عبد المجيد بن شاوية

منذ أن طرح المغرب مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية الجنوبية في إطار السيادة الوطنية كحل نهائي لإنهاء النزاع الدائر فيها بينه وبين جبهة البوليساريو المدعومة من قبل الجزائر والحاضنة لها، بادرت العديد من الدول إلى الإشادة بهذا المقترح والتنويه بواقعيته ومصداقيته على خلاف ما تتشبث به الجبهة، واصطفاف الجزائر معها، الداعمة لها، التي تطالب بإجراء استفتاء لتقرير مصير أقاليم الصحراء، الشيء الذي يزيد من تعقيد هذا النزاع الإقليمي بالمنطقة المغاربية خاصة، وبشمال القارة الإفريقية عموما، وما يترتب عنه من تداعيات خطيرة تمس الأمن والسلام والاستقرار على عدة مستويات.
ففي هذا المسار جاءت مواقف مؤيدة للمغرب، فكانت الخطوة الجريئة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير هي حين أعلن الرئيس الأمريكي دونا لد ترامب في آخر أشواط نهاية ولايته يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول 2020، اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء، وبعدها فتحت قنصلية بمدينة الداخلة بالجنوب الصحراوي، مما جعل دول أخرى أن تحذو حذو الولايات المتحدة الأمريكية في اعتماد تمثيليات دبلوماسية بالمنطقة الصحراوية الجنوبية، وليس هذا فحسب، بل أن مجموعة من الدول جمدت أو سحبت اعترافها بالجمهورية الصحراوية، وبعضها لازال قائما على موقف الحياد منتظرا مآلات الأحداث وما ستسفر عنه من مواقف وقرارات تفاعلا مع ملف النزاع وعلاقاته بالعديد من الملفات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق وجب الوقوف بشكل مغاير ومختلف ومثير جدا على قرار إسبانيا دعم مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية الجنوبية، يوم 14الإثنين مارس 2022، من خلال رسالة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي محمد السادس، تغير فيها موقفها التقليدي من النزاع الحاصل في الأقاليم الجنوبية، المتمثل في الحيادية من نزاع الصحراء، لاسيما إذا ما استحضرنا علاقة إسبانيا التاريخية بالمنطقة المتنازع عليها، باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة للمنطقة الجنوبية، لتقر بكون مقترح مشروع الحكم الذاتي المغربي هو الأرضية الصلبة لوضع حد لنزاع الصحراء، وتدلي بدلوها في شأن المقترح المغربي على أنه ” أساس جدي وواقعي لحل النزاع “، وبذلك أعربت إسبانيا عن موقفها الصريح في علاقتها بهذا النزاع، بدل موقفها الرمادي / الحيادي السابق الذي كانت إسبانيا تقف عنده في كل المحطات الرسمية على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وهو أنها تدعم باستمرار “حلا سياسيا وعادلا ودائما ومقبولا من الطرفين، في إطار الأمم المتحدة”، الذي لم يعد ينفع في علاقاتها السياسية والدبلوماسية والجيوسياسية بالمغرب، إذ شكل حجر عثرة في علاقاتهما المتعددة الجوانب، مما خلق أزمة دبلوماسية وسياسية واقتصادية بين البلدين في الآونة الأخيرة على خلفية تصرف إسبانيا في بعض من مواقفها، أبرزها استقبال إبراهيم غالي، على أراضيها لتلقي العلاج من كوفيد19، الأمر الذي جعل السلطات المغربية توجه من جديد خطابها إلى كل من يقف موقفا غير واضح بشأن ملف الصحراء، خصوصا إذا ما استحضرنا ما جاء في خطاب العاهل المغربي في 6 نوفمبر سنة 2021، بمناسبة الذكرى ال 46 للمسيرة الخضراء، الذي طالب فيه القوى الدولية الفاعلة والشركاء والحلفاء بالتخلي عن المواقف الرمادية، والإدلاء بمواقفها الصريحة والأكثر جرأة ووضوحا دون ” المواقف الغامضة والمزدوجة”، إما مع أو ضد مقترحه القاضي بمنح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية والاعتراف بسيادة المغرب على ترابه الإقليمي الجنوبي، انطلاقا من دراسة وتحليل المعطيات التاريخية والشرعية في علاقاته بهذا النزاع.
موقف إسبانيا الأخير جعل العديد من الدول والمنظمات تتفاعل معه بإيجابية، واعتباره مدخلا مهما لإزالة غشاوة المواقف السياسية والدبلوماسية على هذا الملف الذي عمر طويلا، فقد شكل موقفا مرجعيا أساسيا لدول وتنظيمات التي تمانع في الإقرار بشرعية المغرب على صحرائه، وبجدية ومصداقية المقترح المغربي، هذا الأخير يعتبر الأرضية السياسية والدستورية ذات الفعالية الأكثر استجابة على مستويات عدة، سواء على مستوى الإقليمي والقاري والدولي، يحفظ ماء وجه كل الأطراف المعنية، ويزيل عنها كل الآثار السلبية والقاتلة لمبادرات ومشاريع البناء المغاربي، وكل ما يثير التشنجات والتوترات على اختلاف مستوياتها بين الشعوب والدول المغاربية، وأيضا صمام أمان ضد كل الظواهر الإجرامية الإقليمية والقارية والدولية، علاوة على مساهمته في الاستقرار والأمن والسلامة إقليميا ودوليا. كما جاء في بيان الحكومة الإسبانية في شق منه التزاما بما تتعهده من وراء هذا الاعتراف بمقترح الحكم الذاتي : ” نبدأ اليوم مرحلة جديدة من العلاقة مع المغرب على أساس الاحترام المتبادل والامتثال للاتفاقيات وغياب الإجراءات الأحادية والشفافية والتواصل الدائم. وسيتم تطوير هذه المرحلة الجديدة لتصبح خارطة طريق واضحة وطموحة. كل هذا لضمان الاستقرار والسيادة والسلامة الإقليمية والازدهار لبلدينا”، في خطوة من إسبانيا كانت جريئة بهذا الموقف الذي عبرت فيه عن استمرار علاقات الجوار وتمتين أواصر وروابط الصداقة والمصالح والمحبة والتاريخ …
إن ما أقدمت عليه إسبانيا بإدلائها موقفها الصريح من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، جعل كل من البوليساريو والجزائر تستشيطان غضبا وسخطا على موقفها هذا، وضاقت عليهما الأرض بما رحبت، وتملكهما الشعور بخسارة الرهانات الدبلوماسية والسياسية على مواقف بذاتها، إلى درجة اتهام إسبانيا بالتناقض والانقلاب المفاجئ في قضية ملف نزاع الصحراء، كما يصطف بعض من جهات معينة داخل إسبانيا وخارجها تنديدا بالموقف الإسباني الذي لم يفعل شيئا سوى إعادة الأمور إلى نصابها، بحكمها الدولة الاستعمارية السابقة للأقاليم الصحراوية، الماسكة بخيوط الملف والمطلعة على خباياه، والعارفة حق المعرفة بمجرياته منذ اللحظة الأولى من تواجدها بالمنطقة الجنوبية، وهو ما حمل فرنسا على دعم موقفها، لاعتبارها القوة الاستعمارية السابقة المحاذية لها خلال فترة استعمارها للجزانئر وتواجدها بموريتانيا، وتشترك معها في العديد من القضايا السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والتجارية في إطار علاقاتهما بالدول المغاربية والإفريقية.
ختاما: ما تؤشر عليه مبادرة المغرب في طرحه لمشروع الحكم الذاتي الذي بمقتضاه يؤسس لمؤسسة قائمة الذات تحت السيادة المغربية، تتمتع بصلاحيات واسعة في التسيير والتدبير، مع الحفاظ على رموز الدولة المغربية، بالموازاة مع ما يشتغل عليه المغرب في إطار الجهوية المتقدمة، كحل نهائي لملف نزاع الصحراء، هو كون مبادرة طرح المشروع المغربي بدأت تحصد النتائج المرجوة، وأنها طرح موثوق به لدى العديد من الدول والمنظمات، كحل أمثل لإنهاء الصراع الدائر على المناطق الجنوبية، ومن ثمة، تم عزل كل الأطروحات المنافية للواقعية السياسية، سواء من قبل جبهة البوليساريو أو من طرف الدولة الجزائرية الداعمة والحاضنة لها، مما ضيق الخناق على البوليساريو وتطويق ما تتمثله من أطروحات لحل النزاع، هذا وقد فشلت الدبلوماسية الجزائرية في دعمها لها على أكثر من صعيد، واندحارها في أكثر من جبهة دبلوماسية وسياسية، وتمت الإشادة بالأطروحة المغربية المسترشدة بالفلسفة الواقعية السياسية نحو بر آمان تطلعات كل طرف إلى السلام والأمن الإقليميين والدوليين، وما الموقف الإسباني الأخير إلا خير دليل على أن ملف نزاع الصحراء سيغير الكثير من المواقف لدى دول أخرى، لأنها مرجع أساسي في هذا الشأن الإقليمي، بحكم علاقاتها التاريخية والسياسية بالإشكاليات المطروحة على ساحة الأقاليم الصحراوية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube