محمد الشرقاوي

تخيب آمال الفيلسوف يورغن هابرماس بأنّ من شأن حيوية النقاش في المجال العام أن تثري الحرية وتمهد للتفكير الديمقراطي. وقد ارتبط الحديث عبر وسائل الإعلام، من الناحية المعيارية، بالتحلّي بالمسؤولية المجتمعية والشفافية بين موضوعية الموضوع وذاتية المتحدث أو الكاتب. لكن هذه الشفافية المفترضة تغيب عندما يصبح الحديث إلى الرأي العام وسيلة علاقات عامة لتحقيق مآرب شخصية ضمنيا، ناهيك عن أجندة سياسية انتهازية، لدى بعض الأصوات الصاخبة على الشاشة.

قبل أيام قليلة، كنت ضيفا على إحدى القنوات الدولية بعد أن أخبرني مخرج البرنامج أن الضيف الآخر سيكون فلانا، وهو أكاديمي ومثقف جمعتنا لقاءات سابقة، ونبدي لبعضنا البعض احتراما متبادلا وإنْ تباينت وجهات نظرنا في بعض المواقف السياسية مثل الجدال المفتوح منذ عام تقريبا حول جدوى التطبيع مع إسرائيل وما تبقى من اعتراف الرئيس ترمب بمغربية الصحراء ووعده بتشييد قنصلية أمريكية في الداخلة.

لكن عندما بدأت المذيعة تقدم الموضوع حول تداعيات التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل وضيفي الحلقة، ظهر شخص على الطرف الآخر من الشاشة بلقب “خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية”، وأنا لا أستسيغ عادة هذه الألقاب الفضفاضة ومنها “خبير” و “محلل” لعدم تحديد العلاقة الحقيقية بين المتحدث والموضوع. لكن لا أجرّد هذا الضيف أو غيره من الحق في التعبير عن آرائه وقناعاته الذاتية، ولا من التعبير عن مخزنينه كما يشاء. لكن أقول إنه كان من المفروض ذكر حقيقة اللقب “موظف في وزارة الداخلية”.

باختصار، لا أقبل من مثل هؤلاء الضيوف لغة التشهير أو تلفيق تهم معينة ضدي من أجل تمرير رسالة استرضاء لجهات أمنية أو وزير الداخلية بعينه، خاصة عندما يكون الشخص “قايد” من أعوان السلطة، وقد أثار على نفسه نقمة مديرية الولاة في الوزارة. وتبين أيضا أنه يسعى جاهدا ليكون ضمن الذراع الإعلامية الرسمية للترويج لمذكرة التفاهم والتعاون العسكري والاستخباراتي بين إسرائيل والمغرب ضمن جوقة الحماسيين الداعين إلى أن التقرّب من إسرائيل أفضل من استعادة منطق الحكمة، كما أدعو لذلك، من أجل البحث عن حلول عملية للخلاف بين المغرب الجزائر وإنهاء القطيعة بينهما، والتأمل مجددا في الجوار السرمدي الأزلي بحمرة الأرض وزرقة البحر وصفاء السماء المشتركة، وإن انتفخت بعض الأنفة السياسية مرحليا في الجزائر والرباط.

لا يرضيني صراحة أن أصبح أنا والقناة التلفزيونية أيضا، من حيث لا ندري، مطية يركبها أشخاص وصوليون يحاولون التقرّب زلفى واسترضاء المسؤولين في وزارة الداخلية. ولا يزيدني رضى على النفس أن أغدو أنا موضوعا، بدل الموضوع الذي اختارته القناة، لمن يود ترميم علاقته مع المخزن، أو يعبّئ نفسه وطاقته العاطفية، في غياب زاد فكري عقلاني، لتجنيد نفسه ضمن الموالين لتيار التطبيع والهرولة إلى الادعاء بأن ودّ إسرائيل واللوبي اليهودي سيفتح الأبواب ويغير كفتي الميزان في واشنطن أو في مجلس الأمن في نيويورك.

ينبغي أن يظل النقاش حول أسئلة المرحلة وما يجنيه المغرب وما يخسره حقيقة من غزل إسرائيل واستبقاء وعود ترمب، وألا تغدو محاولات الشيطنة والتخوين والاغتيال المعنوي لمحمد الشرقاوي أو غيره من دعاة السؤال المستقل هدفا في حد ذاته. هناك فرق شاسع بين جدل الأفكار وضرب الحجة بالحجة، والتشهير بالأشخاص أو استهداف الذمم. فسلاح الضعيف هو شخصنة الأمور وتعويض الفشل في الطرح النقدي بترديد تهم ومغالطات أصبحت مستنسخة ومتداولة بين مجموعة من الناقمين على التفكير النقدي. وأعتذر للمشاهدين على سوء تقدير مني في قبول فكرة المشاركة في البرنامج في ظل هذه المفاجئة

عندما يصبح أسلوب “المشاكسات والتشهير” في المقابلات التلفزيونية تزّلفا للدوائر الأمنية!
تخيب آمال الفيلسوف يورغن هابرماس بأنّ من شأن حيوية النقاش في المجال العام أن تثري الحرية وتمهد للتفكير الديمقراطي. وقد ارتبط الحديث عبر وسائل الإعلام، من الناحية المعيارية، بالتحلّي بالمسؤولية المجتمعية والشفافية بين موضوعية الموضوع وذاتية المتحدث أو الكاتب. لكن هذه الشفافية المفترضة تغيب عندما يصبح الحديث إلى الرأي العام وسيلة علاقات عامة لتحقيق مآرب شخصية ضمنيا، ناهيك عن أجندة سياسية انتهازية، لدى بعض الأصوات الصاخبة على الشاشة.

قبل أيام قليلة، كنت ضيفا على إحدى القنوات الدولية بعد أن أخبرني مخرج البرنامج أن الضيف الآخر سيكون فلانا، وهو أكاديمي ومثقف جمعتنا لقاءات سابقة، ونبدي لبعضنا البعض احتراما متبادلا وإنْ تباينت وجهات نظرنا في بعض المواقف السياسية مثل الجدال المفتوح منذ عام تقريبا حول جدوى التطبيع مع إسرائيل وما تبقى من اعتراف الرئيس ترمب بمغربية الصحراء ووعده بتشييد قنصلية أمريكية في الداخلة.

لكن عندما بدأت المذيعة تقدم الموضوع حول تداعيات التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل وضيفي الحلقة، ظهر شخص على الطرف الآخر من الشاشة بلقب “خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية”، وأنا لا أستسيغ عادة هذه الألقاب الفضفاضة ومنها “خبير” و “محلل” لعدم تحديد العلاقة الحقيقية بين المتحدث والموضوع. لكن لا أجرّد هذا الضيف أو غيره من الحق في التعبير عن آرائه وقناعاته الذاتية، ولا من التعبير عن مخزنينه كما يشاء. لكن أقول إنه كان من المفروض ذكر حقيقة اللقب “موظف في وزارة الداخلية”.

باختصار، لا أقبل من مثل هؤلاء الضيوف لغة التشهير أو تلفيق تهم معينة ضدي من أجل تمرير رسالة استرضاء إلى جهات أمنية أو وزير الداخلية بعينه، خاصة عندما يكون الشخص “قايد” من أعوان السلطة، وقد أثار على نفسه نقمة مديرية الولاة في الوزارة. وتبين أيضا أنه يسعى جاهدا ليكون ضمن الذراع الإعلامية الرسمية للترويج لمذكرة التفاهم والتعاون العسكري والاستخباراتي بين إسرائيل والمغرب ضمن جوقة الحماسيين الداعين إلى أن التقرّب من إسرائيل أفضل من استعادة منطق الحكمة، كما أدعو لذلك، من أجل البحث عن حلول عملية للخلاف بين المغرب الجزائر وإنهاء القطيعة بينهما، والتأمل مجددا في الجوار السرمدي الأزلي بحمرة الأرض وزرقة البحر وصفاء السماء المشتركة، وإن انتفخت بعض الأنفة السياسية مرحليا في الجزائر والرباط.

لا يرضيني صراحة أن أصبح أنا والقناة التلفزيونية أيضا، من حيث لا ندري، مطية يركبها أشخاص وصوليون يحاولون التقرّب زلفى واسترضاء المسؤولين في وزارة الداخلية. ولا يزيدني رضا على النفس أن أغدو أنا موضوعا، بدل الموضوع الذي اختارته القناة، لمن يود ترميم علاقته مع المخزن، أو يعبّأ نفسه وطاقته العاطفية، في غياب زاد فكري عقلاني، لتجنيد نفسه ضمن الموالين لتيار التطبيع والهرولة إلى الادعاء بأن ودّ إسرائيل واللوبي اليهودي سيفتح الأبواب ويغير كفتي الميزان في واشنطن أو في مجلس الأمن في نيويورك.

ينبغي أن يظل النقاش حول أسئلة المرحلة وما يجنيه المغرب وما يخسره حقيقة من غزل إسرائيل واستبقاء وعود ترمب، وألا تغدو محاولات الشيطنة والتخوين والاغتيال المعنوي لمحمد الشرقاوي أو غيره من دعاة السؤال المستقل هدفا في حد ذاته. هناك فرق شاسع بين جدل الأفكار وضرب الحجة بالحجة، والتشهير بالأشخاص أو استهداف الذمم. فسلاح الضعيف هو شخصنة الأمور وتعويض الفشل في الطرح النقدي بترديد تهم ومغالطات أصبحت مستنسخة ومتداولة بين مجموعة من الناقمين على التفكير النقدي. وأعتذر للمشاهدين على سوء تقدير مني في قبول فكرة المشاركة في البرنامج في ظل هذه المفاجأة غير المرتقبة.

المرتقبة.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube