مصطفى المنوزي/ رئيس المركز المغربي للدمقراطية والأمن

بالرغم من حصول تنازلات ومراجعات سياسية ومذهبية لدى الهيئات الحزبية على مستوى العلاقة مع مطالب التغيير أو إصلاح النظام السياسي خلال مسلسل الصراع حول السلطة ومن أجلها ؛ فقد ظل النظام السياسي في شخص ممثله الدستوري مالكا لكل شيء بالقرار وحدول الأعمال الوطني ، وفي نفس الوقت غير مسؤول عن تداعيات قرار هذا الشيء ؛ فكانت النتيجة الغائية هي إبعاد النخب السياسية عن ممارسة الحكم ، وما ينتج عن ذلك من إخراج المواطنين من السياسة . وهو ما يعقد بالتالي عملية التحول السياسي ،حتى لا نقول يجهض مسلسل الانتقال الديمقراطي، فتهيمن إرادويا وقصديا ثقافة التيئيس والعزوف عن المشاركة السياسية ، من تعبير واقتراع . وإذا كانت السياسة ، في نظر الأغلبية الساحقة ، هي المشاركة في ممارسة النقد السياسي ومساءلة السياسة العمومية من خلال تدبير الشأن العمومي والمساهمة في تسطير الخريطة السياسية ؛ فإن ” الإيمان ” بأن الدين والسيادة الوطنية والأمن شؤون تتجاوز حدود السياسة العمومية ، باعتبارها شؤونا تنتمي إلى مجال السياسة العامة ، وهو مجال حكر ومحفوظ ، حسب الدستور ، لمجلس الوزراء برئاسة الملك ، مما يصعب مهام الحكومة بما يعنيه من تهديد لمكتسبات الديمقراطية التمثيلية المؤسسة – افتراضا – على الاقتراع والاستفتاء كتعبير عن إرادة الأمة . الشيء الذي يرجح حظوظ النظام الرئاسي على حساب النظام البرلماني المنشود ، هذا النظام الذي يفترض فيه أنه يؤشر على إرهاصات بناء ملكية برلمانية كتسوية توفيقية تقتضيها شروط استمرار نفس النظام الوراثي و لتعارضه مع الديمقراطية كغاية . ولأن الأمن هو السياسة كرديف ، وباعتبار ان القرار السياسي ، والمالي / الإقتصادي ، صناعة وقرار أمنيين ؛ فإن السياسة تحولت ، من حيث هي تدبير للشأن العمومي وحل للأزمات في العلاقة مع الاقتصاد السياسي والخصاص الاجتماعي ، تحولت إلى مجال محفوظ يلغي صلاحية تشاركية التفكير في تقرير المصير ، يلغي بالأحرى سؤال التمكين من الحق في التداول على السلطة ، ولو في صيغة تناوب توافقي مبني على تسوية مؤطرة بحدود وصلاحيات تنفيذية ، قاصرة عن إنعاش وحلحلة مطلب البناء الديموقراطي . فليس غريبا أن يركز النموذج التنموي على التنمية الاقتصادية العارية من البعد الاجتماعي كلبنة لبلوغ السقف الضروري لأي إصلاح سياسي ومؤسستي . فلم يعد الأمر مقتصرا على جعل الأمن مجالا محفوظا للملكية التنفيذية ، وإنما تم تأميم وتحفيظ السياسة أيضا ، وهي سردية أمنية مهيكلة لاستراتيجية إخراج الحرية والدمقراطية من السياسة ، إضافة إلى إخراج السياسي من السياسة ، وفي ذلك إجهاض لأي تحول في العقيدة الأمنية للنظام ، فهل يكفي إقرار المسؤولية الشخصية (غير المصلحية او المرفقية ) للأمنيين المرؤوسين أو الموظفين العموميين المكلفين بإنفاذ القانون وتدبير القوة العمومية ، أو إحالة صلاحية تدبير الحكامة الأمنية للمجلس الأعلى للأمن ( الذي لم ينصب بعد منذ المصادقة على دستور يوليوز 2011 ) وفق ما نص عليه الفصل 54 من الدستور ، وهل هذا يقنع بكفاية ذلك لإقرار ، فعلي و حقيقي ، لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ؟ خاصة في العلاقة مع ضمان وحماية الأمن القومي ، القيمي والهوياتي والسيادي ، والذي يستدعي توفيقا وتوافقا ديمقراطيين بين حقوق الإنسان وحقوق الأوطان ، بتقوية الجبهة الوطنية وتجميد التناقضات الداخلية التناحرية ، في ظل تصاعد طموح ورهان الدولة ( في العهد الجديد ) على امتلاك مقومات لعب دور إقليمي اساسي ، بناء على مقاربة جديدة ومغايرة لمقاربة عهد سنوات الرصاص ، تستند على تنافسية دولية وندية تقومان على أساس مقومات الاقتدار والاكتفاء الذاتي ، وتفك الارتباط مع عقدة الالحاقية والذيلية والتبعية لكافة خوارج الاقتصاد الرأسمالي والمذهب الوهابي ، بخلفية مالية أو غاية أمنية أو تعاقد ديني حتى ، تختلط فيها أوراق ضغط ” المساعدات والخبرات والمخابرات الأمنية والعسكرية والمالية ” . من هنا وجب التأكيد على أن الحق في الأمن ضد الخوف ، والحق في الأمن ضد الحاجة ، لا يمكن تصورهما خارج مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، وهذا لن يتأتى إلا داخل دولة المجتمع بديلا عن مجتمع الدولة ، و عن الدولة القوية و الاجتماعية الآمنة بديلا عن الدولة المخيفة الأمنية .
فكيف ننقذ وطننا من سلبيات العقيدة الأمنية التقليدانية ، والتي تروم تكريس أولوية حماية النظام فقط عوضا عن حماية الدولة والوطن والمواطنين اقترانا ، من زمن الفوضى واللادولة أو شبح ما بعد الدولة ؟
وكيف ندعم طموح الندية والقدرة التنافسية لدى الدولة ، وتحرير النظام من عقدة السخرة الأمنية كدركي للمنطقة وجبرية الوساطة المركنتيلية الإذعانية ككمبرادور وجمركي اقتصاد الحدود ، والذي يعتبر رهانا حقيقيا لمهندسي مشروع الشرق الأوسط الكبير ، المهدد لوطننا وامتدادنا الجغرافي والتاريخي ولاستثنائنا الثقافي ، بفزاعة التقسيم والتجزئة والإلحاقية ، فقد يُحوَّل الوطن رهينة للإملاءات أو منصة استراتيجية داعمة للمخططات التصفوية سالفه ؟ ليتولد عن ذلك سؤال الكلفة المادية والحقوقية / الإنسانية والسياسية ، والتي من شأنها استغلال هشاشة البنيات الدولتية من أجل إسقاط الهياكل المؤسستية ، والمعتبرة ، تمثلا ، انها ذات تاريخ عريق في صيغة أمة تعايشت فيها جميع الأنماط الانتاجية والسياسية مع هيمنة التقليدانية جوهريا ، وسيطرة الحداثة الاقتصادية مظهريا .

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube