعي لهذا الاقتراح الأرعن، أكدت النقابة الوطنية لمفتشات ومفتشي التعليم بالمغرب على أن عملية تقييم الأفراد والبنيات الإدارية والتربوية هي من صميم اختصاصات ومهام هيئة التفتيش والمراقبة التربوية، مستنكرة لما تم تسريبه بخصوص إقصاء الهيئة من مهامها وإسنادها إلى أطراف أخرى منها من هو حديث العهد ولازال في طور التجريب.. وأضافت أن هذه الفكرة الجهنمية، المستوحاة من فكرة قياس رضى الزبون في عالم السلع والمقاولة، إذا نمت عن جهل حقيقي بالشأن التربوي والبيداغوجي، وبواقعنا المجتمعي الملموس وبتعقيداته السوسيوثقافية التي تتحكم في ولاءات هذه الكيانات، فقد أشرت عن نزعة انتقائية تعمل على إسقاط تجارب منظومات أخرى على تجربتنا المغربية، بفصل تلك التجارب عن سياقها وشروطها وعناصرها داخل منظوماتها الأصلية. 
في تصريح صدر مؤخرا عن المكتب الوطني للنقابة المذكورة وتم تعميمه على الرأي العام، اعتبر، أن تطبيق ما يسمى “تقييم الأداء” بناء على “المردودية” المزعومة و” نتائج التلاميذ” لتقويم المدرس يعد أمرا مخالفا لطبيعة الخدمة العمومية من جهة، ولطبيعة الخدمة التربوية والتعليمية من جهة ثانية؛  بحيث إن الواقع يثبت عجز هذه المؤشرات عن إعطاء صورة موضوعية ودقيقة لتقييم عمل المدرسين، في ظل تباين المحيط السوسيو-اقتصادي للتلاميذ وللمؤسسات التعليمية وتفاوت أوضاعها المادية وتجهيزاتها وبنياتها، وفي ظل ما يعرفه نظام التقويم التربوي للمتعلم من اختلالات، مواصلا أن تقييم “عمل” المدرسين وباقي الأطر التربوية من طرف المفتش التخصصي أو مفتش المجال أمر لا غنى عنه باعتباره تقييما مهنيا متخصصا ومتجردا من أية خلفيات غير مهنية أو تربوية. وأنه ضمانة أكيدة لتكافؤ الفرص ولتشجيع الكفاءة والتميز في صفوف الشغيلة التعليمية… 
وألمحت النقابة إلى أن التسريبات ذات الصلة تتضمن فكرة ربط الأجر، أو جزء منه، بـ “الاستحقاق” وبـ “تقييم الأداء” و”المردودية” بدعوى التحفيز، وربط الترقية حصريا “بالتقييم”، مقابل الإقبار التام لأنماط الترقي المكتسبة المعروفة مثل الترقية بالاختيار وامتحان الكفاءة المهنية (بعد ما تم الإجهاز على الترقي بالشهادة في وقت سابق). وهذه الفكرة هي أوضح تعبير عن الرهانات الحقيقية من وراء السعي نحو تذويب النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية ومحوه لصالح “نظام أساسي لمهن التربية والتكوين”.
والآن، تعالوا معي نلقي نظرة على موقف الرأي العام الذي عبر عنه القراء بعد شيوع خبر هذا الاقتراح على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية.
قال أحدهم: يبدو أن ضياع البوصلة الحكيمة ذات المقاربات الفلسفية المعقلنة جعل البعض يرتجلون سياسيا ويوهمون أنفسهم ومن صوتوا عليهم بالمقابل بأنهم فتحوا باب الإجتهاد والتجديد ،المسألة ليست بهذه البساطة البعيدة عن كل البحوث التربوية.
وفي رأي قارئ آخر أن ربط الاجر بالتحصيل الدراسي للتلاميذ شيء مهم، لن يختلف عليه الا ساذج او متهاون.لكن ان يتدخل أولياء أمور التلاميذ في تقييم هذا الاداء شيء خيالي بحكم مستوى هؤلاء، لذلك فهو نوع من إبراء ذمة الوزارة، بمعنى اذا اعتمد هذا الامر فلايمكن لأولياء التلاميذ التشكي من ضعف مستوى ابنائهم مستقبلا.
بصفته واحدا من اباء واولياء التلاميذ، أقسم قارئ بالله أن هذا ظلم في حق الاستاذ! ثم تساءل: ما هي المعايير التي ساعتمد عليها لتقييم عمل الأستاذ؟ يجب ان نحضر معه في قاعة الدرس، وهدا مستحيل، يختم الأب تعليقه.
أحد القراء ثمن دور المفتش كإطار لا يمكن تجاهله، إطار محوري له دوره داخل المنظومة لايمكن اقصاؤه لعدة أسباب، منها أنه كان يمارس مهام التدريس، وأنه مؤطر وفاعل داخل المنظومة، وأخيرا لأنه يقيم عمل الأستاذ ويعرف الخلل داخل المنظومة التعليمية.
وذهب قارئ آخر بعيدا عندما رأى أنها فرصة لزيادة تأليب المجتمع ضد الأستاذ، والحط مما تبقى من كرامته ليصبح ذلك الإنسان المنبوذ في المجتمع، وأنها فرصة لكل حقود في هذا المجتمع المتخلف للنيل منه. وزاد قائلا إن ما لا تريد الوزارة معرفته هو أنه مع تعاقب السنوات أنتجت الدولة بسياساتها أجيالا فاقدة للهوية والبوصلة، فلا هم اتبعوا تعاليم الإسلام في قيمه ولا الغرب في تقدمه العلمي ولا رغبة لهم في التعلم اصلا.همهم الغش والربح بلا مجهود، على حد تعبيره.
بأسلوب ساخر كتب أحد الظرفاء تعليقا تحت عنوان: “لنقيم كلنا بعضنا البعض ونحن ضاحكون”. جاء في تعليقه ان تقييم ولي الامر للأستاذ شيء جميل، وأنه علينا كذلك ان نقيم المؤسسة التعليمية، الوزارة/الوزارات، القايد، الجزار، سائق التاكسي، مول الحانوت والقاضي مع مراعاة عدم التحول الى مجتمع استخباراتي حيث الكل يمكن ان يبدي نظره او امتعاضه من الكل.بعد ذلك، ينتقل المعلق اللغة العامية ليقول: “إلاا الوزير ما عجبناش باي باي، والجزار و اللي خدام في الجماعة او السلطة او المدرب او الاسكافي الذي يقدم خدماته في الدرب او مول الحانوت الذي يتحايل على الزبائن…. التقييم على الجميع او نتوما اللي تديرو خدمتكم والاستاذ لا!!”
ونختم هذا المقال بإدراج هذا التعليق الذي صاغه صاحبه على هذا النحو:
لا يمكن تقييم عمل المدرس لوحده وربط الأجر بالتحصيل الدراسي. لماذا؟ لان هذا المدرس يوجد ضمن منظومة تربوية بدء من الوزارة مرورا بالبرامج والمناهج فالوسائل التي لا تتوفر البتة، بالإضافة الى الفضاءات غير اللائقة للتدريس ثم الاسرة التي اصبح همها الوحيد معاتبة ذلك المدرس الذي يحاول بكل ما له من جهد ان يوصل المعلومة الصحيحة إلى التلاميذ، زد على ذلك ما يعانيه من ضغط من كل الجوانب.فعوض الحديث عن الاستاذ لوحده يجب ان نتحدث عن المنظومة بأكملها…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube