أحمد الحطاب

تغيَّر العالمُ و لم يتغيَّروا. تغيَّر شعبُهم و انتفض و لم يتغيَّروا. تغيَّر محيطُهم القريب و لم يتغيَّروا. تطوَّرت الأفكار و أفرزت عالماً جديدا و لم يتغيَّروا. سقط جدار برلين و لم يتغيَّروا. سقط الاتحاد السوفياتي و لم يتغيَّروا. تراجع سِعرُ النفط و لم يتغيَّروا. تزعزعت فينيزويلا و تُفكِّر كوبا في التَّغيير و لم يتغيَّروا. تصدَّعت جنوب إفريقيا و لم يتغيَّروا. هبَّت الرياح بما لا تشتهيه سفنُهم في تيندزف و لم يتغيَّروا. عاش و يعيش مواطنوهُم الويلات اجتماعيا و اقتصاديا و لم يتغيَّروا. تغيَّر التَّغيير و لم يتغيَّروا.
هذا هو حال الطُّغمة الحاكمة في الجزائر! كل شيء يتغيَّر أمام أعينها و فِكرُها و تفكيرُها متحجران و سجينان داخل قوقعة لا ينفذ لها التغيير كيفما كان. بل إن هذه الطُّغمةَ لها دبلوماسية (إن كانت لها دبلوماسية) تعيش و تنام و تصحى على قضية واحدة و وحيدة، هي تقرير المصير فيما تُسمِّيه الصحراء الغربية. قضية مسخَّرة، أولا و قبل كل شيء، للإساءة و للعداء للمغرب. بل إن بياديقَ خارجية الطغمة الحاكمة يلوِّحون بهذه القضية أينما حلُّوا و ارتحلوا، بمناسبة و بغير مناسبة. قضية أعمت بصيرةَ هذه الطُّغمة إلى حدِّ أنه لم يعد حكامها يتأثرون بجوع و عطش و صحة الشعب الجزائري. قضية جعلتهم يعمهون في طغيانهم و يتصرفون تصرفا لا يفرق بين الخطإ و الصواب و بين الخبيث و الطيب و بين الباطل و الحق… كل ما من شأنه أن يسيء للجار، فهو جائز و لا أحد يكلف نفسَه عناءَ تمريره من مصفاة حسن الأخلاق و حسن الجوار.
لقد عرف التاريخ أنظمةً سياسيةً شموليةً برعت في تبنِّي سياسة “ولو طارت معزة”، في أوروبا الشرقية، في أمريكا اللاتينية، في العالم العربي و في آسيا. لكنها، في نهاية المطاف، إما تراجعت عن شموليتها و إما أرغمتها شعوبُها على هذا التراجع و إما لا تزال متماديةً في تعنُّتها. و أعْتَدُ هذه الأنظمة السياسية، النظام الشمولي لكوريا الشمالية. و رغم تشبته بسياسة “ولو طارت معزة”، فإنه استسلم للواقع و فتح حوارا مع الولايات المتَّحدة في عهد دونالد ترامب.
إلا الطغمة الحاكمة بالجزائر، فإنها أصبحت سجينة سياسة “ولو طارت معزة”، بل إن وجودَها لا معنى له بدونها. و لن تستطيع التَّخلِّي عن هذا النوع من السياسة لأنها ربطته و تربطه بمباديء واهية من قبيل الأنفة و الرجولة و النيف كما يقول الجزائريون و الدفاع عن المستضعفين في تقرير مصيرهم، لاعِبةً دورَ دون كيشوط Don Qichotte هؤلاء المستضعفين. و الغريب في الأمر أن الطُّغمةَ الحاكمة في الجزائر لم يُصِبها تعبٌ من جراء ممارسة سياسة “ولو طارت معزة” طيلةَ أكثر من 45 سنة و لو أنها تسقط بانتظام في مواقف غبية و متناقضة مع الواقع الواضح وضوحَ الشمس. متناقضة مع واقع يتغيَّر باستمرار دون أن يشعر هؤلاء الحكام بأنهم يسيرون بالبلاد إلى الهاوية اجتماعيا و اقتصاديا. لمتذا؟
لأسباب بسيطة منها على الخصوص : 1.اعتبار كل ما يخالف قضيتَهم الواحدة و الوحيدة، التي يحيون من أجلها، مخالفا للصواب و لتعنُّتهم. تعنَّتٌ يعمي عقولَهم إلى حد اعتبار كل هزيمة انتصارا بشكل مخالف للعقل و المنطق. و ذلك لأن لهم دماغا و لا يفكرون به و لهم أعينٌ و لا يرون بها. و لهم آذان و لا يسمعون بها إلا ما يتماشى مع تعنُّتهم.
2.كلما زاد تعنُّتُهم، كلما ظنوا أنهم حققوا و يحققون بطولاتٍ ناتجة عن شجاعتهم و جُرأتهم و رجولتهم. 3.اعتبار النقد الموجَّه إليهم انتقاصا من شجاعتهم و رجولتهم و جُرأتهم و بالتالي، فإنهم لا يواجهون هذا النقدَ بالعقل، بل بالاندفاع الغريزي ليبيِّنوا للآخرين أنهم هم وحدهم القادرون غلى تسيير البلاد و تدبير شلونها. 4.التَّعنُّت وسيلة يلجأون لها ليصرفوا اهتمامَ الشعب الجزائري عن الوضع الكارثي الذي وصلت إليه البلاد اجتماعيا و اقتصاديا.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube