ترجمة أحمد رباص

لم يكتف المغاربة المطرودون بإنشاء ملاذات جديدة لأسلافهم الذين ماتوا في البلد الجديد، لقد كافحوا لنقل آثار معينة من الأولياء الذين توجد قبورهم في المغرب إلى إسرائيل، لأجل إنشاء أمكنة جديدة للعبادة. يُظهر لورانس بودسيلفر، الذي درس الصور الرمزية للحج اليهودي التونسي المعاد اختراعه في الضواحي الباريسية، في سارسيل، أنه عندما يستقر المنفى في الوقت المناسب، فإن العادات والتقاليد تنتقل إليه.
على نفس المنوال، يمكن للمرء أن يجادل بأن وضعهم الحالي في إسرائيل هو ما يمكن، بضرب من المفارقة، أن يعيشه اليهود المغاربة كنوع من المنفى.
من جهة أخرى، في سارسيل، لم يذهب اليهود التونسيون إلى حد إنشاء قبر جديد للقديس الذي يحتفلون به واكتفوا بأن اقحموا في المكان أشياء مقدسة مرتبطة بعبادة اعتيادية في الجنوب التونسي. في إسرائيل، من الواضح أنه تم القيام بخطوة أخرى إلى الأمام.
تشكل الامكنة الدينية الجديدة في إسرائيل فضاء للتعبير الهوياتي الغامض: فمن ناحية، يتم إعادة التأكيد على “تمغربيت” مكبوتة، ومن ناحية أخرى، يتم إنشاء أشكال جديدة من الانتماء إلى إسرائيل.
على أي حال، فإن الأمر يتعلق بإعادة التأكيد على مركزية أشكال معينة من التكامل السوسيوثقافي، تم إنكارها في سنوات إيديولوجيا إعادة توحيد الشتات، (ميزوغ غالويفوت). ويتخذ ذلك أبعادا لدرجة أن المهرجان الشهير في نهاية عيد الفصح اليهودي في المغرب، ميمونة، الذي حلله هارفي جولدبيرج في مقال شهير كطقوس للوساطة والمصالحة بين اليهود والمسلمين في المغرب، فقد العديد من سماته “المغربة” ليصبح عيدا وطنيا في إسرائيل، وهو مؤشر واضح على تغيير وضع اليهود المغاربة.
بعد أن تناولت موضوع عرض الهوية المغربية في إسرائيل، أود الآن أن أوضح بعض ملامح إدخال “تإسرائيليت” في المغرب، حتى لو كانت هذه الظاهرة اكثر محدودية.
لم يقم الإسرائيليون من أصل مغربي بإعادة اختراع قبور أولياءهم في إسرائيل فحسب، بل قاموا أيضا بتوسيع مساحات القداسة اليهودية المغربية من خلال التنقل بين الأضرحة الجديدة والقديمة.
في كل عام، منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، يزور المغرب ما بين 15000 إلى 20000 إسرائيلي من أصل مغربي: كثير منهم لديهم جواز سفر مغربي، والآخرون لديهم جواز مرور. الرحلة بالنسبة لأولئك الذين غادروا المغرب منذ سنوات عديدة، حدث معقد يتضمن عمليات تحديد الهوية ومشاعر الانتماء.
نرى في كثير من الأحيان، في المطارات الإيطالية والألمانية والفرنسية والإسبانية، أن مجموعات من الإسرائيليين الذين لا يستفيدون من رحلة مباشرة إلى المغرب يظهرون (قلق) الانتظار: استهلاك المشروبات والمأكولات هو العلامة الأكثر وضوحا، إلى جانب الحنين إلى التحدث باللهجة العربية المغربية، التي يبدأ البعض في استخدامها أثناء الرحلة مع مسافرين مغاربة آخرين، غالبا ما يكونون هم أنفسهم مهاجرين.
أسر لي رئيس الاتحاد العالمي لليهود المغاربة، بكل بوادر الرضا والاعتزاز، الحكاية التالية:
“في عام 1983، وصلت إلى المغرب من مالقة، بدون تأشيرة. كان بجواري فلسطيني وسوري سألني من أين أتيت. فقلت له من اسرائيل. و أنتم؟ بعد إخباري من أين جاءوا سألوني إذا كان لدي تأشيرة. قلت لا. قالوا لي وبحوزتهم تأشيرة إنهم يخشون عدم القدرة على الدخول. باندهاش بالغ، سألتهم لماذا. طيب، لقد تم إبعاد الاثنين بينما تمكنت أنا من الدخول، لأنهما يعلمون جيدا أننا نحن اليهود المغاربة لن نسبب مشاكل للمغرب أو للملك، وهذه الثقة متبادلة”.
في هذا المقتطف الموجز من المحادثة يظهر كلاً من الفخر ، والاعتزاز بالانتماء (حقيقة الاعتراف بك كما لو كنت جزء من المشهد المغربي) والشعور بامتياز مزدوج: القدرة على التباهي بكونك خاضعًا لملك في تاريخه الخاص وأن يعترف بك باعتبارك ابنًا أمينا، غير قادر تمامًا على إزعاجه.
العلاقة مع الزبونية، التي تضاعفت بعلاقة البنوة – وهذا ما ينبثق من المفردات المستخدمة، هنا كما في المقابلات الأخرى – تصبح أكثر تعقيدا من خلال تقييم الملكية: إقامة علاقة مع عاهل ليست ذات أهمية لا تذكر إذا فكر المرء في الوضع الهامشي التي ظل فيه يهود المغرب محصورين لفترة طويلة في إسرائيل. يبدو الأمر كما لو أن الاعتراف بك على أنك “جزء من مملكة” يجسد زخم الجنيالوجيا الملكية.
في مقال منشور في مجلة (Diasporas)، اهتممت بالظاهرة التي يمثلها حج الإسرائيليين من أصل مغربي الذين يذهبون إلى المغرب قصد زيارة قبور الأولياء وبشكل خاص إلى قبر للا سولكا في فاس. أوضحت كيف أن هؤلاء الحجاج، من خلال كتابة اسمائهم في السجل الذهبي للمتحف المجاور للضريح، كانوا يطلبون من القديسة أن تمنحهم ادعية تتعلق بحياتهم اليومية في إسرائيل كما بالسلام. لذا إذا عاد هؤلاء الإسرائيليون إلى المغرب، فإن الهدف الأساسي هو المطالبة بالسلام بين إسرائيل والعالم العربي.
ومع ذلك، فإن هذا لا يستبعد المزيد من المقاربات الفردية للأماكن التقليدية للحج، مما يجعل هذه الأماكن أماكن خارج الزمن، حيث لم يكن الحاج بصدد نقلها إلى سياقها التاريخي ، ولكن من أجل ملاءمتها وفقا لإيقاع، لوقت شخصي.
في عام 1995، نشرت صحيفة “هآرتس” سلسلة من المقالات حاولت أن تشرح المشاعر التي سادت بين الإسرائيليين من أصل مغربي ودفعتهم لتصور المغرب على أنه “الفردوس المفقود”. يعكس أحد هذه المقالات أجواء فترة ما بعد أوسلو:
“الفجوة التي فتحها الملك الحسن الثاني للإسرائيليين تتسع يوما بعد يوم والحكومة تحاول احتواء الطوفان. ويسعى العشرات من رجال الأعمال وممثلي التجارة للحصول على علاقات برأس الحكومة، بينما تتكاثر المبادرات لإطلاق جميع أنواع المشاريع. لكن ما الذي يبحث عنه الإسرائيليون في المغرب؟ من هم أولئك الذين يمارسون الأعمال؟ تهتم السياحة الإسرائيلية بشكل متزايد بالمغرب: 20000 سائح في عام 1994، معظمهم من أصل مغربي. بشكل عام، يشترون منتجات جلدية، اردية، ملابس تقليدية، أشياء نحاسية. الأسعار منخفضة، والإسرائيليون معتادون على المساومة، والتجار يرونهم يأتون ويحيونهم باللغة العبرية “باروخ هابا”. الإسرائيليون ينفقون 2500 دولار للفرد، أو 50 مليون دولار في السنة. هناك حوالي ألف زائر سنويا من المغرب إلى إسرائيل. سيزداد عدد السياح إذا تم تعزيز العلاقات بين البلدين”.
موقع واسع النطاق خاص بالشتات المغربي يلتقط وينشر انطباعات ومشاعر المسافرين العائدين من الحج إلى المغرب. تؤكد المقابلات التي خصها بي الإسرائيليون خلال رحلة حج معروفة إلى مزار ولي يهودي مغربي، مبجل في وزان بشمال المغرب، أن السياح-الحجاج مهتاجون بمشاعر معقدة، في مواجهة واقع ثقيل من الرموز، وكذلك في مواجهة الممثلين الرسميين للسلطة المغربية. فسر أندريه ليفي هذه الظواهر في ضوء إحياء العرقنة لمختلف مكونات المجتمع الإسرائيلي في نهاية التسعينيات، مشددا على أهمية وجود رموز ملكية مغربية في أماكن الحج.
أفاد أحد المواقع بالمباركة الممنوحة للعائلة الملكية المغربية عام 2003 من قبل الحاخام السفارديم ، وهو إسرائيلي من الدار البيضاء. قال فيه إنه “أراد إعلان مغربيته بالمجيء لمباركة ملك المغرب وولي عهده وأخيه والأسرة الملكية بكاملها والشعب المغربي”. لذلك من الضروري وضع رحلات-حجات اليهود المغاربة في سياقها، وكذلك تقديس المغرب: من الواضح أن الوضع المغربي يختلف، مثلا، عن وضع أوروبا الشرقية.
هذه الرحلات – الحجات إلى الأرض الأم ليست خصوصية (ينفرد بها) المغاربة الإسرائيليون. بعد سقوط جدار برلين، لوحظ أن هذه الرحلات إلى الأماكن المقدسة لليهودية الأوكرانية ارتفع عددها: في عين المكان، أعاد الأوكرانيون بناء بقايا المقابر التي ثمنوها، واخترعوا الذكاريات، وتعلموا بعض الكلمات من اللغة العبرية.
الفرق هو أن الإسرائيليين العائدين إلى المغرب يجدون مقابرهم، قبور آبائهم وأوليائهم كما تركوها؛ يتم تبييض هذه الأخيرة في بعض الأحيان من مداخيل الهيلولة.
في بعض الأحيان تتم دعوتهم لدخول المنازل التي عاشوا فيها ذات مرة للمشاركة في تناول وجبة. على العكس من ذلك، بالنسبة للإسرائيليين الذين يعودون إلى أوروبا الشرقية، فإنهم مجرد حطام وذكريات مميتة. لم يمح المغرب آثار خضور اليهودية منذ قرون، ولم يخف العلامات الجديدة للوجود المغربي – اليهودي – الإسرائيلي.
تغطي وسائل الإعلام المغربية على نطاق واسع الرحلات الإسرائيلية إلى المغرب، سواء في الصحف أو في الإذاعة والتلفزيون. إنهم يفعلون الشيء نفسه بالنسبة للمغاربة الإسرائيليين الذين أصبحوا شخصيات عامة.
عندما انتخب عمير بيرتز، وزير الدفاع السابق، زعيماً لحزب العمل في نوفمبر 2005، أو عندما أصبح عضوا في الحكومة سنة 2006، قامت صحيفة (أجوردوي لو ماروك) والإذاعات المغربية بتغطية نجاحه ثم انتخابه وشددت على أصوله المغربية.
بدوره، أعلن بيرتز، في تصريحاته لوسائل الإعلام المغربية، عن اعتزازه بأصوله المغربية التي اعتبرها جزء من هويته. ومع ذلك، لأن وزير الدفاع الإسرائيلي احتفظ بالجنسية المغربية، وبالتالي فهو مسؤول كمواطن مغربي، طلبت ثلاث شخصيات يهودية مغربية – أبراهام سرفاتي وعمران المالح وسيون أسيدون – محاكمته في المغرب بسبب جرائم حرب في لبنان صيف 2006.
كما سمعنا رئيس بلدية مكناس يعلن، خلال اجتماع حول البيئة نُظم بنيم في ماي 2006 – شاركت فيه جميع المدن التي توأمت مع المدينة الفرنسية – أنه كان يود أن يكون “أول عمدة مدينة إسلامي يتوقع توأمة مع مدينة إسرائيلية ”. وأثار هذا البيان سجالات وهجمات في الصحافة الوطنية المغربية.
في الواقع يجد ذلك تفسيره في الصداقات القديمة التي تربط هذا الرجل بعمدة مدينة ريشون لتسيون، وهو صديق الدراسة من مكناس! العلاقات الشخصية، الخضوع، الأبوة، الحنين للشباب المغربي والماضي، صعوبات الحاضر والمستقبل في إسرائيل، تشكل العناصر التي تغذي ما يسمى اليهودي – المغربي الإسلامي وتديم نسجه.
ختاما ومن ناحية أولى، الظواهر التي وصفتها للتو هي جزء من عمليات أكبر. منها، مثلا، زيادة تنقل الأفراد التي تلغي المسافات وتضعف الحدود، ما يجعل من الممكن إقامة سلسلة متصلة بين المغرب وإسرائيل، أو في نفس الوقت، على الأقل، تقليل المسافة بين مكان المنشأ ومكان الوصول بفضل بناء المساحات الأولية.
من ناحية أخرى، أرض إسرائيل، التي مثلت لآلاف السنين مكان الأصل الأسطوري لليهود في الشتات، هي بدورها تخضع لعملية “تشتيت”، بسبب تحولها إلى دولة تتم مغادرتها نحو المنفى. هناك بالتالي انعكاس في العلاقة بين إسرائيل والشتات: فالأخير يصبح المركز بينما إسرائيل تصبح هامشية وتصبح واحدة من أمكنة الشتات.
في حالة اليهود المغاربة على وجه التحديد، يمكن التفكير في كون الاهتمام بالمغرب يتم لتفادي الحديث عن إسرائيل. برز السؤال بمناسبة النقاش الذي أطلقته صحيفة (هآرتس) حول المغرب باعتباره الفردوس المفقود لليهود الذين جاءوا من هناك: كان السؤال هو معرفة ما إذا كانت حقيقة العيش في حالة مواطنين من الدرجة الثانية (حالة المزراحيين، إسرائيل الثانية) كان من شأنه أن يولد خطابا يروج للذاكرة المغربية ويعرض، من خلال تنظيمه، استمرار العلاقات مع العائلة الملكية المغربية.
السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لليهود المغاربة هو ما إذا كانوا، من خلال التأكيد على المكونات الهوياتية لمجموعة مهمشة، في كل من المغرب وإسرائيل، لا يصبحون ممثلين للتهميش داخل كلا البلدين. مهما كان الأمر، فإن دراسة الهوية المغربية في إسرائيل – وبقدر الإمكان – “الإسرائيلية” في المغرب، هو رفع جزء من الحجاب عما لا يرغب أي من البلدين في تقديره.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube