أحمد رباص – حرة بريس

عزيز الحدادي فيلسوف مغربي يمشي في أثر فلاسفة عرب مشوا هم قبله في أثر أفلاطون وأرسطو. لهذا نجده شديد التعلق بلغة الأوائل لا يمل من ترديد تصوراتهم التي صاغوها إبداعا أو استعارة في سائر تصنيفات النسق الفلسفي كما شاده فلاسفة اليونان القدامى؛ ونعني بها نظرية المعرفة والأنطلوجيا والأخلاق كمجال عملي يؤسس للسياسة المفضية لخير المدينة الفاضلة.
من اجتهادات فيلسوفنا على ضوء ما تعلمه من الفارابي وابن باجة وابن رشد وآخرين حديثه عن “الإنسان والعدمية في حضرة الفلسفة”. فبأي معنى يفهم عزيز حدادي الإنسان؟ وما العدمية؟ وهل هي فعلا عدوة الفلسفة؟ وما مضارها ومساوئها التي تنيخ بكلكلها على الكثرة الكاثرة من البشر وتطوح بهم بعيدا عن دائرة الإنسان؟
من مواصفات الإنسان، وفق المتن الفلسفي لعزيز الحدادي، محبة الحكمة في أفق حيازتها، للدخول بها كفطرة فائقة إلى مدينة المتوحد التي بشر بها ابن باجة. وحتى تكون إقامته هنا ممتعة عليه أن يتزود بالحوار كقيمة لتبادل الأفكار وفحصها رفقة أهل الفكر من جميع جوانبها للتأكد من صلاحها أو فسادها، من صدقها أو كذبها.
لكن ثمة أسئلة أخرى يطرحها عزيز الحدادي كعربون عن انهجاسه بماهية الإنسان المتطلع إلى أن تكون فطرته فائقة. من هذه الأسئلة، أسوق ما يلي:
لكن ما الذي يمكن قوله عن هذا الإنسان الفائق الفطرة؟ وما علاقته بآراء أهل المدينة الفاضلة؟ وبعبارة أخرى، كيف يستطيع الإنسان أن يكون إنسانا، هل عندما يتحرر من العبودية؟ أم بمجرد ما يسلك الفطرة الفائقة؛ أي العقل؟
سعيا منه لتسطير إجابة ممكنة، يحيلنا مؤلف “العالم العربي في ضيافة العدمية” على نص مقتطف من “جمهورية” افلاطون: «فلنفرض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء، وأرغمناه على أن ينهض فجأة ويدير رأسه، ويسير رافعا عينيه نحو النور، عندئذ تكون كل حركة من هذه الحركات مؤلمة له، وسوف ينبهر إلى حد يعجز عن رؤية الأشياء التي كان يرى ظلالها من قبل، فما الذي تظنه سيقول: إذا أنبأه أحد بأن ما كان يراه من قبل وهم باطل، وأن رؤيته الآن أدق، لأنه أقرب إلى الحقيقة».
يمكن ترجمة صورة الكهف الأفلاطوني إلى ألف كلمة وكلمة تقول لنا ما هي العدمية وما هي سلبياتها المنعكسة على البشر. لهذا، كان من اللازم على فيلسوفنا أن يتوقف عند هذه الصورة المأساوية، التي تقدم العبيد كمتعودين على أن يلفهم ظلام الحفرة التي هم سجناؤها، ولذلك يستعصي على الفيلسوف تحريرهم وإن استنفر كل ما اكتسبه من معارف وأتقنه من مهارات الخطابة القمينة بالإقناع، وكأنهم الذين قصدهم أبو القاسم الشابي عندما قال:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
ولكن، هل اسطورة الكهف من الإبداع الأصيل لأفلاطون أم هي استعارة جادت بها العبقرية اليونانية التي تفتقت علما وفنا وتاريخا؟ قد نميل إلى تأييد الشق الثاني من هذا السؤال ما دام أن سقراط تساءل: ما ذا لو أرغمنا أحدهم على الخروج من الكهف ورؤية الشمس؟ لا شيء يثبت ان الاستعارة إياها من إبداع سقراط، الشيء الذي يؤكد أنها من مأثورات اليونان الخالدة.
لنعد إلى سؤال سقراط لنرى بماذا يتعين الجواب عليه وفق ما كتبه أفلاطون في كتاب الجمهورية من كون سقراط قصد بالشمس الحقيقة الساطعة المفارقةللزائف، والتي هي مأوى الفلسفة، باعتبارها جماع الآراء الفاضلة والأفكار العلمية. وهذا وحده كفيل بجعلها معشوقة لذاتها، وأعز ما يطلب، ولا أمل ولا خير في كائن بشري لم يخامره الشوق لمعرفة الحقيقة التي بملامستها فقط يتحقق شرطه الإنساني.
بعيدا عن زوابع العدمية التي تجرد البشر من إنسانيتهم، يهتم العقل “بتجربته في الوجود، ليس بالمحسوس فقط، لكن بالمجرد الذي يتجه نحو المطلق”، كما قال عزيز الحدادي في مقال له بعنوان “الإنسان والوجود في حضرة الفلسفة”، منشور في ربيع هذه السنة بجريدة “القدس العربي” الإلكترونية.
ويقول عزيز الحدادي في نفس المقال: “الفرد يتعلم ما الذي تعنيه هذه التجربة، وكيف يمكن أن ينمو ويتطور إلى أن يقع في أحضان العقل، وهذه غاية الغايات، وليس عبثا أن تعرّف الميتافيزيقا الإنسان بأنه حيوان عاقل، لأن تجريده من هذه الماهية يعني تجريده من الإنسانية، والفلسفة ستظل باستمرار هي ذلك الشاهد الذي لا شاهد له.”
وهكذا سيطهر ذاته من العدمية، ويسبح في مباهج الوجود.
لكن المؤسف أن “العقل لم يعد يحكم التاريخ، بل يتحرك في هوامشه، ولعل هذه الفكرة مثل جثة هامدة تظل في حالتها البدائية، والجديد فيها ليس سوى تكرار للصيغة نفسها، التي تحرم الفكر من تأسيس ذاته على العقل والنقد.”
يفطن مؤلف “أزمة الفكر العربي وأسئلة الميتافيزيقا” إلى أن هذا الرأي يظهر في تناقض مع النزعة العدمية التي انتصر لها في زمننا هذا الفقهاء و”بعض المدرسين النمطيين” الذين عملوا على شيوعها بين الناس إلى أن صار “العقل مجرد جنون” والحقيقة طريقا إلى الإلحاد، وتم استبعاد العقل عن حكم التاريخ، والزج به مجمدا في هوامشه.
يعترف عزيز الحدادي بكون هذا التوصيف قديما، مفترضا أن الفكرة التي ينطوي عليها شبيهة ب”جثة هامدة” حافظت على “حالتها البدائية”، إنما “الجديد فيها ليس سوى تكرار للصيغة نفسها، التي تحرم الفكر من تأسيس ذاته على العقل والنقد”.
وفي موضع موال من مقاله سالف الذكر، يشير الكاتب الفيلسوف إلى أن “الزمن العربي هو أشبه بالليل الذي تكون فيه كل الأبصار سوداء، لا يترك مجالا للفكر والاختلاف، وربما تحولت هذه النعمة الرتيبة إلى عائق أبستيمولوجي يمكن تسميته بـ”الكل في واحد”.
من ذلك يخلص فيلسوفنا العزيز (بالمعنى الشرس وليس العاطفي) إلى أن خدمة الأمير والزعيم والفقيه غدت هي “الهدف الذي يخفي شمس الحقيقة، ويؤجل بزوغ النهار، من أجل أن تنزلق في الشفق ملامح عالم جديد، ويظل الإنسان بدائيا يتحرك في عالمه القديم”.
أمام هذا التردي الذي انحط إليه الوعي الذاتي، تناط بالفيلسوف مهمة دق ناقوس الخطر، وإلا ما كان فيلسوفا. وهنا يستحضر عزيز قوم العرب في الزمن الراهن ما قاله هيغل بهذا الصدد: “الشعور في قلبي وكلما حاولت إبرازه للفهم خبا السراج وانطفأ”.
وما أفدح خسارة أمة تعطلت فيها لغة الفلسفة، وأبعد الفيلسوف عن قيادة زمام أمورها، لأن من مهام “أم العلوم” الانتفاض “ضد العبودية والهيمنة والقمع”، ولأنها في حد ذاتها وماهيتها “مرآة لوطنها، تعكس الخير والشر، وتسعى لإشعال نيران ثورة الحرية”. وهل يمكن تصور فكر بدون حرية، وهل هناك إنسان بدون فكر؟
وما يؤكد على أهمية الفلسفة قول أرسطو: «من يريد أن يكون سعيدا لا بد له أن يتفلسف» وأن يهب نفسه للفلسفة.
والحال ان الفلسفة في عالمنا العربي “توقفت عن المقاومة منذ أن أصبحت تخضع للهيمنة الثيولوجية، ويبدو أن تدريسها بطريقة سكولائية، قد حرمها من ماهيتها، أي الشك والنقد، لأنهما سلاحها ضد العدمية والعبودية، لأن الذات تثبت وجودها بواسطة الشك، وبلغة ديكارت فالذات التي تشك موجودة، والتي لا تشك معدومة.”

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube