أحمد رباص – حرة بريس

أتعجب كثيرا من الثقة العمياء التي يضعها بعض المتتبعين في أشرطة الفيديو التي تنشرها قنوات على موقع التواصل الاجتماعي يوتوب. ما يبرر هذا التحفظ هو خلو هذه الاشرطة من إشارات واضحة تدل على اكتسابها نصيبا من الصحة والموضوعية. مجرد كلام فارغ غير مدعم بوقائع موثوقة وموثقة، ومن غير المستبعد أن يكون مفبركا ومن صنع الخيال تماما مثل سيناريو سينمائي منجز بتواطؤ مستور بين صاحب(ة) القناة وبين من يدعي انه بطل القصة المسرودة أو ضحيتها، لا فرق.
غالبا ما يلجأ ناشرو مثل هذه المواد السمعية-البصرية إلى استغلال العاطفة والسذاجة وحاجة الناس البسطاء للاستماع إلى قصص اجتماعية مؤثرة، لكنها خيالية ومفتقدة لأحكام موضوعية وغاصة بالأحكام المسبقة التي سرعان ما تنهار أمام أبسط وأصغر سؤال.
وحتى لا ابقى سجين كلام عام وفضفاض، سوف أسوق لكم شريط فيديو كنموذج دال على هذا التحايل وهذا العزف على الوتر العاطفي سعيا وراء كسب عدد كبير من المشاهدات واللايكات.
يتعلق الأمر بشريط فيديو نشر على اليوتوب تزامنا مع دنو حلول ميعاد عيد الأضحى. يظهر من معطيات هذا الشريط وغنة صاحبة القتاة أنها تتحدر من مدينة فاس، شأنها في ذلك شأن الفتاة التي تحكي قصة غرامية انتهت بنهاية مأساوية.
بدأت الفتاة الفاسية حكايتها وهي تتكلم دون أن يظهر وجهها على الشاشة.
كان أول ما فاهت به انها فقدت الثقة في جميع الرجال ومن ضمنهم ابوها، وكأن لا وجود لرجل على وجه الارض له نفس الإحساس تجاه النساء، ولو أنه قد يستبعد حشر أمه في جملتهن.
قالت الفتاة أنها ولدت بمدينة فاس لامراة تلزم بيتها ورجل يمتهن الصناعة التقليدية في محل بعيد شيئا ما عن المنزل. ثم أخذت تتحدث عن مراهقتها وجمالها الذي أثار إعجاب الرجال المتزوجين في حيها، مفتخرة بسواد شعرها وبياض بشرتها ومدعية الاحتفاظ برونق شكلها حتى وقد تجاوزت المحنة ومعها سنواتها العشرين.
بحكم أنها هي البنت البكر في الأسرة وبلوغها سن اربعة عشر ربيعا، اعتادت أمها تكليفها بقضاء بعض المآرب خارج البيت كجلب بعض المقتنيات من عند البقال أو الذهاب إلى محل أبيها لغرض ما.
ذات يوم، صادفت عند أبيها شابا أنيقا ووسيما يكبرها بعشر سنوات. أعجبت به من أول نظرة وخطف لبها، خصوصا بعد أن أخبرها أبوها بأنه كان “متعلم” عنده وبأنه على خلق جميل.
مع مرور الأيام، توطدت العلاقة بين العشيقين واستمرت زهاء خمس سنوات، خاصة بعد أن اشترى العشيق لعشيقته هاتفا ذكيا من أجل ضمان التواصل معها عبر الواتساب. وهكذا اتفق الإثنان على الزواج مباشرة بعد حصول بطلة القصة على شهادة الباكالوريا.
ها قد صارت البطلة/الضحية جائزة على الشهادة المأمولة، ولكن حبيبها اختفى عن ناظرها وكان الأرض ابتلعته. غيابه غير المبرر حير العشيقة وجعلها فريسة للشك في أمر عشيقها. وبينما هي على هذا الحال إذا بها تصادف ذات يوم إحدى النساء من اللواتي يعرفن الشاب عن قرب، لتخبرها بأن خطيبها مشغول الآن بعرس زفافه مع فتاة اخرى تقطن بمدينة مكناس.
عند هذه النقطة، انتهت القصة بتجرع الضحية مرارة الخيانة والغدر من أقرب الناس إلى قلبها ومن الذي كان قبل لحظات فارس أحلامها.
في الأخير، يحق لي طرح بعض الأسئلة: هل هذه قصة واقعية أم من نسج الخيال؟ وما هي ضمانات صدقيتها؟ ومن أدراني، قد تكون قصة مفتعلة نتجت عن تواطؤ مسبق بين بطلة القصة وصاحبة القناة؟ ولهذا، ادعو الناس إلى توخي الحذر من مثل هذه القصص الزائفة التي يتقن اصحابها الإيحاء بالواقعية و العزف على الوتر العاطفي الحساس.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube