منعم وحتي.

إن فيدرالية اليسار من التجارب الفريدة في تاريخ المغرب، فيما يخص تجميع أحزاب وتوجهات ومكونات يسارية قائمة في دينامية نضالية واحدة، والاشتغال الحثيت لتركيز التقاطعات ونسج شبكة تراكمية للعمل المشترك، وقد استطاعت إنجاز مهام هيكلة وطنية وصياغة ورقة سياسية مشتركة وأرضية تنظيمية أولية لإعطاء التحالف بعداً أكثر تقدماً، يهدف خلق هياكل تنظيمية لتقريب وجهات النظر وتسطير برامج عمل مشتركة ولحم العمل الوحدوي على صعيد المناطق، ليكون البناء قاعدياً في تسطير المعارك المحلية.

فالإعدادات التي تتم بشكل متكاثف مؤخراً في أفق الوحدة الاندماجية التنظيمية، تهدف فتح نقاش نصف داخلي، من خلال لجنة تحضيرية نوعية تهم مناضلات ومناضلي فيدرالية اليسار الوحدويين الحاليين وأيضاً انفتاحاً على المحيط اليساري الديمقراطي لفيدرالية اليسار، والذي يهم الفاعلين اليساريين العضويين والمجموعات اليسارية الفاعلة، هو ورش فكري مهم جداً يهدف تحيين الورقة السياسية للفيدرالية بحيث تجيب على المتغيرات الراهنة وتدقيق رؤيتنا السياسية برنامجياً في أفق التغيير الديمقراطي المشترك بالمغرب والقراءة الموحدة للوضع الدولي، ولن يتم ذلك إلا بالجزء الثاني والأساسي أيضا وهو المؤطر للجزء الأول، ويتعلق الأمر بورش تدقيق التصور المرجعي والهوية الفكرية لفيدرالية اليسار والذي سيكون بوصلة بقية الأوراش الداخلية.

إنه نقاش مفصلي يمكن أن يكون موجِّهاً أساسياً لبقية الورشات المطروحة داخليا حول الأرضية التنظيمية المشتركة، وكذا سبل هيكلة القطاعات بمضمون نضالي فعال يوسع القاعدة الجماهيرية الواعية لفيدرالية اليسار، وفي مقدمة هاته القطاعات والفئات : الشباب والنساء والعمال والأطر والمهنيين والمثقفين والمبدعين،…

هذا الورش الفكري الواسع ستكون مقدمته ندوة وطنية موسعة في محيطنا الداخلي والنصف داخلي، لكن الأساسي هو فتح ورش تدقيق التصور الفكري والسياسي محليا، خصوصا وأن دينامية هيكلة فيدرالية اليسار على صعيد كل مناطق المغرب محليا توسعت ببرمجة زمنية تهم كل ربوع الوطن، وبسقف زمني لبناء تنظيمي محلي قوي هو الرافعة الأساسية لأي اندماج مستقبلي.

إن جدلية الفكري والسياسي والتنظيمي تتطلب منا شحد أدواتنا النظرية وقراءة الواقع ومتغيراته بشكل جيد، ولنا من الطاقات النضالية والكفاءات المعرفية خزان كبير لإنجاز مهام تحيين أوراقنا وتقديم رؤية يسارية متكاملة لآفاق الاندماج والتغيير الديمقراطي المنشود.

ما أصعب أن يفقد البعض البوصلة في قراءة مرحلة سياسية دقيقة، ولا يبقى عند ذلك إلا التيه والتمسك الماضوي بجثت مؤسسات قديمة ونوسطالجيا سلفية تعود لعقود خلت، ألا يجدر بنا تفكيك معطيات الواقع والشروط الموضوعية الآنية دون بكائيات مرحلة المد الجماهيري والسياسي السابقة ولا التنطع على الواقع الملموس برومانسية، فالمشروع المستقبلي من المفروض أن يكون متجددا بتفاصيل تمرحله المادي وبسند الشباب والنساء كخزان منتج ومبدع بنبض الواقع ونَفَس المستقبل.

إنه من المطروح على فيدرالية اليسار، في إطار تفاعلات المعركة الانتخابية، أن يعي مناضلوها سمات المرحلة التي يعتمل فيها فعلهم الوحدوي لحسم الموقف بشكل علمي، والتي تتميز بخمس محددات أساسية :

1) سياق المرحلة الحالية يتميز بجزر سياسي عكس مرحلة المد التي عشناها إبان حركة 20 فبراير، والتي قاطعنا فيها الدستور الممنوح.
2) ارتباك دار المخزن فيما يخص حسم سيناريوهات المرحلة الحالية، رغم تحكمها الاستبدادي.
3) احتقان اجتماعي وفورة جماهيرية خارج تأطيرنا الفعلي.
4) تميزنا بالنقاء السياسي والفكري غير المفعل ميدانيا.
5) محيط دولي يتفاعل في إطار مرحلة انتقالية متسارعة و مضببة المعالم مستقبليا.

لهذا يكثر اللغط الداخلي والخارجي مع اقتراب كل عملية انتخابية داخل أطياف اليسار المناضل، بين الجذب نحو المقاطعة كخيار دائم وطهراني لدى البعض، وخيار مشارك دائم وأوتوماتيكي لدى البعض الآخر، إن النقاش الهادئ داخل فيدرالية اليسار خلص إلى اعتبار الانتخابات لحظة مهمة جدا للنزول بثقل اليسار لمعركة إشعاع مشروعه، وفي الآن ذاته لحظة عابرة في المعركة الكبرى للنضال الديمقراطي الجماهيري.

إن حرب المواقع التي تخوضها لوبيات الخريطة المخزنية الحالية، وبعض “الحساسبية” قصيري النظر من خلال التحضير للعملية الانتخابية، وكذا محاولة الدولة إدامة سيطرتها على تسيير الشأن المحلي والجماعي والبرلماني، وهو ما يفرض على الفيدرالية معركة بمنطق تجاوز المقعد الشاغر في انتخابات القرب الجماعية والتي تهم تسيير الشأن المحلي للمواطنين، والإعداد الجيد لمشروع تشريعي يقدم للمواطنين قبل الخصوم، إن مدخل المعركة الانتخابية بالنسبة للفيدرالية يتمثل في الدخول في حملة نوعية قوية، تهدف إلى إنزال تصورنا الديمقراطي وقيم اليسار وبرنامجه.

لا بد أن هواجس الآلة المخزنية الفاسدة لقطع الطريق على صعود أي حركة يسارية حقيقية لتدبير الشأن العام، حكمت بعض القراءات للفصول المنظمة للعملية، في محاولة لاستهداف الفيدرالية لتقدمها بلوائح مشتركة في الاستحقاقات، وكذا الهوس النرجسي لبعض حلفائنا في الانكفاء على الذات بدل تقوية البيت اليساري، لهذا فمن المهم الدفاع على التقدم بتكتل يساري قوي ووحدوي في الانتخابات، أخذا بعين الاعتبار الطروحات التي تخص إرساء تشريعات عادلة والدفاع عن المعيش اليومي للناس وإرساء ديمقراطية محلية بنموذجنا اليساري، دون نسيان الانتخابات المهنية التي تهم قطاعات انتاجية حيوية، وواهم من يحمل شعار المشاركة النضالية فقط، لأن الدخول للمعركة الانتخابية يستلزم بالضرورة الصراع بقيمنا الديمقراطية النظيفة من أجل المقاعد وثقة الناس.

إن ارتكاز فيدرالية اليسار على أدبياتها بتبنيها للنضال الديمقراطي الجماهيري، لن يستقيم إلا بالتأسيس وفي القريب العاجل للمؤتمرات الوطنية القطاعية المرتبطة بالفيدرالية، والتي تهم الشباب، توحيد فصائلنا الطلابية، النساء، الصحة، المهندسين، الأطر، المثقفين، المبدعين، المهنيين، المجتمع المدني… نكون رافعتها الأساسية كفيدرالية لتحريك النضالات الجماهيرية التي تهم الحقوق الاجتماعية والثقافية، الاقتصادية،.. للمغاربة، والتي تنتهكها بشكل ممنهج الأدوات المخزنية شبه الحاكمة، وستبقى الاستراتيجية الأساسية للفيدرالية امتلاك قاعدة خلفية ولوجيستيكية للمعارك الجماهيرية المقبلة، تتقاطع وتتناغم مع المعارك النقابية والجماهيرية العادلة.

خلاصات للمستقبل حول تقييم التجربة الانتخابية السابقة:

إن مساراً يرسم ملامح يسار المستقبل، يتطلب تعديل خطواته بشكل علمي، وهو تقييم وتقويم ضروري لتجاوز أعطاب الحركة، فيما يلي 10 تدقيقات في المعركة الانتخابية المقبلة لفيدرالية اليسار :

1- إن العزوف على المشاركة والذي وصل إلى حدود مهولة، نسبه غير مشكلة بالضرورة من مقاطعين ومناصرين واعين بمشروع التيارات المقاطعة للانتخابات.

2- إن الخزان الانتخابي المخزني والأصولي ثابت وفي اتجاه الانحدار مقابل تزايد جيش العازفين عن الانتخابات، والعزوف غير المقاطعة الواعية بمراميها.

3- إن الخزان الانتخابي المناصر لمشروع فيدرالية اليسار في تزايد، لكنه غير مترجم بالممارسة التي تقتضي التسجيل في اللوائح الانتخابية وممارسة حق الاختيار بالتصويت.

4- إن آليات اشتغال مناضلي فيدرالية اليسار انتخابياً من الضروري أن تتغير، بتطوير أداء الآلة الانتخابية محليا ومركزيا من ناحية الدعاية الميدانية.

5- إن العامل المادي واللوجستيكي والوسائط الجماهيرية للقرب مع المواطنين محددة في التواصل الانتخابي.

6- إن الدعاية المضادة من داخل أحزمة اليسار، والتي تخلق جواً من البلبلة حول الأهداف الكبرى من إيصال مشروع اليسار عبر المعركة الانتخابية، تقتضي معركة توضيح حول المرامي الانتخابية لليسار.

7- إن لوائح الفيدرالية من الآن يجب فتح التداول فيها مع كل اليسار النظيف والديمقراطيين والتقدميين الوحدويين، بآليات تنظيمية مرنة لا تخل بمبادئ مشروع اليسار الفيدرالي.

8- إن مركز ثقل المعركة الانتخابية يجب أن يتحول من المركز الذي حققنا فيه نسبا محترمة إلى المداشر والقرى والهوامش، فتغطية كل المكاتب يمكن أن تحد من إغفال مراقبة اكتساح التزوير للنتائج في المناطق البعيدة غير المغطاة تنظيميا.

9- إن وضوح البرنامج والمرامي بدقة مسألة أساسية، لكن طبيعة بيئة الاشتغال تتطلب إيلاء أهمية قصوى لطغيان الروابط القبلية والعائلية كموروث لأخذه بعين الاعتبار، في تشكيل نخب ديمقراطية ويسارية لتدبير الشأن المحلي.

10- إن لحظات تقييم أداء المحطات الانتخابية السابقة، مفصلية، ليس لاستنباط الدروس العامة فقط، لكن بدراسة مرقمة وحسابية لتطور تأثير مشروعنا اليساري، بقاعدة بيانات وبمؤشرات للمتابعة عن النتائج، فدراستها بدقة تفتح مجال تعديل المسار.

إن النضال الديمقراطي الجماهيري الذي اختارته فيدرالية اليسار سبيلا للتغيير المجتمعي، الانتخابات جزء من معاركه المهمة، بجانب واجهات نضال الشارع والتعبئة النضالية في بقية القطاعات العمالية والشبابية والنسائية والجمعوية…، وكذا القراءة المشتركة لطرق تعاملنا مستقبلا وفق الموقف السياسي الجماعي من المعارك الجماهيرية للمغاربة.

إن إعلاء اللواء الوحدوي للرسالة في اللحظة أكثر فعالية من لعنة الظلام، فلنفعل تبنينا للنضال الديمقراطي الجماهيري على الأرض.

ملحوظة : يجب أن يكون بيت فيدرالية اليسار حضنا دافئا لبنات وأبناء المغاربة الذين يخوضون معارك مبدئية لبناء اليسار الحقيقي الوحدوي.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube