منعم وحتي.

يُحكَى في تاريخ الصراع القبلي، مما دونه الشعر، لدرجة تخليد بعض الأحداث في المعلقات، وهي القصائد التي كانت تكتب بماء الذهب على جدران الكعبة.. مرويةً زاوجتْ بين النظم البديع وقيم الشرف وكذا حرارة بعض الردود التي تأخذها أحيانا حمية الانتماء ومعاني صلة الدم وكرامة القبيلة..

تسرد الرواية أن عمرو بن هند ملك الحيرة، كان جالسا مع حاشيته، وسألهم، هل تعرفون أحداً من العرب تأنف أمه أن تخدم أمي؟ فأجابوه: نعم، عمرو بن كلثوم التغلبي، فأمه ليلى بنت المهلل.. وأسهبوا في تفصيل حسبها ونسبها. فدبر الملك عمرو بن هند مكيدة دعا فيها الشاعر عمرو بن كلثوم ووالدته للطعام، وطلبت والدة الملك من ليلى بنت المهلهل مناولتها أطباق الطعام عدة مرات فتمنعت إلى أن أحست بالإذلال، فصرخت صرختها الأبية «وا إذلالاه.. يا لتغلب». فسمع ابنها صرختها واستشعر المكيدة وامتشق سيفاً قطع به رأس الملك عمرو بن هند وخرج من الخيمة صارخاً «وا إذلالاه يا لتغلب»، فخرج معه بنو تغلب ممن صاحبوه لدعوة الغداء فقتلوا الرجال وسبوا النساء وعادوا لديارهم لم يفقدوا أحداً.

وقد دون ديوان الشعر هذا الحدث بمعلقة من أروع ما كُتب في الشعر، وهي قصيدة عمرو بن كلثوم بعد أن «أدّب» غريمة ملك الحيرة:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً
ويشرب غيرنا كدراً وطيناً

مناسبة القول، هو تجاذب منحنى العلاقات المغربية الجزائرية المغربية على مستوى هرم الدولة، بين دسائس جينرالات الجزائر وردود فعل الدولة المغربية، والتي مرت تاريخيا من مرحلة التعاون المشترك ضد الاستعمار، إلى الحروب المباشرة، إلى غلق الحدود إلى الصراعات الديبلوماسية إلى الأحلاف الكبرى بالمنطقة مؤخرا.. وقد أثار تصريح العمامرة ممثل الديبلوماسية الجزائرية في اجتماع دول عدم الانحياز حيث أصر على تقسيم المغرب واقتطاع أراضيه وضرب وحدة المغرب الترابية، حفيظة السفير المغربي عمر هلال، هذا الأخير الذي استعمل نفس خشونة اللغة الديبلوماسية، محاكاةً لمعلقة الشاعر عمرو بن كلثوم ردا على هذا الانتهاك الصارخ لوحدة المغرب في منتظم دولي رسمي، بنفس أسلوب قصيدة رد ابن كلثوم على ملك الحيرة :
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
حيث أسال تصريح الديبلوماسي المغربي مدادا كثيرا حول مسألة القبائل ومدى إمكانية تقرير مصيرها.

إن الحروب الديبلوماسية بين البلدان تستعمل وسائل الضغط وحشد التأييد الدولي والشعبي لهذا الموقف أو ذاك، ومحاولة إقناع المنتظم الدولي بطرحٍ ما وكذا مَأْزَقَةِ الطرف الآخر.. وتحظرني في هذا السياق تدخلات ممثل الديبلوماسية السورية الجعفري في الأمم المتحدة، دفاعا عن وحدة أراضي سوريا ضد التدخل الخارجي، بكل الفصاحة والذهاء اللازمين، وهو بروفيل ناذر يجمع بين المبدئية وسرعة البديهة في التعاطي مع المستجدات اللحظية.

إن خطاب الملك الأخير، عاد للتذكير بالمبادئ الكبرى لحسن الجوار بين الشعبين المغربي والجزائري الذي لن يستقيم إلا بمقدمة فتح الحدود بين البلدين، والبناء المشترك للمغرب الكبير في احترام للوحدة الترابية للبلدين، وهو مسار متكامل مع الديبلوماسية المغربية. فهل ستسلك قيادة البلدين هذا المسار الوحدوي بين المغرب والجزائر.. ونُنْزِلَ معلقة ابن كلثوم عن ستائر الكعبة..؟ رغم أنها حاضرة في قيم الشرف والانتماء.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube