سياسةعبد الحي كريطمستجدات

من غزة إلى غرينلاند.. جناح الفراشة الذي أعاد تشكيل النظام العالمي

عبدالحي كريط

لم تكن حرب غزة مجرد حلقة جديدة في سلسلة الصراعات الشرق أوسطية، ولا حدثًا معزولًا في جغرافيا النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل شكلت لحظة كاشفة لانهيار طويل الأمد في بنية النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية.

.ذلك النظام الذي بني على فكرة “الشرعية الدولية”، وتكريس دور الأمم المتحدة كضامن للسلم العالمي، وجد نفسه، مرة أخرى، عاجزا صامتا، أو متواطئا. لكن المختلف هذه المرة أن الانكشاف لم يكن أخلاقيا فقط، بل بنيويا عميقا، ومفتوحا على تحولات كبرى تمتد من غزة إلى واشنطن، ومن كييف إلى بكين، ومن فنزويلا إلى غرينلاند.

منذ غزو العراق سنة 2003، دخلت منظومة القانون الدولي مرحلة الشيخوخة المبكرة. حينها كسرت القاعدة الذهبية التي حكمت العلاقات الدولية بعد 1945.. لا حرب خارج إطار الشرعية الأممية.

الولايات المتحدة قادت حربا استباقية بلا تفويض دولي، وبمبررات ثبت لاحقا زيفها. ومع ذلك، لم يحاسب أحد. تلك اللحظة لم تكن مجرد “خطأ استراتيجي”، بل كانت إعلانا غير رسمي عن نهاية عصر الانضباط القانوني في السياسة الدولية، وبداية عصر القوة العارية.

جاءت حرب “طوفان الأقصى” وما تلاها من تدمير واسع في غزة لتؤكد أن القانون الدولي لم يعد سوى نص أخلاقي بلا أسنان. مئات الآلاف من الضحايا، مدن مدمرة، حصار شامل، وانتهاكات موثقة، ومع ذلك ظل مجلس الأمن مشلولا رهينة الفيتو، بينما اكتفت الأمم المتحدة بلغة القلق والإدانة الرمزية. هنا لم تعد المسألة تتعلق بإسرائيل أو فلسطين فقط، بل بانهيار فكرة “العدالة الدولية” ذاتها.

غزة لم تكشف فقط عجز المؤسسات، بل عرت ازدواجية المعايير،  عالم يتحدث عن حقوق الإنسان حين يشاء، ويصمت حين تتعارض هذه الحقوق مع مصالحه الجيوسياسية. وهنا بالضبط بدأ “أثر جناح الفراشة”.. حدث محلي او إقليمي في رقعة جغرافية صغيرة، أحدث اهتزازا  في بنية النظام العالمي بأكمله.

في هذا السياق، عاد دونالد ترامب ، أو بالأحرى “الترامبية” كمنظومة تفكير ،  إلى الواجهة بأدوات أكثر صراحة، وأقل اكتراثا بالأعراف الدولية. الترامبية الجديدة لا تؤمن بالتعددية، ولا ترى في المؤسسات الدولية سوى قيود بيروقراطية على “عظمة أمريكا”.

إنها رؤية تقوم على منطق الصفقة، والضغط، والابتزاز السياسي والاقتصادي، بدل منطق التحالفات المستقرة والقواعد المشتركة.

تهديدات ترامب المتكررة بعد فنزويلا لم تكن مجرد تصريحات انتخابية، بل مؤشرات على عقلية سياسية ترى في أمريكا اللاتينية مجالًا حيويا يجب ضبطه بالقوة أو بالإكراه الاقتصادي.

فنزويلا، كوبا، نيكاراغوا، وحتى دول أخرى في الإقليم، وضعت ضمن خطاب “الاحتواء” و”الردع”، لا بوصفها شركاء، بل باعتبارها نقاط خلل في النظام الأمريكي الإقليمي.

الأخطر من ذلك كان الطرح العلني لفكرة ضمّ غرينلاند. لأول مرة منذ عقود، تتحدث واشنطن بلا مواربة عن توسيع جغرافي بالقوة الناعمة أو الصلبة. . غرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية، بل موقع استراتيجي غني بالمعادن، ومفتاح جيوسياسي للقطب الشمالي.

لكن طرح فكرة “الضم” هزّ أساسًا رمزيًا في النظام الغربي نفسه احترام سيادة الحلفاء، حين تصبح الدنمارك، العضو في الناتو، موضع تشكيك في سيادتها، فإن حلف شمال الأطلسي نفسه يدخل مرحلة اهتزاز بنيوي.

هنا تتجلى المفارقة،  التحالف الذي تأسس لمواجهة الاتحاد السوفيتي باسم الدفاع عن الديمقراطية، أصبح مهددًا من داخله بفعل النزعة التوسعية لحليفه الأكبر. وهذا ما يطرح سؤالا جوهريا هل لا يزال الناتو تحالف قيم، أم تحالف مصالح مؤقتة؟

في الشرق الأوروبي، تستمر حرب أوكرانيا بوصفها نزاعا مفتوحا  يستنزف الجميع.. روسيا، الغرب، وأمن القارة. الحرب التي بدأت تحت شعار “الدفاع عن السيادة” تحولت إلى صراع استنزاف طويل، يعكس عجز النظام الدولي عن فرض تسوية عادلة أو حتى مستقرة.

لا الأمم المتحدة قادرة على الوساطة، ولا القوى الكبرى مستعدة للتنازل. والنتيجة.. حرب بلا أفق واضح، وأمن أوروبي هش، واقتصاد عالمي متأثر بسلاسل العقوبات والتوترات.

وفي مقابل هذا التآكل الغربي، يتصاعد نفوذ “التنين الصيني” بهدوء استراتيجي.. الصين لا ترفع شعارات أخلاقية كبرى، لكنها تبني نفوذها عبر الاقتصاد، التكنولوجيا، والاستثمارات العابرة للقارات.

مبادرة “الحزام والطريق”، التوسع في إفريقيا، الحضور في أمريكا اللاتينية، والتقدم في الذكاء الاصطناعي، كلها مؤشرات على انتقال مركز الثقل العالمي تدريجيا نحو آسيا.

الصين لا تسعى إلى إسقاط النظام الدولي صراحة، لكنها تستفيد من ضعفه. كلما تآكلت شرعية الغرب، ازدادت جاذبية النموذج الصيني القائم على “الاستقرار مقابل التنمية”، حتى وإن كان ذلك على حساب الحريات السياسية. في عالم مرتبك، يصبح الأداء الاقتصادي أكثر إقناعا من الخطاب القيمي.

هنا نعود إلى غزة بوصفها “الشرارة الرمزية” لم تكن غزة سبب كل هذه التحولات، لكنها كانت المرآة التي كشفت عمق الأزمة. أزمة نظام دولي لم يعد قادرًا على ضبط الحروب، ولا على حماية المدنيين، ولا حتى على الحفاظ على تماسك تحالفاته الداخلية.

من غزة إلى غرينلاند، من فنزويلا إلى أوكرانيا، تتكرر الرسالة ذاتها.. القانون الدولي لم يعد مرجعية ملزمة، بل خيارا انتقائيا.

الأمم المتحدة، التي ولدت من رماد الحرب العالمية الثانية لتكون صمام أمان البشرية، تحولت إلى مؤسسة رمزية أكثر منها فاعلة.

بيانات، لجان، جلسات طارئة، دون قدرة تنفيذية حقيقية. مجلس الأمن مشلول، والجمعية العامة بلا تأثير ملزم. وفي غياب إصلاح جذري، تزداد الفجوة بين النص القانوني والواقع السياسي.

ما نشهده اليوم ليس “نظامًا عالميًا جديدًا” مكتمل المعالم، بل مرحلة انتقالية فوضوية. عالم متعدد الأقطاب، لكن بلا قواعد واضحة. قوى كبرى تتحرك وفق مصالحها الخاصة، وتحالفات تتغير بسرعة، ومؤسسات دولية تفقد شرعيتها تدريجيا.

الترامبية، بصيغتها الجديدة، ليست سبب هذه التحولات، بل نتاجها. إنها تعبير عن عالم فقد ثقته في التعددية، ويميل إلى الانكفاء القومي، والقرارات الأحادية، والخطاب الشعبوي المباشر. لكنها في الوقت نفسه تسرّع عملية التفكك، لأنها تضرب آخر ما تبقى من أعراف دبلوماسية وحدود رمزية.

في هذا المشهد، يصبح السؤال المركزي..هل نحن أمام نهاية النظام الذي تأسس بعد 1945، أم مجرد أزمة عابرة؟ المؤشرات تميل إلى أن الانهيار ليس لحظة واحدة، بل مسارا تدريجيا. النظام لا يسقط دفعة واحدة، بل يتآكل من الداخل، عبر الاستثناءات المتكررة، والخرق المستمر للقواعد، وغياب المحاسبة.

غزة كانت لحظة وعي عالمي. ليس فقط بفظاعة الحرب، بل بحقيقة أن “القانون الدولي” بات عاجزًا عن حماية الضعفاء. ومن هذه اللحظة، بدأ العالم ينظر إلى نفسه بمرآة أقل رومانسية، وأكثر قسوة.

نحن اليوم أمام عالم بلا مركز أخلاقي واضح. قوة بلا شرعية، وشرعية بلا قوة. تحالفات بلا ثبات، ومؤسسات بلا فاعلية. وفي هذا الفراغ، تتقدم القوى التي تفهم منطق المرحلة،  القوة الذكية، الاقتصاد، التكنولوجيا، والقدرة على فرض الوقائع.

جناح الفراشة الذي رفرف في غزة لم يسقط النظام العالمي فورا،  لكنه أحدث في بنيته شرخًا عميقا شرخا يمتد من الضمير الأخلاقي إلى التوازنات الجيوسياسية. ومع كل أزمة جديدة، يتسع هذا الشرخ، ويقترب العالم خطوة إضافية من نظام جديد، لم تتضح ملامحه بعد، لكنه بالتأكيد لن يشبه عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

إننا نعيش زمن التحول، لا زمن الاستقرار زمن الأسئلة الكبرى، لا الأجوبة الجاهزة. وفي هذا السياق، تصبح قراءة ما يجري ليس ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية لفهم أين يقف العالم، وإلى أي اتجاه يمضي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID