شخصياتمستجدات

نور الدين الصايل في حوار مع مجلة تيل كيل : “هكذا حاربت الدولة المغربية الفلسفة.”

نور الدين الصايل في حوار مع مجلة تيل كيل : “هكذا حاربت الدولة المغربية الفلسفة.” (1)

ترجمة يوسف اسحيردة

نور دين الصايل، المفتش السابق لمادة الفلسفة، عايش عن قرب الكيفية التي قام بها النظام المغربي بإفراغ هذا العلم الإنساني لصالح الفكر الإسلامي لوحده. وهي الهيمنة التي فتحت الباب جزئيا أمام أسلمة المجتمع.

  • تيل كيل : كيف كان يتم تدريس الفلسفة في سنوات السبعينات؟
  • نور الدين الصايل : قمت بتدريس الفلسفة منذ سنة 1969 حتى سنة 1976، وهو التاريخ الذي عُيِّنتُ فيه مفتشا للمادة قبل أن يتم ترسمي في المنصب سنة 1979. كُنَّا بحق، نحن أساتذة الفلسفة، في سنوات السبعينات، مُعبئين ومتحمسين لمهنتنا. أَسَّسْتُ بداية من سنة 1969، بصحبة زملاء من أمثال العربي إيباقيل وحسن بنعدي وقاسم بينوا ومحمد بوغالي وآخرين ، الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة (AMEP)، وبمجرد تعييني مفتشا، أنشأت في الوزارة، داخل قسم البرامج ( والذي كان يشرف عليه في ذلك الوقت عبد العزيز أمين، وهو مؤرخ بارز)، اللجنة الوطنية لبرامج الفلسفة حيث قمت بجلب أربعة من خيرة الأساتذة الأكفاء، نعيمة الشرقاوي وأحمد المتمسك ومحمد العيادي وأحمد السباعي. كانت طموحات هذه اللجنة كبيرة بخصوص تدريس الفلسفة في المغرب وأساس هذه الطموحات، والذي كان شعاري في تلك الفترة، هو ممارسة الفلسفة من خلال النصوص.

ضمن هذا السياق إذن قُمنا بإعادة وضع البرامج، وتحرير جذاذات لكل موضوع، وخاصة اختيار وغالبا ترجمة النصوص الأساسية للفلسفة. باختصار، كان حضور الأستاذ من أجل تأهيل وفتح أبواب وتحديد مفاهيم انطلاقا من نصوص لديكارت وابن رشد وأفلاطون ونيتشه و…وذلك من خلال السماح للتلاميذ بمخالطة هؤلاء الفلاسفة. علاوة على ذلك، كان لهذا البرنامج هدف آخر. كُنَّا نعتقد أن من حق التلاميذ الحصول على أحسن تدريس ممكن، سواء كانوا يقطنون في الدار البيضاء أو تزنيت أو الخميسات أو…مع الأسف تم تسييس الأمر بسرعة وبدأت تُوجه إلينا نعوت من ضمنها أننا ماركسيون ولينينيون وأعداء للدين و..إلخ. يجب القول أن الفلسفة دائما ما واجهت الأنظمة المحافظة القائمة، وبالخصوص تلك التي “تستخدم” الدين بشكل شعبوي للغاية.

  • تيل كيل : هل هذا هو السبب الذي دفع بعز الدين العراقي، وزير التعليم في تلك الفترة، إلى التراجع خطاوت إلى الوراء سنة 1983 من خلال “استبدال” الفلسفة بالفكر الإسلامي؟
  • نور الدين الصايل : سنة 1983، شرع الوزير العراقي، الذي كان يتباهى بمعارفه الفلسفية والإسلامية، في التشديد على ضرورة اعتبار الفلسفة جزءا من الفكر الإسلامي. في البرنامج الذي وضعناه، الفكر العربي-الإسلامي الذي كنا نُدَرِّسُه، كان جزءا من البرنامج ومن الفكر الفلسفي العام. كُنَّا نُدَرِّسُ فصل المقال لابن رشد، كما كُنّا نُدَرِّسُ الفرابي أو الكندي، وكل الفكر الفلسفي الكلاسيكي للحضارة العربية-الإسلامية. ولكن إذا كُنَّا نُصِرُّ أن يفرض التوجه الإبستمولوجي لبرنامجنا نفسه في ممارسة تدريس الفلسفة عن طريق النصوص، فهذا من أجل التأكيد على مسألة أن الممارسة الفلسفية هي شأن معرفي، كما هي شأن تطبيقي (une praxis) أيضا. هذه الجدلية هي التي لم ترق للوزير و “مستشاريه”.

بالنسبة لنا، اختيارنا كان يملك مضمونا إنسانيا قويا بامتياز. هكذا، وفي أحد الأيام حلت بالمغرب بعثة تفتيش، مُكونة من أربعة أساتذة مصريين، اثنان منهم يمثلان الأزهر. قاموا بتقديمهم لنا قائلين: ” هؤلاء الأشخاص سيُرافقونكم”. الأمر الذي لم نرفضه. لم يكونوا “أشرار” بالنسبة لنا، لكن سرعان ما اكتشفنا أنهم لا يحيطون سوى بمجال ضيق للفكر الفلسفي. هؤلاء المفتشين الأربعة كانوا لُطفاء مع ذلك. أما بالنسبة لعناصر الأزهر، فقد كانوا ينتمون إلى قاعدة إبستيمية مُغايرة، كما كان يقول ميشال فوكو. لم يكن بمقدورنا التواصل. بعد انقضاء بضع أشهر، أعتقد أنهم قدموا تقريرا تقييميا للوزير. حتى أننا لم نُحَط علما بهذا التقرير، الأمر الذي لم يكن لطيفا جدا من طرف وزارتنا.

  • تيل كيل : ماذا كان يقول هذا التقرير في المجمل؟
  • نور الدين الصايل : كان يقول أنه في المغرب، لا يتم تدريس الفلسفة بالطريقة الجيدة. وددت لو أننا أجرينا نقاشا حول هذه “الطريقة الجيدة” سواء مع الوزارة أو مع هذه اللجنة التفتيشية. لكن بدل النقاش، تم استدعاءنا، اللجنة وأنا، إلى اجتماع قام فيه الوزير بإلقاء خطاب مُطول حول مستقبل تدريس الفلسفة، قبل أن يخبرنا أنه ابتداء من الدخول المدرسي لشهر أكتوبر، هذه الطريقة ستفسح المجال للفكر الإسلامي، معتبرا أن هذا الأخير يشمل الفلسفة. فهمنا المقصود، وابتداء من اليوم الموالي وجدنا أنفسنا بدون عمل.

دون استخدام كلمات رنانة، كانت تلك هزيمة نكراء للتفكير. وقد لاحظنا ما الذي حصل بعد ذلك: حرمان الناس من هذه اللحظة الوحيدة، رغم قصرها، حيث تحدث مُخالطة كبار المفكرين. إحداث لقاء بين تلميذ في قسم الفلسفة بمنطقة بعيدة ونص جميل لكلود ليفي ستروس، بالنسبة لي هو أمر فريد. إنها لحظة فريدة لا يمكن أن تحدث ما لم نقم بتنظيمها. من يدري، ربما من بين هؤلاء التلاميذ المنحدرين من مدينة صغيرة في المغرب يُحالفنا الحظ ونشهد ظهور أنثروبولوجي كبير بفضل نص تم اكتشافه داخل الفصل الدراسي. عوض هذا، تم اختزال الفلسفة في الفكر الإسلامي وجعل الأساتذة ضَيِّقِي الأفق.

  • تيل كيل : هل كانت السلطة خائفة إلى هذه الدرجة؟
  • نور الدين الصايل : الفكر الحنبلي شيئا ما، والذي شرع في الظهور داخل وزارة التعليم وفي أوساط مختلف المثقفين المتأسلمين، أصبح قويا شيئا فشيئا في بداية الثمانينات. برامج الفلسفة لم تكن سوى ذريعة من أجل تصفية حسابات أعمق بكثير. في الحقيقة، التفكير العقلاني هو من كان مستهدفا. لهذا السبب كان ولوج الشعبوية الدينية إلى برامج الفكر المُسمى إسلاميا، ضِمنيا في مرحلة أولى وصريحا في ما بعد. وزارة التعليم لم تكن تملك سوى الإذعان.
  • تيل كيل : الفكرة المنتشرة بشكل واسع تقول أن قتل تدريس الفلسفة تم بتنسيق الحسن الثاني..
  • نور الدين الصايل : لا أظن أن قائد الدولة كان له انشغال وحيد هو معرفة ما إذا كان تدريس الفلسفة في المغرب ذا توجه ابتسمولوجي أو تاريخي أو فقط أيديولوجي. في الوزارة، بالتحديد داخل لجنة الفلسفة، كُنا نعي جيدا أننا مجرد موظفين عند الدولة، مُدرسين قبل كل شيء وكُنا نتصرف انطلاقا من موقعنا هذا. لم نكن مجانين، خاصة في فترة كان خلالها بمقدور وزارة الداخلية اتخاذ قرارات تأديبية دون الرجوع إلى أي أحد. وبالتالي، فقد كُنَّا نعلم، ولو من باب الواقعية، أن التدريس، وخاصة تدريس الفلسفة، يجب استعماله بحذر.

من الضروري أن يَتَعَرَّفَ التلميذ على نص لسبينوزا، لكن من الضروري أيضا مَدُّهُ بكل العناصر التي تعينه على فهمه. لم تكن مهمتنا هي تحويل التلاميذ إلى أتباع لسبنوزا، بقدر ما كانت إخبارهم أن هذا التفكير قد وُجد بجانب، وأحيانا ضد، أنواع أخرى من التفكير. وقُل نفس الشيء عن برجسون مثلا. لم نكن نمارس التبشير، بل الإرشاد الفلسفي المستنير. وأعتقد أن الحسن الثاني، الذي كان نتاجا مميزا للمدرسة الغربية، لم يكن غافلا عن هذا البعد. لكن يبدو أن مجموعات الضغط واللوبي الأيديولوجي يتجاوزون أحيانا السلطة العقلانية والسياسية للدولة.

  • تيل كيل : باعتبار أن الطبيعة تخشى الفراغ، فقد استغل الإسلام السياسي الفرصة وملأ الثغرة. مُحاربة الفلسفة وترك الساحة خالية أمام الإسلام السياسي، يُغذي الأطروحة التي مفادها أن كل شيء تم بتنسيق النظام.
  • نور الدين الصايل : عندما يقوم المرء بتحليل التوجه العام لتدريس الفلسفة في المغرب، يجد أن الواقع يؤكد ما تقولون. تعرفون جيد أننا لا نُعالج حُمَّةَ بتكسير ميزان قياس درجة الحرارة . كل المغاربة الذين تابعوا دراسة الفلسفة منذ سنوات الأربعينات و الخمسينات والستينات والذين شغلوا في أغلب الأحيان مناصب عليا داخل الدولة طيلة عقود من الزمن، تأقلموا بشكل مثالي مع الحداثة وخصوصية بلدهم. وقد شكلوا عناصر ضرورية أفاد منها المغرب في تطوره. وبالتالي فقد قاموا باستيعاب التدريس الذي تلقوه في الفلسفة دون أن يخرجوا مُسلحين إلى الشارع مطالبين برأس النظام.

كيف يمكن تفسير ذلك؟ بتكسيرك لميزان قياس درجة الحرارة، تقوم بفتح الطريق أمام مغامرات بيداغوجية خطيرة. وعندما تتفطن لخطئك، تكون الفأس قد وقعت في الرأس. أتساءل ما إذا كُنَّا نُواصل دفع ثمن قرار 1983 المعادي للفلسفة.

(1) مجلة تيل كيل، العدد رقم 820، الصفحات 38، 39، 40 و41 (2018)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube