محمد دينية

أقالت الحكومة الفرنسية إماما بسبب قراءته على منبر خطبة عيد الأضحى هذه الآيات: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” الأحزاب 59. وعللت الحكومة هذا القرار بكون فعل الإمام يتعارض مع قوانين الجمهورية وأنه يدعو إلى التمييز بين الجنسين!! فقوانين الجمهورية تنص على حرية الاشخاص في ارتداء ما يريدون من لباس حتى لو كان لاشيء بالمرة، وفي اعتقاد ما يريدون حتى لو كان ما يريدون عبادة الشيطان ذاته، وفي أكل ما يريدون حتى لو كان الجيفة والبراز، وفي شرب ما يريدون حتى لوكان بول الحمير .. لكن أن تلبس المرأة لباسا يظهر أنها مسلمة فتغطي مثلا رأسها أو وجهها فهو متناقض مع قوانين الجمهورية، داع الى التمييز !! فرنسا التي يقال عنها إنها بلد الأنوار أنوار روسو ومنتسكيو، وأنها عاقلة عقل ديكارت الذي لا يؤمن بشيء إيمانَه بالعقل والمنطق وأهمُّ مبادئ المنطق عدم التناقض. فرنسا هته، أيها السادة، تنادي بالحرية والقيد في نفس الوقت، وهما على طرفي نقيض، فإما أن فلاسفة الأنوار كانوا يقصدون بالمنطق الذي اعتمدوه في فكرهم وفلسفتهم “السفسطةَ” وهي كما تعلمون، أن تبرهن على أن الأبيض أسود وأن الكبير صغير وأن الوجود عدم، أو أن الحكومة الفرنسية ومَن وراءها مِن المنظرين لم يفهموا فلسفة الأنوار التي انبنت عليها قوانين الجمهورية وعليهم أن يعودوا الى مدرجات السوربون ليدرسوا ديكارت في “قواعد المنهج” أو منتسكيو في “روح القوانين” .. لكن كيف علمت الحكومة الفرنسية بما قرأه الإمام وكيف فهمته هل يجوز لها التجسس على أقوال الناس وحركاتهم وأفعالهم ومعتقداتهم ؟ تلك قضية أخرى تتنافى مع أبسط قواعد الديموقراطية التي تتأسس عليها الجمهورية.. ثم أليس ما قاله الإمام هو خطاب موجه للمسلمين، وهو داخل في أسس دينهم، وبه يتميزون عن غيرهم من الملل، ولا يضرون به أحدا من اولئك الملل، فما شأن الحكومة الفرنسية به إلا أن يكون فعلها تدخلا في خصوصيات الآخرين، وهو أيضا تمنعه قوانين الجمهورية. فلعلها حينئذ تمنع النباتيين من الاقتصار على أكل النباتات وتفرض عليهم قسرا أكل اللحوم، وتمنع على المثليين معاشرة أمثالهم وتفرض عليهم معاشرة الجنس الآخر، وتمنع على الملحدين إلحادهم وتلزمهم بالإيمان، وتمنع على من يعتقدون خرافة بابا نويل اعتقادهم في هداياه، وتمنع على المؤمنين ببركات “lourdes” وقدرته على شفاء الأمراض، حجَّهم إليه طلبا للشفاء… يبدو أن الأمر ليس أمر قوانينِ جمهورية أو تمييزٍ بين الجنسين إذ لو كان هدف القرار حمايةً للنساء وإنصافا لهن لاستنكرت فرنسا استغلال إسبانيا لعاملات التوت في بيوت البلاستيك في ألمرية الإسبانية، أولاستنكرت قتل المسلمات وهن حوامل في نينمار، بدون ذنب ارتكبنه سوى أنهن مسلمات، أو لأدانت ما فعله الصرب بمسلمات كوسوفو من إبادة جماعية تقشعر له الأبدان، او لأوقفت إسرائيلَ عن منعها الفلسطينيات من الصلاة في الاقصى بعد تدمير بيوتهن ومدارس اطفالهن ومستشفيات مرضاهن!! ليس الأمر إلا كراهية للآخر الذي هو نحن، وهو مبدأ تحرمه قوانين الجمهورية، لكنها تمارسه ضدنا في استثناء عجيب تحمر له خجلا وجنات فلاسفة الأنوار.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube