بقلم: عمر بنشقرون، عضو المنظمة المغربية للكرامة والسلام وحقوق الإنسان والدفاع عن الثوابت الوطنية

يبدو أن مصير شعبينا بأيدينا. نمضي جنبا إلى جنب افريقيا لكن برؤى مختلفة ونخاطب أوروبا بلغة لكن يصعب فهمها نسعى لكسب العلاقات الدولية وننفق على التسلح. لم كل هذا التعصب؟
باستطاعتنا أن نطوي ملف الصحراء ونحسمه بشكل نهائي، فهو حقيقة غير قابل للمساومة. و التوصل لحل مشاكل الحدود بأسلوب أخوي وودي و إعادة فتحها، وعلى ترسيم بعض النقاط التي لم ترسم منها، سيمكننا من أن نخرج علاقاتنا من وضعها الحالي وأن نبني مستقبل الأجيال اللاحقة من تنمية مشتركة قادرة على بناء مجتمعين متماسكين.
و بلغة الأرقام، إن حجم النمو ومقدار التنمية التي ستتحقق من وراء فتح الحدود يناهز ثروة ضائعة حاليا بنسبة 3% من الناتج الإجمالي الوطني لكلا البلدين. و المؤسف هو أن ولادة التنين المغاربي التي طال انتظارها مازالت مرفوضة إقليميا ودوليا على ما يبدو. واستبقاء التوتر والنزاع الصامت بين الجارتين المغاربيتين بات وبالنسبة لأكثر من طرف هدفا في حد ذاته.
وفعليا، بقيت تلك الوضعية هي العائق الأكبر أمام أي تفكير لاحق في قيام اتحاد مغاربي حقيقي. يا ترى، من يتحمل المسؤولية عنها؟
فبمناسبة ذكرى جلوسه على عرش أسلافه المنعمين رضوان الله عليهم أجمعين، ذكر صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله وأيده، أن إطلاق الاتهامات ليس مجديا وأن لا معنى على الإطلاق لاتهام طرف دون الآخر، وقال إن الوضع الحالي للعلاقات المغربية الجزائرية «لا يرضينا وليس في مصلحة شعبينا وغير مقبول من طرف العديد من الدول» قبل أن يجدد دعوته للجزائر لإعادة فتح الحدود المغلقة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود لأن «إغلاق الحدود يتنافى مع حق طبيعي ومبدأ قانوني أصيل تكرسه المواثيق الدولية بما في ذلك معاهدة مراكش التأسيسية لاتحاد المغرب العربي التي تنص على حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال بين دوله» مثلما قال نصره الله.
ونحن كمجتمع مدني في مملكتنا الشريفة ترقبنا و إلى حد الساعة ردة فعل أو موقف رسمي من الجزائر على تلك الدعوة. لكن جبهة البوليساريو كانت وحدها من سارعت للتحدث في الموضوع. فباسم من تكلمت حينما عقبت على ذلك الخطاب ببيان إعلامي؟ هل كانت تنوب عن الجزائر في نقل ردها الرسمي على دعوة ملكنا الهمام للأشقاء الجزائريين «للعمل معا دون شروط من أجل بناء علاقات ثنائية أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار»؟ أم أنها كانت تعبر عن مخاوفها مما قد تستشعره خطرا وجوديا يتهددها متى اتفق الجاران في وقت ما لا على فتح الحدود بينهما فحسب بل على تكريس وضع مغاير تماما يكونان فيه «أكثر من دولتين جارتين» أي «توأمين متكاملين» ؟
حالة الغموض والتضارب في التصريحات والإشارات المتناقضة القابلة لأكثر من تأويل هو ما يجعل موقف الجزائر من مغربنا الحبيب يبدو ملتبسا وغير مفهوم.
ربما يبقى الأمر مفتوحا على أكثر من احتمال. لكن نقل وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية لبيان البوليساريو الذي اعتبرت فيه ذلك النداء «كلاما معسولا» هدفه ربح الوقت قد يعني أن جزءا من النظام الجزائري على الأقل يتبنى ذلك الموقف ولا يرى أنه من الضروري أن تقابل يدنا الممدودة للجزائر بيد جزائرية تمد لنا. والسؤال هنا هو لم لا يقول الجزائريون ذلك صراحة؟ لم لا يخرجون ويعلنون عن موقف واضح إما بقبول الحوار أو برفضه من حيث الأصل؟
فكم مرة خرج الرئيس الجزائري مثلا ليقول أن «لا مشكل للجزائر مع المغرب لكن يبدو أن المغرب هو من له مشكل مع الجزائر». غير أن الدعوات للمصالحة وللحوار ظلت مع ذلك تصدر عن جهة واحدة. وبغض النظر عن تقييم الجزائر لها أو تفسيرها لأسبابها ودوافعها وربما حتى للنوايا المبيتة من وراءها فإنها لم تقم بأي مبادرة أو عرض لتطوير علاقاتها معنا والخروج بها من وضع شاذ لازالت تعيشه منذ عقود هو أشبه بوضع اللاحرب واللاسلم.
لكن السؤال هو لم لا يوجد ومن الجانبين من يلتقط تلك الإشارات ليحقق من خلالها اختراقا ولو محدودا في علاقة البلدين؟ هل، فعلا نعجز والجزائريون عن فعل ذلك لأننا لا نستطيع أن نتخطى أكبر حاجز يقف بيننا وهو البوليساريو ” الصنيعة المفتعلة”؟ لاشك أن الجبهة واحدة من العقبات.
لكن المشكل النفسي بين البلدين أعمق وأكبر من ذلك! والسؤال هنا لم امتنعت باقي الدول المغاربية عن القيام بأي وساطة ولم تبذل أي مسعى في اتجاه تحقيق لقاء أو حوار مغربي جزائري؟ أليس من مصلحتها أن ينتهي التوتر بينهما أم أنها ورغم كل ما تقوله تستفيد وبشكل من الأشكال من استدامة تلك الخلافات وبقائها ؟
من الواضح أن جلوسنا جنبا إلى جنب مع أشقائنا الجزائريين على طاولة المفاوضات وفتح الملفات العالقة بيننا يقتضي منا أن نستعيد بناء الثقة بيننا. وفي ظل التراكمات التي حدثت على مدى العقود الماضية يحتاج ذلك لا فقط إلى إرادة صادقة من الجانبين بل أيضا لحرص وربما حتى دفع من دول الجوار لحثهم على السير في ذلك الاتجاه. وقد يقول البعض أن تلك الدول التي تعاني من أزمات ومشاكل كثيرة لا تستطيع فعل ذلك وأن وضع العلاقات المغربية الجزائرية يختلف تماما عن وضع أي علاقة بين بلد مغاربي وآخر وأن المسألة في غاية التعقيد والصعوبة. لكن أليس تهاون المغاربيين وتقصيرهم هو من جعلها تبدو لهم الآن ولغيرهم على ذلك النحو ؟ ثم ألا يعود جزء من ذلك التعقيد والتضخيم إلى وهم زرعه وروجه من يرغب بتأبيد الوضع وإبقاء الأمور على حالها؟ لاشك أن الحاجة باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى كي ندرك والجزائريون أن الحاجز الكبير الذي أقيم على مزيج من الخرافات والإشاعات والمبالغات الإعلامية يحول بيننا و هو حاجز ذهني غير طبيعي وأن فرض امبراطورية مغربية عظمى أو إقامة جزائر كبرى ذهبت سدى لأن السباق على من يكون الأقوى أو الأكبر في المنطقة لم يكن له أي معنى على الإطلاق بين شقيقين توأمين كما وصفهما ملكنا الهمام محمد السادس نصره الله وأيده.
لقد ساد التوتر والخلاف والمواجهة العسكرية وفي أفضل الأحوال الفتور في علاقات الجارين منذ فجر استقلال الجزائر عام 1961. ورغم التأييد الذي قدمه المغرب لجبهة التحرير الجزائرية خلال حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي ظلت القيادة الجزائرية الشابة بعد الاستقلال تتوجس من نوايانا بسبب مطالبتنا لمنطقة بشار وتندوف اللتين كانتا تحت السيطرة الفرنسية منذ 1950.
وكما هو معلوم، اتهمت المملكة  فرنسا بمحاباة الجزائر لدى ترسيم الحدود بين البلدين. ونشر المغرب أواسط سنة 1962 قواته في منطقة تقع خارج خط الحدود التي رسمتها فرنسا بين البلدين. و توجه 350 ألف مغربي سنة 1975 إلى أقاليمنا الجنوبية لصلة الرحم مع إخواننا في مبادرة لبي فيها “نداء الحسن” طيب الله ثراه.
وفي خطوة عدائية، دعمت الجزائر ما يسمى البوليساريو فاندلعت مناوشات عسكرية بين البلدين سنة 1976. وقدمت الجزائر لاحقا الملجأ لعدد من أبناء مغربنا الحبيب وآوتهم في مخيمات تندوف حيث أعلن عن إقامة  الجمهورية الصحراوية 
المزعومة وكانت الجزائر أول دولة تعترف بالجمهورية الوليدة. وفي عام 1979 توفي صالح بوخروبة الاسم الحقيقي للراحل”الهواري بومدين” وحل مكانه في الرئاسة الشاذلي بن جديد الذي بدا أنه ينتهج سياسية خارجية أكثر حذراً وأقل ثورية من سلفه. ورغم تأسيس اتحاد المغرب العربي في 1989، إلا أنه عجز عن الإجتماع في قمم اقتصادية، بسبب الخلاف السياسي بين الجارين، وعقدت آخر قمة اقتصادية له في 1994.
و منذ ذلك الوقت، و الدولتان تعملان على تشديد الحماية العسكرية على الحدود البرية و على إنشاء أسوار عالية لمنع عمليات التسلل والتهريب عبر الحدود.
وبعد وصول الجبهة الاسلامية الى الحكم في الجزائر عام 1991 وإلغاء نتائج الانتخابات في العام الموالي. عاشت البلاد ما عرف وقتها بالعشرية السوداء التي قتل فيها أكثر من 100 ألف شخص على مدى عقد من الزمن. تراجع التوتر بين البلدين ولم يعد المغرب يرى في الجزائر الخصم المعهود. ونجح المغرب في الحفاظ على أمنه ومنع انتقال أعمال العنف إلى اراضيه بنقل بعض قواته ونشرها على الحدود بين البلدين البالغ طولها 1559 كلم. و على خلفية تفجير فندق أسني في مراكش سنة 1994، فرض الملك الراحل الحسن الثاني على الجزائريين التأشيرة لدخول المملكة وردت الجزائر بقرار من الرئيس الأسبق ليامين زروال بغلق الحدود البرية بحجة أن قرار فرض التأشيرة “أحادي الجانب”.
و رغم الروابط الاجتماعية والدينية والثقافية العميقة التي تجمع الشعبين الشقيقين، المغربي والجزائري، ما زالت العلاقات بين البلدين تتأرجح بين المدّ والجزر، فيما ظلّت الحدود البرّية إلى اليوم مغلقة على امتداد أكثر من عقدين، مما يكلّف المنطقة المغاربية برمّتها هدر المزيد من الفرص والإمكانات في زمن زادت فيه التحديات، وتنامى التوجّه الدولي نحو التكتلات الكبرى كسبيل لكسب معارك استراتيجية داخلية وأخرى خارجية.
وبالرغم من تبادل الزيارات والرسائل بين مسؤولي البلدين وقادتهما لا يزال الجمود يسيطر على علاقات البلدين على جميع المستويات.
وفي نظري، أظن أن التفاعل الجزائري الإيجابي مع الدعوة المغربية سيكون منطلقا لسير قطار البناء المغاربي على سكّته الحقيقية، بالنظر إلى حجم البلدين ووزنهما.
لقد أعاد الخطاب الملكي في عيد العرش مستقبل العلاقات المغربية- الجزائرية إلى واجهة النقاشات السياسية والأكاديمية والعمومية، بعدما أكّد على خيارات المملكة الثابت إزاء محيطها الإقليمي، خاصة ضمن الدائرة المغاربية، بحرص المغرب على توطيد الأمن والاستقرار في المنطقة، وتجديد الدعوة إلى الجزائر لفتح الحدود والعمل سويا ودون شرط لتعزيز العلاقات بين البلدين، في إطار مناخ من الثقة وحسن الجوار، انسجاما مع المواثيق الدولية ومعاهدة مراكش المنشئة للاتحاد المغاربي.
إن الوضع الراهن المشوب بالحذر وإغلاق الحدود لن يكون في صالح أي طرف مغاربي، لأنه يكرّس هدر الكثير من الإمكانات والفرص ويساهم في نشر مناخ من القلق والإحباط إزاء المستقبل، وكذا سوء الفهم الذي تذكيه بعض الأوساط الإعلامية، علاوة على كونه يتنافى مع تطلعات الشعبين نحو التواصل والتعاون والاندماج.
و تأتي هذه الخطوة ضمن مجموعة من المبادرات الدبلوماسية والدعوات السابقة التي قام بها المغرب في هذا الخصوص. و تنمّ هذه المبادرات عن بعد نظر ورؤية استراتيجية، إذا استحضرنا حجم التحديات التي تواجه النظام الإقليمي برمّته في الظروف الراهنة، وبالنظر أيضا إلى حجم التدخلات والمؤامرات التي تتعرض لها المنطقة بصورة غير مسبوقة، علاوة على تنامي المخاطر العابرة للحدود كالهجرة السرية والإرهاب، مما يفرض التعاون والتنسيق والتكتّل. كما تحيل أيضا إلى الوعي الكبير بحجم الكلفة التي يخلّفها بقاء الأمور على حالها بالنسبة للمنطقة المغاربية كاملة في زمن التكتلات الدولية و على غرار التكتلات الإقليمية الوازنة.
جدير بالذكر أن المطالب بفتح الحدود وإرساء تعاون اقتصادي بين الجانبين ظلت حاضرة أيضا في خطابات الكثير من الأحزاب المغربية والنخب الأكاديمية والفعاليات المدنية والإعلامية المقتنعة بنجاعة هذه الخيارات في كسب رهانات المستقبل، قابلتها الكثير من النخب والفعاليات الأكاديمية والمدنية الجزائرية والمغاربية بقدر من الترحيب والتفاعل الإيجابي وبإطلاق مبادرات هامة في هذا الخصوص.
ومن جهتنا، كمجتمع مدني، نظن أن التفاعل الجزائري الإيجابي مع دعواتنا الصريحة والمتكررة سيكون منطلقا لوضع قطار البناء المغاربي على سكّته الصحيحة، بالنظر إلى حجم البلدين ووزنهما داخل هذا التكتل، كما أن فتح الحدود وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين سيسمح حتما باختفاء مجمل الخلافات العالقة بشكل تلقائي وتدريجي لحساب المشترك الوازن الذي يجمع الطرفين في الحاضر والمستقبل.
لذلك يبدو أن اليد الممدودة للملك هي آخر فرصة متاحة للجزائريين لوقف الأعمال العدائية ضد المملكة و لطي هذه الصفحة المظلمة في تاريخ الجزائر. و يبقى عرضنا هذا على الإخوة الجزائريين هدفه : الركب على قطار التنمية المغاربي-الإفريقي، حيث سيكون المغرب قاطرته الرئيسية.
إن رؤية صاحب الجلالة لحكيمة في بناء مغرب عربي قوي قادر على لعب دور الملتقى بين أوروبا وأفريقيا وبين أمريكا والشرق.
و الآن، لا يسعنا إلا أن نقول أن الكرة في معسكر الجزائر و الأمر متروك الآن لأبناء هذا البلد المجاور والشقيق لاختيار المسار الذي ينبغي أن يقودهم إلى مستقبل أفضل. “خوتنا الدزايرية، الأمر متروك لكم”…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube