ترجمة أحمد رباص

بعد أن كان الفيلسوف فريديريك نيتشه منبوذا من قبل نظرائه الفرنسيين منذ فترة طويلة، ها قد تم منذ سنوات الاعتراف به والسماح بتدريس مؤلفاته. كيف فرضت كتاباته نفسها؟ وما المكانة التي تحتلها في الفكر المعاصر؟”
إذا كان من الواضح اليوم في فرنسا أن نيتشه فيلسوف يستحق أن يقرأ ويدرس ويناقش على هذا النحو، فقد أمعنت في إهماله دائما. فبعد أن نبذه الفلاسفة منذ فترة طويلة، وجد أولاً قراءه الأوائل لدى الفرنسيين من بين الباحثين والكتاب. تم تقديمه للجمهور الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر من قبل المختص في الفلسفة الألمانية هنري ليشتنبرغر Henri Lichtenberger وهنري ألبرت Henri Albert مؤرخ الأدب الألماني لدى دار النشر ميركيور دي فرانس Mercure de Franceومترجم كتاب”هكذا تحدث زارادشت” عام 1898، وأعمال رئيسية أخرى.
لذلك، فإن أول استقبال فرنسي لنيتشه كان في صورة هذه الترجمات الأولى – الأنيقة، على الرغم من أنها غير دقيقة في بعض الأحيان – التي قرأناه من خلالها، أي أنها صورة أدبية بشكل أساسي. “لا حجج على الإطلاق، لذلك فهو شاعر”، يحكم فاليري الذي افتتن بالنقد النيتشوي للغة والفلسفة. وإذا عد في ألمانيا آنذاك كلاسيكيا في الفلسفة، فقد ألهم فرنسا، لاسيما كتابها. هذه هي حالة أندري جيد André Gide، الذي تشهد روايته “اللاأخلاقي” (1902)، من بين أمور أخرى، على هذا التأثير.
تعمق الاكتشاف الفرنسي لفكر نيتشه، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مع أعمال تشارلز أندلر Charles Andler وترجمات جينفييف بيانكي Geneviève Bianquis. إذا وجد نيتشه في مرحلة أولى قراءه سواء من جانب اليمين القومي والمناهض لدريفوس (ليشتنبيرغر، ألبير) أو من اليسار (تشارلز أندلير Charles Andler، أو جورج بالانت Georges Palante، الذي يؤيده اليوم كاتب فرنسي مثل ميشيل أونفري Michel Onfray) في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد وجد نقد نيتشه للتنوير والديمقراطية والاشتراكية استجابة مواتية بين الكتاب اليمينيين مثل تييري مولنيي Thierry Maulnier أو دريوه روشيل Drieu la Rochelle.
ومع ذلك، لم تعد الإحالة إلى نيتشه مركزية حقا في الفلسفة الفرنسية إلا انطلاقا من سنوات 1960 و1970 مع جيل دولوز Gilles Deleuze وميشيل فوكو Michel Foucault. مشروع دولوز ل”الإطاحة بالأفلاطونية”، قيد العمل، وفقا له، سواء في الفلسفة الكلاسيكية وفي فلسفة هيجل كما في التحليل النفسي، هو صراحة من إلهام نيتشه. يجب على الفكر أن يتوقف عن التفكير في ذاته أو عن تمثل نفسه من خلال البحث عن حقيقة متطابقة أو متجانسة معه، من أجل أن يهتم بما هو خارجه، مختلف عنه، والذي يطلق عليه ديلوز “خطة المحايثة “. من خلال جعلها حساسة تجاه الاختلافات، تجاه كل شيء يظهر علامة او دلالة، لم يعد للفلسفة موضوع خاص بها، فهي في عقر دارها في كل مكان. لا شيء غريب عنها بعد الآن. أصبحت، حسب رغبة نيتشه، أحد مكونات الحياة.
بالنسبة لميشيل فوكو، أحد الفلاسفة الفرنسيين الأكثر تأثراً بنيتشه، يعتبر الأخير أحد أساتذة الشك الثلاثة، إلى جانب ماركس وفرويد. مع نيتشه ينشأ الشك في كوننا لا نعبر بدقة عما نقوله. من هنا، وفقا لصيغة نيتشه، “لا توجد وقائع، وإنما فقط تأويلات”، كل شيء أصبح علامة أو عرضا يتعين تفسيره. والأكثر من ذلك ، “كل شيء هو بالفعل تأويل، كل علامة في حد ذاتها ليست الشيء الذي يعرض نفسه للتأويل، ولكنها تأويل لعلامات أخرى”. ستكون الأركيولوجيا الفوكوية في حد ذاته من سلالة فلسفة نيتشه. لأننا نعلم الآن أنه “في أصل ما نعرف وما نحن عليه، ليس هناك حقيقة ووجود، ولكن هناك خارجية الحدث”. إن “موت الإنسان”، الذي أعلن عنه فوكو في نهاية “الكلمات والأشياء”، هو إلى حد ما النتيجة النهائية لموت الله.
المصدر: l’Experss

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube