مصطفى المنوزي/رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

في سياق التحضير للورشة التفاعلية التقييمية لمسار المركز المغربي للديمقراطية والأمن ، نظمنا عدة ورشات حقوقية وسياسية ومعرفية أكاديمية ، إضافة إلى إجراء حوارات ومقالات بشكل دوري واعتيادي ، راكمنا من خلالها تحيينات نقدية وتثمينية (إيجابيا ) لمقاربتنا للمسألة الأمنية ، في ظل التحولات الجارية وطنيا وإقليميا وعالميا ؛ وقد تحقق جزء مهم من انتظارات المركز بعد رفع جلسات الورشة التي حرصنا على تنظيمها في مكان هادئ بجماعة ويرgان باقليم الحوز ، وبالضبط بمأوى سياحي لقبه مالكه ( ج م ) أحد قدماء المعتقلين السياسيين وضحايا سنوات الرصاص ب” قصبة ويركان ” ، فقد كان مطلوبا من المشاركين ، من حقوقيين وسياسيين وأكاديميين وباحثين ، محاولة التفاعل مع أرضية الورشة التقييمية ، وخاصة التساؤلات التي تضمنتها الكلمة الافتتاحية للرئيس ومداخلات وتفاعلات أعضاء المكتب المسير ، أهمها :

  • هل يجب الاستمرار في الاقتصار على أشكال العمل التحليلية ،الحوارية ،التحسيسية والراصدة؟
  • هل من الممكن الانفتاح على مجالات وهيئات أمنية أخرى ؟المجال القروي مثلا ؟
  • ما هي إمكانية اعتماد “تقدير موقف” كأداة للجمع بين الرصد والتحليل والاقتراح؟
  • كيف العمل على خلق شبكة مغاربية ومتوسطية أو إفريقية تضم الهيئات المدنية المعنية بالحكامة الأمنية؟
  • جعل موضوعة “الأمن” من صميم اهتمامات الحقل الحقوقي الوطني؟
  • كيف يمكن بناء خطوط تماس مع المجالات المؤثرة في المنتوج الأمني العدالة (الأمن القضائي ) ،المنظومة الجنائية،السياسة الجنائية ( المبادرة التشريعية /الحكامة البرلمانية ) ؟
  • حظوظ وضع وتنفيذ خطة ترافعية لإقناع الأحزاب السياسية بالاهتمام بالشأن الأمني بوصفه شأنا عاما وعموميا؟
  • بلورة تصور حول مكونات الأمن القومي الوطني؟
  • بلورة تصور حول أثار متغيرات النظام العالمي الجارية على مصفوفة الأمن الوطنية؟
  • حظوظ وامكانيات انجاز دراسات مشتركة مع الهيئات التشريعية والأكاديمية حول أوجه الوضع الأمني؟
    . ولعل السؤال الجوهري الطاغي هو لماذا لم يحصل الانتقال الديمقراطي وبصيغة ألطف طرح نفس السؤال ولكن وفق تساؤل عريض لماذا تعثر مسلسل الانتقال السياسي في بلورة عناصر بناء التحول الديمقراطي المنشود من قبل الطبقة السياسية ، والملتزم به من قبل مهندسي النظام في ظل العهد الذي كان يطلق عليه نعت الجديد ؟
    وشخصيا التقطت عبارة قوية ونافذة على مستوى الرمزية والإشارة السياسية ، وعلى مستوى وقعها المفاهيمي والبلاغي / الخطابي . إنها عبارة ” سؤال الانتقال الأمني ” والذي تستغرقه إشكالية ” الانتقال الديمقراطي ” الذي لم يقع ، وفي انتظار أن يبلور المركز المغربي للديمقراطية والأمن بعض ملامح عناصر ومنهجية تشكل بسطه وتفعيله في صيغة خطة عمل ( خلال الورشة المزمع تنظيمها مباشرة بعد عملية انتخاب قيادة جديدة للمركز بعد أيام ) ، أرى أن أذكر بمقالتي المنشورتين على صفحتي وفي بعض المواقع ، الأولى تحت عنوان والثانية كحلقة منبثقة تحت عنوان ، ثم كلمتيَّ أمام المتناظرين والباحثين في ندوة نظمناها بشراكة مع كلية العلوم القانونية والسياسية بمدينة سطات . فإذا كنا خلصنا في تحليلاتنا إلى أن العملية السياسية التي رافقت العهد المحمدي ( بعلة إرساء المفهوم الجديد للسلطة وإقرار قطيعة مع ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ) ؛ استنفذت كل إمكانياتها ، و حان الوقت لتحيين الإرادات دون تضخيم الانتظارات ، في صيغة جيل جديد وعقلاني من الإصلاحات ، وبتطوير مفهوم السلطة بربطه بمقتضيات مفهوم جديد ومتقدم للعدالة ، بما تعنيه تكريس أمن قضائي مؤسس على أمن قانوني وحكامة تشريعية تحقق الإنصاف والإعتراف ، ووفق متطلبات مبدأ عدم الإفلات من العقاب كرافعة لإرساء ضمانات وتدابير عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان . من هنا فالرهان قائم ، إستقبالا ، على رد الاعتبار للمشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي ، والذي صاغه حروفه الأولى مهندسو ” العدالة الانتقالية ” سواء داخل مواقع الدولة لصناعة القرار السياسي والأمني أو خارجه ، الذين وإن كانوا يطمحون إلى إحداث قطائع صغرى وفق مصالحات جزئية ، فعلى الأقل تركوا للوطن توصيات ” الإنصاف والمصالحة ” وهي توليفة توفيقية ونتاج تسوية سياسية قادها ( ويا للمفارقة ) الحقوقيون بدل السياسيين ( الحزبيين ) ، إلى درجة أن الراحل إدريس بنزكري أوصى بتأسيس حزب “خاص ” لتفعيل التوصيات ، غير أن بعض اليسار الذين تصالح معهم القصر حاولوا الانفراد بالمبادرة وكان ما كان ، وهاهو اليوم يحصل الأفظع بعد الركوب عليها ، من تحريف مقتضيات القصد وأسباب النزول ، في ظل تغير الشروط مباشرة بعد حلول ما سمي بالربيع الديمقراطي المستورد ، والذي فرض على المغرب الرسمي الإذعان لمخطط الشرق الأوسط الكبير بإعطاء الأولوية في التعامل و” التواطئ ” للمد الإسلامي وتمكينه من وسائل تدبير الشأن العمومي دون السيادي ، وهو ما قلص من حماس المد الحداثي وأوقف مسار الانتقال السياسي ، وطويت صفحة الانتقال الحقوقي ، ليطرح السؤال حول أوقاع هذا التعثر على مسار الانتقال الأمني وضمنه مطلب الحكامة الأمنية والتي اختزلت في مهام المجلس الأعلى للأمن الذي لم ينصب بعد ، في ظل الخيارات الاستراتيجية المستحدثة للدولة المغربية ، فمباني ” العقيدة الأمنية ” التي صارت هذه الأيام تعتمد نزوعات تحقيق الردع والضبط بالسعي نحو قوة ناعمة وذكية بكلفة ( مالية وسياسية ) أقل مما كان يصرف على العمليات السوداء في الماضي ، مع استحضار إرادة النظام في أن يحقق انتقالا قيميا على مستوى العقيدة الأمنية دون التفريط في السيادة المؤسسة على الهوية الصلبة ، عصبها التقليدانية بمظاهر حداثية ، يروم تحقيق مواقع أقدام في السياسات الدولية على أساس الندية وبعيدا عن عقدة التبعية للخارج والإمساك عن الاستمرار في لعب دور دركي المنطقة أو كحارس بوابة إفريقيا وكمبرادور مسخر لخدمة المتروبول الرأسمالي والذي لا يهمه في ” التعاون والتحالف ” سوى إسقاط الدول وجوديا بإعدامها أو توظيفها لخدمة إسقاط بنى الدول والبنيات الممانعة لأي تعاقد إذعاني ، تحت طائلة تمزيقها بمبررات دينية او إثنية أو طائفية . فكيف نحقق الانتقال الديمقراطي في ظل تعثر الإنتقال الأمني المتردد ؟
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube