أحمد رباص – حرة بريس

يواصل الأستاذ محمد الطوزي الحديث عن هذا الموضوع في مقاله الذي يوجد بين أيدينا الآن بتناول إعادة انتشار الديني في المغرب وذكر استخدامات وخطابات الإسلام الرسمي.
في هذا الإطار، أشار الأستاذ في الجامعة الدولية بالرباط إلى الخيار السياسي الحالي المتمثل في تأسيس مشروع “قومنة”، أو قل تأصيل الإسلام المغربي على أساس المذهب المالكي من أجل حمايته من الموجة السلفية الدولية المتصاعدة لم يولد من فراغ. إنه يستمد قوته من ارتكازه على تاريخ إنتاج الأيديولوجية الدينية من قبل سلاطين المغرب المختلفين، على تدين مهجن محدد، تم إعداده في بلدات مختلفة أبرز علماء أنثروبولوجيون مشاهير خصوصياتها.
ومع ذلك، ربما ينبغي توضيح أن تكييف المذهب المالكي مع الطلب الاجتماعي والسياسي مدين أكثر لمبادئ الاستدلال الشرعي (القياس) والاستحسان (اختيار الحل الأنسب) والمصلحة (البحث عن المصلحة العامة للجماعة) ولعلاقات القوة السياسية أكثر من أي فضيلة اخرى.
عند هذه النقطة، افترض الأستاذ الباحث أن الفقهاء المالكيين مالوا نحو المحافظة التي من شأنها أن تثبط أي ابتكار وأي ميل للتقدم.
لأسباب سياسية، اختار النظام الملكي، منذ الاستقلال، الاعتماد على القوى الاجتماعية والثقافية المحافظة (العالم القروي، العلماء التقليدانيون) وعلى المفهوم “الأصولي” للدين.
هنا، يقر الكاتب بأن هناك العديد من الطرق لإدخال البعد المعياري للدين الإسلامي في النظام المؤسسي للمملكة المغربية. من بين هذه الطرق، يذكر الأستاذ الطوزي مجموع الأحكام الشرعية والممارسة السياسية التي تشير إلى الإسلام كأسلوب لإضفاء الشرعية.
ويلاحظ مؤلف “الملكية والإسلام السياسي في المغرب” ان لهذه النزعة المحافظة مع ذلك يعود الفضل في الحفاظ على تعددية معينة من خلال القبول بتفسير محلي قريب من الانتظارات الاجتماعية يتطلب الاستقالة أكثر من الاختيار السياسي.
في هذا المقام، يشير الكاتب إلى ان إدراج تدبير الدين في الأجندة السياسية يعود إلى أوائل الثمانينيات، ويتعلق بشكل أساسي بثلاثة مجالات: تحديد دور ووظيفة العلماء، تدبير وتأطير المساجد والإشراف عليها، وتكوين مهندسي العقيدة .
وعن العهد الجديد (المعلن عنه منذ 1999)، يقول الباحث إنه كرس سياسته الدينية في استمرار للحكم السابق. منذ تنصيبه على العرش، أعطى محمد السادس الانطلاقة لهذه المقاربة بالذهاب للتملي في اضرحة بعض الأولياء الصالحين الذين يُعتبرون نموذجيين: مولاي إدريس بزرهون وابنه المدفونين في فاس، باعتبارهما مؤسسين للأمة المغربية. توحي هذه الإيماءة الرمزية بقراءة تقليدية لمحتوى وملامح التدين المغربي، كما تشير إلى نوع من تفوق طائفة الشرفاء (المنتمية إلى سلالة النبي) التي تعتبر خصوصية إيجابية.
في غضون تسع سنوات، ألقى محمد السادس عدة خطابات ذات محتوى ديني. تندرج الخطابات الأولى في إطار استمرارية تدبير راسخ وموروث للديني. من أجل مزيد من التوضيح لتأكيده، يأتي الباحث على ذكر مثالين هما الخطاب الموجه إلى التيجانيين المجتمعين في داكار، والذي أكد فيه الملك تمسك المملكة بالصوفية، والخطاب الموجه إلى العلماء والمجالس الجهوية لعلماء المملكة في تطوان، بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى (15 ديسمبر 2000).
يلاحظ الأستاذ الطوزي أن هذا الخطاب، الذي يشكل امتدادا للخيارات التي تبناها النظام الجديد بهدف المصالحة الصعبة بين الإسلام والديمقراطية، لم يكن استثناء مما هو معتاد. لقد تم تعزيزه بشكل أكبر من خلال خطاب ألقاه الملك محمد السادس عام 2008 دعا فيه العلماء إلى الالتزام بميثاق يثبت ولاءهم ويحدد محتوى الإسلام المعتدل الذي تمت دعوتهم للدفاع عنه والترويج له.
وفي فقرة موالية، يسجل الكاتب ان منعطف 11 سبتمبر وخاصة هجمات الدار البيضاء ومدريد حول الدين من فضاء الشرعية إلى فضاء الأمن. الأول كان يهم المغرب فقط، بينما الثاني جزء من التوازن الإقليمي أو حتى العالمي.
هذا الوضع الجديد جعل السياسة الدينية الطوعية إلزامية، وظلت الرافعات كما هي، لكن الخيارات أصبحت أكثر حدة. من الآن فصاعدا، أظهر المغرب، من خلال ملكه، خصوصيته واستعاد استقلاله الديني من خلال تأكيد ارتباطه بالمذهب المالكي في منظور الابتعاد عن المذهب الحنبلي، وهو أكثر صرامة وقربا من الوهابية.
إن استعادة المالكية في مكان ما يخفي الجانب الصارم والمتزمت للمذهب، خاصة عندما يقترن بالأشعرية المتأخرة، ويسلط الضوء على التاريخ الخاص للمذهب المالكي التاريخي في المغرب وقدرته على الاستجابة لمطلب ديني مطبوع بالبراغماتية و باحد أشكال الانتهازية الأمازيغية الدنيوية.
يواجه مهندسو السياسة الدينية معضلة: كيف يستعيدون مذهبا اشعريا قريبا من التطور الحنبلي ولكن ضروريا لإبراز خصوصية الإسلام المغربي وجعله قادرا على حماية نفسه ضد الإسلام الشرقي وخاصة ضد الإسلام الشيعي، دون التخلي في نفس الوقت عن المذهب المالكي التاريخي الذي أضفي عليه الطابع الأمازيغي؟
بالنسبة للكاتب، الحل ليس واضحا حتى لو كان الخطاب واضحا: اختيار مذهب ديني ينطلق تأويله من معيش المجتمع المغربي ويفضل مقاصد الشريعة الإسلامية على مصادر الشرع الإسلامي (الأصول) والعادات المحلية (العمل) على عقيدة الشريعة الإسلامية (الفقه)، كان يُنظر إليه دائمًا على أنه أسوأ وضع يخفي نوعا من الانتهازية المخزية التي يميل رجال الدين إلى احتقارها.
وعلى افتراض أن العقليات تتطور تحت الضغط السياسي، فإن القدرات التي يقدمها مهندسو العقيدة تظل أقل من الطلب، من حيث النوع والكم. وطالما تتوقف عليها أيضا صعوبات تغيير قانون الأحوال الشخصية، فقد كان من الضروري المرور بقرار سياسي يحمل علماء أصول الشريعة على متابعة الإصلاح، في ارتباك وبتقنية متواضعة، ويسمح لهم بإصدار “مدونة جديدة” للأسرة.
(يتبع)

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube