محمد بوبكري

لقد قضى جنرالات الجزائر أكثر من أربعة عقود ونصف في الدعوة إلى تقسيم المغرب بدون أدنى احترام لقيم حسن الجوار. لكن هذه الدعوة المناوئة للوحدة الترابية المغربية قد فشلت إفريقيا وعالميا، لأن حكمة المغرب وبعد نظره وصبره ومثابرته جعلته ينتصر على كل مخططات أصحاب هذه الدعوة المناوئة له. واليوم بدأت مناطق “القبايل” و”مزاب” والجنوب الجزائري تطالب بالاستقلال عن حكام الجزائر، ما يعني أن الحديث عن تجزئة الوحدة الجزائرية وتفتيتها قد صار يجد آذانا صاغية له في بعض المحافل الدولية…
وتنطوي دعوات ملك المغرب المتكررة إلى بناء المغرب الكبير على حكمة سيؤكد التاريخ صوابها ونجاعتها، حيث إنها تخدم أوطان شمال أفريقيا وشعوبها… لكن، للأسف، فإن ردة فعل حكام الجزائر كانت دائما ترفض الاستجابة لدعوات بناء المغرب الكبير، الأمر الذي يضر بالجزائر ووحدتها، كما أنه يشكل لشعوب المنطقة وبلدانها بكاملها. وما لا يعيه جنرالات الجزائر هو أن وحدة المغرب الكبير قد صارت ضرورة تاريخية، حيث إنها ستتحقق مستقبلا، وهي آتية لاريب فيها. لذلك، يتمنى بعض الخبراء المغاربيين أن تتحقق هذه الوحدة قبل فوات الأوان…
لقد كان من الممكن أن ينخرط المغرب والجزائر في بناء المغرب الكبير في بداية الألفية الثالثة، حيث جاء ملك مغربي جديد، ورئيس جزائري جديد، وكان من الواجب آنذاك أن يشرع المغرب والجزائر في إحداث انسجام اقتصادي وسياسي. لكن جنرالات الجزائر فضلوا ان يتحولوا إلى جزء من الآلة الاستعمارية، التي تسعى إلى توظيفهم من أجل تحكمها في مقدرات بلدان المغرب الكبير. فالبلدان الاستعمارية هي التي تناهض بناء هذا المغرب، لأن ذلك يضمن لها التمكن من السيطرة على دول المنطقة. لذلك، ونظرا لرغبة المغرب في شق طريقك التنموي باستقلال عن هذه القوى، فقد قامت هذه الأخيرة بتوظيف جنرالات الجزائر من أجل عرقلة التنمية المستقلة للمغرب، حيث دفعتهم إلى السعي دواما إلى الحيلولة دون نمو المغرب عبر ضرب وحدته الترابية، ما ينسجم مع أوهام جنرالات الجزائر، الذين يسعون إلى إضعاف المغرب من أجل التوسع على حسابه. ومقابل ذلك، ستعمل الدول الأوربية على حماية هؤلاء الجنرالات، ومساعدتهم على الاستمرار في السلطة في الجزائر… أضف إلى ذلك أن هذه الدول تستغل دعمها للجنرالات مقابل الاستفادة باستمرار من ثروات الجزائر، ضدا على إرادة شعبها. هكذا، فإن القوى الأوروبية ذات النزوع الاستعماري الجديد تسعى إلى الحيلولة دون بناء وحدة المغرب الكبير، لأن ذلك لا يخدم مصالحها الإستراتيجية الخاصة…
وجدير بالذكر أن الاندماج الاقتصادي لبلدان المغرب الكبير سيمكن هذه البلدان من الاقتصاد في العملة الصعبة، لأنها ستستغني عن استيراد كل حاجاتها من أوروبا، حيث ستتقلص وارداتها من الخارج، كما أن المبادلات التجارية بين بلدان المنطقة ستغنيها عن ذلك، لأن الاتحاد قوة، إذ لن يكون في مستطاع القوى الأوروبية أن تعزل كل بلد مغاربي على حدة، ما يمكنها من التحكم في علاقاتها معه، وفرض شروطها عليه…
ونقصد بالانسجام السياسي هو أن تسعى دول المغرب الكبير إلى أن يكون لها مواقف متوازنة موحدة من القضايا الإقليمية والدولية. كما ينبغي على كل دولة احترام الوحدة الترابية لجيرانها، والدفاع عن هذه الوحدة. وللتدليل على ذلك، يمكن أن نستحضر مثال “كتالونيا”، حيث إن هذه المنطقة كانت دولة مستقلة لمدة قرون، لأنها كانت مملكة مستقلة، كما أنها تتوفر على شروط استقلالها عن إسبانيا، لأنها تلبي الشروط التي وضعتها الأمم المتحدة لاستقلال الشعوب. لكن، ونظرا لوجود الاتحاد الأوروبي، فإنه لم يكن في إمكان هذه المنطقة الحصول على الاستقلال، لأن القوانين المنظمة للاتحاد الأوروبي لا تقبل بذلك، الأمر الذي جعل قضية “كتالونيا” لا تصل إلى الأمم المتحدة للبث فيها… هكذا، فإن الاندماج الأوروبي قد حال دون استقلال “كتالونيا”…
وإذا أخذنا مثال “منطقة مزاب” بالجزائر، فإننا نجد أن هذه المنطقة لم تعرف مشاريع تنموية، ما حال دون حدوث أن تغيير في بنيتها الديمغرافية. أضف إلى ذلك أن التنمية تخلق ازدهارا اقتصاديا يتجلى في إحداث مناصب شغل، ووسائل العيش الكريم، ما يؤدي إلى شعور سكان هذه المنطقة بالانتماء إلى الأمة، حيث لن يقول الشخص:” أنا مزابي”، بل إنهم يقول قبل ذلك: “أنا جزائري”.
ونظرا لعدم قيام حكام الجزائر بإحداث تنمية في كل من منطقة” مزاب” و”القبايل”، وكل مناطق الجنوب الجزائري، فإنهم لم يتمكنوا من إدماج هذه المناطق في النسيج المجتمعي الجزائري، ما جعل هذه المناطق تحس بإقصائها وتهميشها، فصارت لا تمتلك شعورا بالانتماء إلى الكيان الجزائري، الأمر الذي يهدد هذا الكيان بالتجزئة والتفتت… لذلك، فإن القصور الفكري لحكام الجزائر، قد جعلهم لا يدركون العلاقة بين التنمية والديمقراطية والحرية ووحدة الأمة.
ونظرا لتعنت حكام الجزائر واستكبارهم، فإنهم لم يستطيعوا إدراك أن وحدة المغرب الكبير مفيدة لبلادهم، حيث كان جنرالات الجزائر يرفضون بناء المغرب الكبير، لأنهم لم يكونوا يشعرون بالحاجة إليه. ويعود ذلك إلى أنه كانت لهم أموال طائلة، وكانوا يعتقدون أنهم سيكونون خاسرين في الانتماء إلى المغرب الكبير. ولسوء الحظ، فإنهم لم يعرفوا كيفية توظيف هذه الأموال بشكل مثمر، لأنهم لو استثمروها في إطار المغرب الكبير، لعادت على الجزائر بفوائد كثيرة، حيث كان في إمكان الجزائر، لو انخرطت في ذلك، أن تكون اليوم أكثر تقدما وازدهارا من المغرب… لذلك، فمن المؤكد أنه لو كان المغرب الكبير قائما لحال اليوم دون تفتيت الكيان الجزائري، كما فعل الاتحاد الأوروبي مع إسبانيا، حيث ساعدها على تثبيت وحدتها الترابية… كما أنه كان سيجنب الجزائر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها اليوم…
وإذا كان الجنرالات يعتدون بثروات الجزائر، ويبذرونها من أجل الاستقواء على جيرانهم بهدف التوسع على حسابهم، فإن سياسة الجنرالات قد جعلت الجزائر تنهار اقتصاديا، فصارت خزينتهم المركزية فارغة من العملة الصعبة، وباتوا عاجزين عن استيراد ما يسد الحاجات الأساسية للشعب الجزائري، ما تسبب في تفقير الشعب الجزائري، الذي انخرط في الاحتجاج على الجنرالات، وردوا عليه بالقمع والاضطهاد… ويفسر كل هذا كيف أفقر الجنرالات الشعب الجزائري، وأوصلوا الجزائر إلى حافة التفتت…
وإذا كان ملك المغرب متمسكا اليوم بوحدة المغرب الكبير، فإنه لا يقول ذلك بمنطق من يرغب في الاستفادة اقتصاديا من جيرانه، بل إنه يدعو إلى ذلك بوازع أخلاقي هدفه خدمة مصلحة دول المنطقة جميعها على حد سواء. لقد دفعت الظروف الإقليمية المغرب إلى شق طريقه تنمويا باستقلال عن القوى التقليدية التي تسعى الى السيطرة على دول المنطقة، حيث رسم لنفسه أفًقا أفريقيا ودوليا خاصا به، فأصبح يمتلك أسباب التحول إلى قوة إقليمية واقتصادية وثقافية وسياسية…
تبعا لذلك، يرى بعض الخبراء أن حكام الجزائر لو قبلوا الانخراط في بناء المغرب الكبير لتجنبوا بلادهم كل المآسي التي تعيشها اليوم. ويؤكد هؤلاء الخبراء أن المشاكل التي تعيشها الجزائر اليوم تسير في اتجاه أن يصبح من غير الممكن أن تبقى الجزائر موحدة، حيث لا يمكن اليوم للجنرالات الحيلولة دون تجزئتها، لأنهم لا يتوفرون على الإمكانات الفكرية والسياسية والمادية لإنجاز ذلك، كما أنهم لم يقوموا بتطوير مشاريع تنموية، ولا سياسية، ما حال دون بناء “دولة-أمة” تنصهر فيها مكونات الشعب الجزائري جميعها، وتحس بالانتماء إلى الكيان الجزائري…
ويرى هؤلاء أنه إذا حدث تقسيم الكيان الجزائري، لا قدر الله، فإن هذه البلاد ستصير عبارة عن مجموعة من الدول الضعيفة، الأمر الذي سيجعلها في حاجة إلى الاتحاد، حيث ستطالب ببناء المغرب الكبير تندمج فيه جميع مكونات المنطقة.
لذلك، ونظرا لسوء تقدير جنرالات الجزائر وعقليتهم البدوية الفروسية، فإنهم رفضوا بناء المغرب الكبير، لأنهم كانوا يعتقدون أنهم أكبر منه. وقد تمسكوا بنهجهم التوسعي على حساب جيرانهم، فرفضوا أي اندماج في بناء المغرب الكبير، رغم أن ذلك كان سيجنبهم المخاطر التي تتهدد الجزائر اليوم. ويشير هؤلاء الخبراء إلى أنه إذا استحال بناء المغرب الكبير قبل فوات الأوان، بالنسبة لجنرالات الجزائر، فإن مكر التاريخ جعل بناء المغرب الكبير يقتضي تقسيم الجزائر…
هكذا، يتضح أن خطاب ملك المغرب يصب في مصلحة الكيان والشعب الجزائريين، لكن الجنرالات لا ينصتون لصوت حكمة ملك المغرب وشعبه، ولا يعرفون كيفية الاستفادة من دروس تاريخ بناء الدول… وهذا ما يؤكد العواطف النبيلة لملك المغرب وشعبه تجاه الشعب الجزائري الشقيق، الذي نتألم لما يحدث له…

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube