بين دفتي هذا الكتاب صرخة تكشف عن تفاصيل مشروع تخريبي يستهدف المغرب. وبنك أهداف هذا المشروع يتمثل في الإسلام والعروبة والدولة، بما هي جميعها مقومات للوحدة والتوحيد، والسدى المعزز ل اللحمة الرابطة بين المغاربة في وطنهم، وبينهم وأشقائهم في بوتقة الوطن الكبير من المحيط إلى الخليج. و”بيبيو” كلمة أمازيغية تعني الصرخة التي يطلقها الإنسان، حينما يكون إزاء خطر داهم وماحق. ويتعلق هنا بتلغيم العرى الفكرية والثقافية بين مكونات الأمة؛ فبعد اضطرار جيش الحرب الصهيوني للانسحاب من جنوب لبنان عام 2000،  ثم من غزة عام 2005، اتضح إفلاس النظرية المؤسسة للإستراتيجية الصهيونية المعروفة بنظرية “قضم الأطراف” والتوسع في الاحتلال، التي وضعها مؤسس الكيان، وتم تعويضها بنظرية “الأقطاب الأربعة” في أفق إسرائيل الكبرى. وسنتعرض للاتجاه العام للكتاب بعد تمهيد موجز.
منذ أمد بعيد دغدغ الشرق مخيلة الغرب. وشعر مسؤولوه منذ حملة السويس أن الأساليب التي سار عليها ساستهم قد عادت على شعوبهم بالوباء: فالأزمة التي حلت بالصناعة الأوربية، وتوقف البترول العربي بعد نسف الأنابيب عام 1956، وتعطيل قناة السويس عندما احتلت القومية العربية اهتمام القادة آنذاك، وتبوأت مكانا مرموقا في المحافل الدولية، أفهمت كل أوربي كيفما كان مستوى ثقافته، مدى ارتباط الاقتصاد الغربي بأرض العرب التي تملك من القوى الروحية المنبثقة عن الإسلام، وحيث يكمن القسط الأكبر من احتياطي الذهب الأسود في العالم، والإمكانات المنبعثة من أحواض البترول التي لا تنضب، لهذا السبب بادر كتاب الغرب، لاسيما المتخصصون في العلوم السياسية والاقتصادية والتاريخية إلى الاهتمام بأحوال البلاد العربية، عبر تحليلات منطقية وإحصاءات دقيقة لتوسيع ثقافة شعوبهم وكغذاء فكري لها. ولو لم تكن المنطقة تزود الغرب بحاجاته من هذه المادة الهامة التي تدير محركاته وتدفئ بيوته لما اهتم بها. وغدت هذه المادة الهامة مسكونة بالمفارقة، فبقدر ما تزيد مواقع الغرب ثباتا، لا تترك للعرب  سوى الفرقة والهزيمة، النفط والغاز أشد الكوارث وتضارب مصالح المحاور.

مغاربة ضد التطبيع مع الاحتلال الصهيوني

أية أمة لا تعرف تاريخها لن تحسن صياغة مستقبلها. منذ الفتح العربي في العام 681هـ بقي المغرب بمنجاة عن الفتوحات، فالإمبراطورية العثمانية بقيت عند حدود الجزائر. لكنه ذاق من هول الاحتلال الذي كان جرحا عميقا في المجتمع المغتصب: رسا الأسبان والبرتغاليون في القرن الخامس عشر على الشواطئ وحصنوا المرافئ التي شكلت جسورا للتجارة وإفراغ الوطن من خيراته. وحين غيرت الثورة الصناعية في أوربا المعطيات، وظهرت الحاجة إلى المواد الأولية والأسواق غزا المال قبل السلاح أرض الوطن كما جرى في مصر وفي تونس، فطبق نظام الحماية على وطن لم يعرف الخضوع للأجنبي خلال ثلاثة عشر قرنا. وإذا نسينا للحظة الإذلال العميق الذي غمر الشعب بقبائله مجتمعة وكل طبقاته وإذا انتقصنا من قيمة جرحه الذي لا يبرأ يستحيل علينا أن نعرف تاريخ المغرب حتى يومنا هذا.
 في هذا السياق التاريخي غير البعيد عن المؤرخ والسوسيولوجي، أضع استهداف- رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع وكل من يدافع عن السيادة الوطنية- الذي قبع خلف قضبان السجن بالراشدية، في زنزانة انفرادية، بعد أن حكمت عليه غرفة الجنح بالمحكمة الابتدائية بشهر حبسا نافذا. والسبب محاولته منع شركة تمور إسرائيلية من المشاركة في معرض زراعي في مدينة أرفود المغربية، لتوجه له تهمة:”إهانة موظفين عموميين أثناء القيام بوظائفهم عبر التهديدات بقصد المساس بشرفهم، وعدم الاحترام الواجب لسلطتهم وتعنيفهم”، علما أنهم كانوا بزي مدني، ولم يقدموا أنفسهم على أنهم رجال سلطة ! هذا على المستوى التبسيطي، أما السبب الحقيقي فيتعلق بالكتاب السالف الذكر الذي كشف فيه الاختراق الصهيوني برصد نماذج من الاختراق المتنامي ورصد صور موضحة، وجعل منه سؤالا مفتوحا للدولة والمجتمع. الاختراق السياسي والدبلوماسي، والاختراق الاقتصادي المتغلغل على مستوى قطاع الفلاحة حيث اكتساح التجهيزات الزراعية كتقنيات السقي بالتنقيط والبذور والأدوية الصهيونية الأسواق على امتداد الوطن بالأخص حوض سوس. الاختراق الاستخباراتي المتجذر: وقائع تظهر تطور الظاهرة التطبيعية من التطبيع المجرد إلى التجنيد والعمالة المرتبطة بتكوين “مجموعات” تخضع لتداريب عسكرية وشبه عسكرية، في أكثر من منطقة داخل تراب الوطن، مصحوبة بتأطير إيديولوجي وفكري يرمي إلى تبني الأطروحة الصهيونية، ويعتمد على التمييز العرقي الذي يحاول الكيان الصهيوني إذكاءه لتمرير مخططه. وهذا ما فطن إليه المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، الذي استدعى وقوفه النضالي ونشاطه المناهض للتطبيع والفساد، وتتبع ما يحاك منذ مدة لينذر أن الوطن في خطر، ليشاع عن رئيس المرصد، وهو النضالي النزيه، ومن بربر الجبال، بأنه مصاب بالهلوسة ويجب إدخاله إلى مستشفى الأمراض العقلية، قبل أن يتم فضح اللعبة المعقدة  عبر ندوة صحفية نظمها المرصد المغربي لمناهضة التطبيع ومجموعة العمل الوطني من أجل فلسطين، لتنوير الرأي العام ومطالبة المسئولين بتقديم كافة المعطيات المتعلقة بالموضوع كما يلزمها الواجب الوطني، تلاها صدور كتاب “بيبيو !! الخراب على الباب”.
التكلفة الصفرية للتخريب وأدواتها
الكتاب وثيقة تكشف أن ما يحضر للمغرب والوطن العربي من تدمير وتخريب لا يختلف عما جرى ويجري في المشرق العربي بكل أقطاره بدءا من العراق فسوريا واليمن، وقبل ذلك تقسيم السودان، وزع بذور الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، ونسج شبكات وخلايا التدمير النائمة في كل مكان، وعلى مستوى خريطة المشرق والمغرب، وحجم التغلغل الذي رصده الكتاب في العديد من الصفحات معززة بصور دالة مع ذكر بعض الأسماء. ومدى الاختراق المتجذر وفق مخططات مدروسة بإحكام، لا شيء فيها متروك للصدفة، يمارسه الكيان الصهيوني بنفس طويل عبر التواجد ألاستخباراتي منذ أمد بعيد، يكشف عنه قول رئيس الموساد الأسبق عاموس يادلين الذي يشغل منصب مدير الأمن القومي في الكيان، وهو يقدم إنجازاته وحصيلة عمله على رأس الاستخبارات العسكرية:” لقد أنهينا مؤخرا إنشاء شبكة من عملائنا في كل من تونس والجزائر والمغرب، جاهزة للتأثير والتخريب في أية لحظة،” بتكلفة صفرية (ص 113).
والتكلفة الصفرية تعني أن الغرب الإمبريالي لن يخسر شيئا في سياق هذا الجيل الجديد من الحروب: حروب “الجيل الرابع”، إذ تعمل المشاريع الاستعمارية الجديدة في مقدمتها المشاريع الصهيونية التوسعية على خلق دول فاشلة عبر مسلسل مترابط الحلقات لتسهل السيطرة عليها وإخضاعها لأي قرار تريده دولة الاحتلال منها ( ص125)، بالأخص المناطق ذات البعد الأمازيغي بالجنوب الشرقي المتسمة بالهشاشة، في مؤشر معبر عن طبيعة الأجندة الصهيو- دعائية لاختراق النسيج المجتمعي الهش وربطه بدوائر صهيونية في الكيان، وترويج كبسولات إعلامية وشعارات تمويهية مغلفة بالثقافة والانفتاح على الحضارات تستهدف المزاج العام للأجيال الشابة وشطب ذاكرتها الوطنية وربطها بالأهداف الصهيونية. وعمل العملاء محدد في عنصرين اثنين:
عنصر التأثير في الأشخاص والأحداث وفق ما يخدم المخططات الصهيونية في المناطق والمحلات والقطاعات التي تنشغل بها وتشتغل فيها المخابرات الصهيونية، أصالة أو بالوكالة لصالح حلفائها الأمريكان والغربيين بصفة عامة.عنصر التخريب ويشمل كل من وما تحدده الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية أهدافا لها يتطلب التدمير والتخريب، أشخاصا كانت هذه الأهداف أو علاقات أو مخططات أو مشاريع أو مبان.”(ص113)مع غزو واحتلال العراق ظهر إعلام جديد على امتداد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، ميز سياقات “الجيل الرابع” للحروب يؤطر المرحلة ومفاده: أن تترك عدوك يحارب نفسه بنفسه، باستخدام الطابور الخامس، وهي حروب الخونة والجواسيس، تتم باستخدام الصراعات الفكرية والدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية والجهوية وتأجيجها، وكلها تمثل عودة للهويات الأصولية بأقوى صيغها. وقد أشرف بول بريمر مباشرة بعد تسليم مقاليد السلطة ببغداد ” كحاكم أمريكي” رئيس سلطة الاحتلال، إلى تغيير علم العراق بتبني راية بألوان الكيان الصهيوني: أبيض أزرق، وبعد ذلك ببضع سنوات تناولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صورا لأعلام الكيان الصهيوني مغروسة بجزيرة سوقطرة اليمنية. وها أحد أطر حزب الليكود يغرس علم الكيان الصهيوني بالكتبان الرملية بمرزوكة بإقليم تافيلالت، وضابط سام يلف العلم الصهيوني عليه وهو يرقص بإحدى مقاهي تنجداد بالجنوب الشرقي المغربي!(ص 126).

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube