أحمد رباص – حرة بريس

تقتل حالات الجفاف عددا أكبر من الأشخاص وتتسبب في نزوح المزيد من السكان بسبب الأعاصير والفيضانات والزلازل مجتمعة. ومع ذلك، فإن هذه الكوارث الطبيعية، الأقل إثارة، هي أقل شهرة. في سبعينيات القرن الماضي، تضاعفت المناطق المتضررة من الجفاف، وغالباً ما تكون النساء والأطفال وكبار السن هم من يدفعون الثمن الباهظ.
حتى الآن، تعترف 168 دولة (من أصل 197) بأنها متأثرة بالتصحر، المرادف لتدهور التربة في المناطق القاحلة، وتراجع إنتاج الغذاء ويتفاقم التصحر بسبب الجفاف.

تعريف الجفاف

وفقًا لتعريف علماء المناخ، نتحدث عن الجفاف عندما لا يكون هناك هطول للأمطار في منطقة ما لفترة طويلة من الزمن. لن يتم إعلان الجفاف بنفس الطريقة حسب كل بلد ومناخه ؛ مثلا: في فرنسا، نتحدث عن “الجفاف المطلق” عندما لا يكون هناك مطر لمدة 15 يوما متتاليا على الأقل. في الولايات المتحدة، إذا استقبلت منطقة كبيرة 30 ٪ فقط من الأمطار أو أقل من المعتاد لمدة 21 يوما على الأقل، يمكن أن نتحدث عن الجفاف. في أستراليا، عندما تتلقى قطعة من الأرض أقل من 10 ٪ من هطول الأمطار مقارنة بالمتوسط ​​السنوي، يتم الإعلان عنها في حالة جفاف. وفي الهند، من الضروري أن يكون معدل هطول الأمطار السنوي أقل بنسبة 75 ٪ من الأعراف الموسمية.
لا ينبغي الخلط بين الجفاف والقحولة. في الواقع، يمكن أن تعاني منطقة قاحلة من نوبات الجفاف. سيكون قلة الأمطار سمة دائمة لمناخ المنطقة الجافة. هذه بشكل عام مناطق يكون فيها المطر نادرا ودرجات الحرارة مرتفعة. لذلك سيكون الجفاف ظاهرة لمرة واحدة في منطقة ما.

الأنواع المختلفة للجفاف

هناك عدة أنواع من الجفاف: جفاف مناخي يقابله عجز مطول في هطول الأمطار؛ ثم هناك الجفاف الزراعي الذي يتميز بنقص مائي في التربة بحد أقصى لعمق 2 متر، مما يؤثر على نمو الغطاء النباتي. يتوقف هذا النوع من الجفاف على هطول الأمطار المتلقاة في المنطقة، فضلاً عن تبخر النباتات. لذلك يتأثر هذا الجفاف بالمناخ المحيط، أي الرطوبة، والتساقطات، ودرجة الحرارة المحيطة، والرياح، وكذلك التربة والنباتات.
وأخيرا، هناك الجفاف الهيدرولوجي الذي يتجلى عندما تظهر المجاري المائية (مناسيب المياه الجوفية أو البحيرات أو الأنهار) مستوى منخفضا بشكل غير طبيعي. سيكون هطول الأمطار عاملاً رئيسيا، ولكن أيضا نوع التربة التي تحتوي على المجاري المائية، اعتمادا على ما إذا كانت قابلة للنفاذ أم لا، ما يؤثر على التسلل وجريان المياه.

كيف تتم تعبئة الفرشة المائية

يتم ضمان إعادة تغذية المياه الجوفية من خلال هطول الأمطار في فصلي الشتاء والربيع، عموما من نوفمبر إلى أبريل.
عندما تكون النباتات نائمة، تتسرب الأمطار نحو طبقات المياه الجوفية. بمجرد استئناف الغطاء النباتي لنشاطها، تمتص جذور النباتات الأمطار المتسربة. في فصل الشتاء، يكون لعجز هطول الأمطار تأثير مباشر على التغذية”، تشرح فيولين بو، عالمة جيولوجيا المياه في مكتب الأبحاث الجيولوجية والمعدنية.

أسباب الجفاف

يعد نقص المياه السبب الرئيسي للجفاف. عندما لا يكون فصلا الشتاء أو الربيع ممطرين بدرجة كافية، لا تتوفر احتياطيات المياه (السطحية أو الجوفية) بشكل كافٍ. قلة المياه المصحوبة بارتفاع درجات الحرارة – في الصيف – ستزيد من ظاهرة الجفاف لأنه سيكون هناك المزيد من تبخر النبات وامتصاصه للماء الموجود في التربة ما يساهم في تجفيفها. لكي تكون في حالة جفاف، يجب أن يستمر نوع معين من الطقس. المنخفضات هي ظواهر مناخية (كتل هوائية باردة ورطبة مرتفعة) تولد هطول الأمطار. في حين أن الأعاصير (الكتل الهوائية المنخفضة) تمد الجو بالهواء الساخن والجاف، لذلك يمتنع هطول المطر. وبالتالي، لكي تكون في حالة جفاف ، يجب أن يكون الإعصار المضاد موجودا لفترة زمنية معينة. يعد نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة من الأسباب الطبيعية للجفاف.
ومع ذلك، تزيد الأنشطة البشرية من حدة الجفاف. بالفعل، يؤدي نقص المياه إلى حدوث عجز في الاحتياطيات وإذا تم استغلال هذه الاحتياطيات بشكل سيئ يكون الجفاف أكثر وضوحا.
تحتاج الزراعة والمصانع والمساكن إلى إمدادات كبيرة من المياه. فقط، وفي كثير من الأحيان يكون الاستهلاك مفرطًا.
بالإضافة إلى ذلك، لا تتكيف المحاصيل دائما مع التربة المحلية والظروف المناخية، بحيث تستنفد الموارد المائية مع الحاجة إلى ري كبير، كما يتضح من زراعة الذرة في بعض المناطق الفرنسية التي تعتبر جافة جدًا وبالتالي غير مناسبة. وهكذا، يجب وضع قيود على المياه حتى لا يؤدي الاستهلاك المفرط إلى مزيد من الانخفاض في مستوى منسوب المياه الجوفية والأنهار التي كانت تعاني بالفعل من نقص.

عواقب الجفاف الوخيمة

رغم أنه يمكن التنبؤ به، يعتبر الجفاف الكارثة الطبيعية الأكثر تكلفة والأكثر فتكا في عصرنا. قرار التخفيف من آثارها هو في نهاية المطاف مسألة تتوقف على إرادة السلطة السياسية.
في هذا الاتجاه، قال الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، لوك غناكادجا، إن الأمر متروك لحكومات جميع البلدان المعرضة لهذه الآفة تكييف إجراءاتها مع السياق الإقليمية، وسياسات الجفاف التي تركز على الإنذار المبكر والوقاية وتدبير المخاطر.
إلى ذلك، أضاف أن “تكلفة التدخلات اللاحقة أعلى بكثير من تكلفة تدبير المخاطر والتدابير الاستباقية. لذلك يجب علينا أن نتحرك دون انتظار موجات الجفاف القادمة ومواكب المجاعات والموت”.
تتمثل العواقب الرئيسية للجفاف في تلك التي تمس السكان وتؤثر على الأطفال وكبار السن بحكم هشاشة صحتهم وحساسية ضد الحرارة المرتفعة لأنهم لا يملكون رد الفعل أو الرغبة في الشرب لمحاربة الجفاف الذي يمكن أن يقتل.
كما تنعكس عواقب أخرى على الحياة البرية، إذ يؤثر نقص المياه على الأسماك التي تعيش في الماء، وكذلك الحيوانات التي تشرب من نقاط المياه. وفي الغابات تكون الأشجار مهددة بأن تموت واقفة بسبب الجفاف. بالإضافة إلى ذلك يؤدي الغطاء النباتي شديد الجفاف إلى اندلاع الحرائق.
ومن النتائج السلبية للجفاف على الزراعة، تأثر ري المحاصيل (مثل القمح في فرنسا) بالجفاف بسبب انخفاض احتياطيات المياه، وللجفاف تأثير مشؤوم على التربة التي تصبح في الخريف جافة، والتي وإن تعرضت للمياه، تكون عاجزة عن امتصاصها، ما يؤدي إلى حدوث فيضانات وانهيارات التربة.
كذلك للجفاف تأثير على احتياطيات مياه الشرب، إذ لا تتم أعمال الإمداد بالمياه والصرف بشكل صحيح، لأن مستوى الأنهار والجداول والمياه الجوفية منخفض للغاية. ويحدث تقنين المياه أو قطعها في بعض المناطق القروية. كما لا يفلت قطاع توليد الكهرباء من عواقب الجفاف، حيث يتم استخدام المياه لتبريد بعض محطات الطاقة النووية، لذلك يتم إغلاقها أثناء الجفاف وتصاعد موجات الحرارة المصحوبة بارتفاع الطلب على الكهرباء لتكييف الهواء ، وتشغيل المروحية والثلاجة التي تتطلب الكثير من الكهرباء.

هذه الآفة في المغرب

وصلت مُعدّلات العجز المائي في بعض مناطق المغرب لمعدلاتٍ عاليةٍ جداً أي بحدود 82 ــ97%، ولذلك ليس الغطاء النباتي وحده الذي تأثّر بنقص كميات الأمطار، فقد تسبب ذلك بنضوب الكثير من الآبار والعيون الجارية ممّا أدّى إلى تراجع معدلات المياة الجارية خاصةً في الأودية دائمة الجريان؛ حيث كانت هذه الأودية مليئةً بأشجار الفاكهة والمزروعات الأخرى ولكنّها أصبحت الآن جزءاً من تاريخ المنطقة؛ وهذا أدّى إلى هجر الفلاح لأرضه للبحث عن مصدر دخلٍ أكثر ثباتاً، مما تسبّب بظهور مشاكل اجتماعيةً في بعض أحياء المدن.
كان للجفاف والتناقص بكميات الأمطار أثرٌ كبيرٌ على تدهور الاقتصاد الوطني للمغرب خاصةً قطاع الزراعة مما أدى إلى ترك الكثير من الأراضي بوراً وأصبحت هذه الأراضي مهددةً بالتصحّر بصورةٍ أكبر، كما امتد تأثير الجفاف إلى تراجع المخرون المائي فأصبحت بعض المناطق بحاجةٍ إلى كمياتٍ كبيرةٍ من الماء مثل منطقة الكردان، ومنطقة سوسه، وأثّر قلة التساقط أيضاً على تراجع مخزون السدود المائية التى تروي الأراضي المجاورة لها بحدودٍ تقع بين 25% ــ 45% كما تأثرت بظروف الجفاف مياه الشرب فأصبح التوزيع لها بالحصص. توجد آثارٌ غير مباشرةٍ للجفاف وهي ارتفاع معدّل البطالة بين الشباب، فكما هو معروف فإنّ العمليات الاقتصادية مترابطة مع بعضها على شكل سلسلةٍ فارتفاع معدل البطالة يقلّل من القوّة الشرائية وهذا ينعكس على إنتاجية المصانع فيكون تسريح بعض العمال جزءاً من الحلول لوقف خسارتها وهكذا فإنّ الأمور تتفاقم بشكلٍ سريعٍ، لهذه الأسباب سارعت الحكومة المغربيّة بوضع الدّراسات والخُطط لمواجهة خطر الجفاف.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube