أحمد رباص – حرة بريس

مئات من الفنانين والمفكرين المغاربة ينتقدون تراجع حرية التعبير بالنسبة للمعارضين في البلاد. يعتقد بيير فيرمرين، المؤرخ المغاربي المعاصر أن الرباط تعمل بالفعل على “تدوير مسمار براغي” مع تصاعد التوترات الاجتماعية.
خريج المدرسة العليا للمعلمين، أستاذ مساعد في علم التاريخ، وأستاذ التاريخ المغاربي المعاصر في جامعة باريس الأولى – السوربون، بيير فيرمرين هو كذلك مؤلف للعديد من الأعمال التي أشاد بها النقاد. كتابه الجديد “المغرب في 100 سؤال” (تلانديي، 2020)، موجود حاليا في المكتبات. بمناسبة إصداره الجديد، أجرت معه النسخة الرقمية من جريدة “لوفيغارو” حوارا تتشرف جريدتنا “حرة بريس” بتقديم مضمونه الكامل.
في مستهل هذا الحوار ذكرت الجريدة أن المئات من الشخصيات المغربية وقعوا بيانا ضد القمع البوليسي والتشهير بالخصوم الذين، حسب قولهم، يتزايدون في بلادهم. وتحت عنوان “هذا الظل هناك”، يشير النص إلى “عدة حالات من الاعتقال السياسي والمضايقات، بما فيها اعتقال الصحفيين عمر الراضي وهاجر الريسوني، فضلاً عن القمع الذي تتعرض له الحركات الاجتماعية”.
ثم بعد ذلك كان هذا السؤال: هل نشهد بالفعل زيادة في قمع حرية التعبير في المغرب؟
أجاب بيير فيرمرين بأن الملاحظ هو أن هناك استمرارية وطفرة. بالنسبة للاستمرارية، منذ عام 2009، تم تفكيك معظم مقاولات الصحافة المستقلة التي ولدت خلال الفترة الانتقالية المغربية في التسعينيات. هذا لم يمنع بعض العناوين أو الأقلام من أن تولد من جديد بشكل مستقل، ولكن بعد ذلك، وبسرعة كبيرة، تبدأ المشاكل: التشهير، والمتابعات القضائية، والسجن …
لهذا السبب، صنفت منظمة مراسلون بلا حدود سنة 2010 المغرب في المرتبة 133 (من اصل 180 دولة) من حيث حرية الصحافة.
لكن منذ أحداث حراك الريف لعام 2017، التي كشفت عن النقائص الهائلة في الحكامة والتنمية في مناطق المغرب المهمش، ومنذ اندلاع الثورة الجزائرية عام 2019، التي جرت متابعتها بحماس في المغرب، ومع أزمة كوفيد-19 لوحظت طفرة على هذا التصلب.
لقد شعرت السلطات المغربية بأن الاحتجاج على السلطة في منطقة رئيسية من البلاد – الريف – تقع على أبواب أوروبا والجزائر، ثم الانتفاضة ضد النظام العشريني الفاسد لعبد العزيز بوتفليقة، وأخيراً الإغلاق القسري للاقتصادات المغاربية في ربيع عام 2020، بعد قطع العلاقات الدولية بحكم الواقع، (شعرت بانها) تهديدات ممنهجة حقيقية.
ترتبت عن ذلك سلسلة متوالية من القضايا، مثل تلك الخاصة بالصحفيين السالفي الذكر، التي تورطت فيها شخصيات عامة (مغني راب، صحفيون، رياضي، مؤرخ) أو حتى أقارب شخصيات سياسية (مثل هاجر الريسوني)، غالبا ما يكونون متورطين في قضايا أخلاقية من الواضح أن الشرطة السياسية هي من قامت بفبركتها.
هذه الهجمات غير المباشرة على الصحفيين مروعة في مجتمع محافظ يُدعى فيه الرأي العام لتشويه الرؤوس الكبيرة. هذا لا يمنع العقول المستقلة أو المصدومة، وحتى الجمعيات المختلفة، من الاحتجاج على هذه التجاوزات السلطوية، حيث أبانت شخصيات معروفة عن قدر من الشجاعة.
وبما أن هذا النص انتقد “وسائل التشهير” المقربة من جهاز الدولة، سألت الجريدة الأستاذ الجامعي عما إذا كانت السلطة تهاجم الصحافة بشكل خاص.
ذكر المتحدث في جوابه بألا جدوى من ذكر الأسماء لأن الجميع في المغرب يعرفها، لكن قصة “إعلام التشهير” هاته نقطة مهمة للغاية. وهذه النقطة تخبرنا عن الحالة العامة للصحافة في الدول الاستبدادية، وربما غدا في الدول الديمقراطية.
في العديد من البلدان الفقيرة أو الخاضعة لسيطرة شديدة مثل المغرب، كانت الصحافة مسألة دولة لسنوات.
كل عنوان صحفي لا يوافق على تمرير رسائل السلطة، أو تجرأ على انتقاد “الخطوط الحمراء” الشهيرة؛ أي المس بشخص الملك والعائلة الملكية والتشكيك في قداسة الإسلام والطعن في النظام السياسي وفضح الفساد المالي وانتقاد أقارب الملك والتموقف ضد الوحدة الترابية، يحرم من الاستفادته من المداخيل التي تذرها إعلانات المقاولات العمومية أو الصديقة، ليجد نفسه في الأخير أمام صعوبات اقتصادية لا يمكن التغلب عليها، سرعان ما تتفاقم بسبب المتابعات القضائية والغرامات.
هكذا اختفت وسائل الإعلام المستقلة والسياسية. وباستثناء النشطاء والإدارات، لم يعد المغاربة يقرؤون الصحف الورقية، ويوثرون المجلات المتخصصة النادرة. هم يحصلون على المعلومات من الإنترنت ومن وسائل الإعلام الدولية، التي يمكن الولوج إليها بالمجان. المشكلة تخص الأخبار الوطنية المغربية. شبكات التواصل الاجتماعي التي يستعملها أكثر من عشرين مليون مغربي، والخاضعة للرقابة، هي السائدة حاليا.
وعند سؤاله عن المعلومات السياسية، قال المؤرخ المغاربي: في هذا المجال، نجحت الشرطة السياسية، سواء في المغرب أو في الشتات المغربي الكبير بالخارج، في السيطرة على جميع مواقع الأخبار المغربية على الإنترنت تقريبا.
عندما تريد شن حملة تشهير ضد أحد خصومها (أو خصومها الافتراضيين)، عليها فقط شن هجوم منسق. غالبا ما تتعلق حملة التشهير، التي تستهدف فردا تم تجريده من ثيابه، بقضايا أخلاقية إما حقيقية أو مفبركة أو غير صحيحة، ما يجعل من الممكن تجنب المحاكمات السياسية كما في الثمانينيات. يمكن للدولة بعد ذلك أن تختبئ وراء احترام الأخلاق الإسلامية المفترضة، ويمكن للعدالة أن تعاقب على الإساءة إلى الأخلاق الحميدة.
ولأن هذه النداء ياتي في أعقاب نداء 110 صحافي طالبوا السلطات المغربية باتخاذ إجراءات ضد “وسائل الإعلام المشوهة للسمعة”، وبما أن العديد من المنظمات غير الحكومية قلقة بشأن “تدهور حقوق الإنسان” في المملكة، سألت الجريدة ضيفها عما إذا كان من الممكن أن تؤدي هذه المواقف إلى تمرد شعبي رغم الأزمة الصحية التي ما زالت مستعرة في المغرب.
في جوابه قال الكاتب: من المؤكد أن الأزمة الصحية المستعرة في المغرب، وعلى نطاق أوسع في المنطقة المغاربية – والتي يبدو لي أنه تم المبالغة في تقديرها بشكل متعمد بالنظر إلى انخفاض عدد الضحايا – هي أولا وقبل كل شيء أزمة اقتصادية. لقد توقفت جميع محركات هذه الاقتصادات دفعة واحدة، وبما أن المغرب وتونس لم تعد لهما القدرة على الاستدانة، فمن المستحيل ترك العجز ينزلق كما هو الحال في فرنسا.
والنتيجة هي أن إلغاء الإعانات، والبطالة الجماعية، والاستحالة الفعلية للهجرة، إلخ،، تجعل الوضع قابلا للانفجار في المنطقة المغاربية.
تعيش المنطقة المغاربية حالة حصار فعلية منذ شهري مارس وأبريل، حتى المساجد كانت مغلقة. تم تطويق أحياء المدن الكبيرة، ودعوة الناس بصرامة للبقاء في منازلهم أو في أحسن الأحوال في مدينتهم أو مقاطعتهم. تطبق الشرطة وشرطة مكافحة الشغب هذه التعليمات الصارمة، التي تكون أحيانا مصحوبة بتجاوزات.
خلال عيد عيد الأضحى (ما قبل الأخير)، نُهبت أكبر سوق للأغنام في الدار البيضاء وذهب بعض الناس حاملين أكباشا دون أن يؤدوا ثمنها؛ ومؤخرا، تم نهب شاحنتين من شركة كوكا كولا في الدار البيضاء. التوترات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب العربي من الأهمية بمكان بحيث تكون أوربا على دراية بها.
تزيد هذه التوترات الاجتماعية الشديدة في الواقع من ضغط إنفاذ القانون ضد الجانحين أو المحتجين. نحن لسنا أمام ثورة شعبية أو سياسية بنسبة أقل (لا توجد قوة سياسية احتجاجية منظمة)، لكن المؤكد هو أن الوضع لن يبقى على هذا النحو إلى أجل غير مسمى، علما أن المغرب العربي على أبواب أوروبا. لقد أصبح من الملح للغاية أن ندرك هذه الظاهرة التي تذكر بالكاد والتي تنطوي على مخاطر عالية.
 

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube