أحمد رباص – حرة بريس

بعد أن كانت منبوذة منذ فترة طويلة ومحط انتقادات، استعادت السينما المغربية الثقة في السنوات الأخيرة واستانفت التواصل مع الجمهور.
سجلت حضورا في أكبر المهرجانات، في كل من كان، سان سيباستيان أو مراكش، وصار لها مخرجون معروفون عبر العالم.
عندما نتحدث عن السينما المغربية، لا يسعنا إلا أن نذكر الأسماء التي ميزت، من خلال توقيعاتها، تاريخ السينما المغربية واستمرت ترضي جمهورها بينما خيبت آمال الآخرين.
ومع ذلك، للمغرب ان يسعد بتوفر مكتبته السينمائية على “تحف فنية” وبوجود صانعي أفلام مستعدين لإخراج الفن السابع من سباته.
في الفترة من 1958 و2018، تمكّن المغرب من إنتاج 372 فليما طويلا، كان عددها يتزايد من عشرية لأخرى إلى أن بلغ 20 فيلما طويلا في السنة، خصوصا بعد إحداث صندوق لدعم الإنتاجات السينمائية الوطنية ابتداء من سنة 1980، بالإضافة إلى إنتاج مئات الأفلام القصيرة والربورتاجات السينمائية المتنوعة وغيرها. وبلغ عدد مخرجي الأفلام الطويلة المغربية 172 في هذه الفترة، 149 ذكورا و23 إناثا.
في وثيقة نشرها المركز السينمائي المغربي قبل أشهر تم عرض مكتبة سينمائية مغربية غطت 46 سنة من الإبداع. كانت البداية مع فيلم “الابن العاق” الموقع عام 1958 من طرف محمد عصفور الذي كان في نفس الوقت مسؤولاً عن كتابة السيناريو والصورة والمونطاج. وهذا يدل على قوة إرادة هذا المخرج الطموح الذي يعد اليوم أحد الأسماء الكبيرة في السينما المغربية.
من الواضح أنه منذ ذلك الحين، تم قطع شوط طويل بالتأكيد، مليء بالمزالق نظرا للافتقار إلى المهنيين والرقابة، لكن الرغبة في امتلاك صناعة سينمائية ساعدت نسبيا على تجاوز المطبات.
ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنه إذا تغير الوضع اليوم من خلال المنح وظهور مخرجين شباب تابعوا التكوين الأكاديمي في المغرب كما في الخارج فإن الطريق إلى النجاح لم يكن دائما مفروشا بالورود.
ويستحضر البعض الافتقار إلى الدعاية للترويج للسينما المغربية، والبعض الآخر قلة الإبداع في وقت قررت فيه موجة جديدة من صانعي الأفلام، يسميهم الصحفيون والنقاد “المخرجون ا الشباب”، تجاوز هذا الوضع والاكتفاء بتدبر الأمر اعتمادا على إمكانياتهم الذاتية. نذكر من هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، فوزي بنسعيدي، نرجس النجار، ونور الدين لخماري …
من خلال التطور والابتكار، كانت النتائج سارة للغاية. تم تتويج أول فيلم روائي طويل لمحمد عسلي بعنوان “في الدار البيضاء، الملائكة لا تطير” في جميع المهرجانات التي تم عرضه فيه. وكانت الإشكالية التي تناولها واضحة وحقيقية لأنها اهتمت بإحدى آفات المجتمع المغربي منذ سنوات وهي الهجرة من البادية الى المدينة ونتائجها. كانت بحق هجرة اقتصادية إلى الدار البيضاء ليضمن رب الأسرة مستقبلا أفضل لأبنائه، لكنها كانت رحلة صعبة وأحيانا بلا فائدة.
والحق يقال، فقد بث هذا الفيلم حياة جديدة في السينما المغربية من خلال جمال حواراته ومناظره الطبيعية وفي نفس الوقت خطورة الموقف الذي يؤدي إلى نهاية درامية.
طيلة شهر بأكمله، برمج معهد العالم العربي في باريس دورة حول موضوع “صانعي الأفلام العرب ومدنهم” حيث ظهر ان المكتبة السينمائية المغربية في هذا الباب تحفة فنية جميلة متعددة الألوان.

سواء كانت الدار البيضاء من خلال رؤية لقطع أو طنجة بعين الجيلالي فرحاتي، تحدثت المدن المغربية من خلال سكانها عن نفسها، فسح لها المجال للتعبير عن نفسها، بفجوات في بعض الأحيان، مثلما حدث لصانعي الأفلام الذين أصروا على جعل شخوصهم تتحدث باللغة العربية الفصحى، مع العلم أنه لم يكن هذا هو الحال في مجتمعنا حيث تستمر الأمية.
ما الذي يجعل الحوار يفقد كل جماله. وإذا كان الجيل الجديد من المخرجين السينمائيين قادرين على تحقيق التجديد ، فإنهم يظلون مرتبطين بشروط المستثمرين الذين يريدون، من خلال تمويل مشروع ما، أن يكون لهم عائد اقتصادي قبل كل شيء، دون أن ننسى أن رؤيتهم للمجتمع ليست بالضرورة صحيحة، ما جعل الاتجاه يميل إما نحو التجاري أو الفلكلوري او إعادة تشكيل للمغرب. تلكم واحدة من أكبر المضايقات التي تعترض السينما المغربية، التي رغم ذلك تمتلك كل أسباب النجاح. هذا ليس خطأ المخرجين بل خطأ المؤسسات الرقابية التي لا تجعل من السينما أولوية.
على هامش مهرجان الفيلم الفرنكوفوني الأخير في آسفي، تحدث نور الدين لخماري في نقاش حول الصورة التي تلخص السينما المغربية حيث قال: “الصورة لغة فريدة … الشخصية التي لا تتطور لا يمكنها المضي قدما. لم يعد لدينا خيار “، ويعطي مثالا على ذلك حالة السينما الإيرانية.
يلعب فن التمثيل أيضا دورا كبيرا في السينما إذا اعتبرنا أن الشخصية تولد من خلال الحوار. هذه الموجة الجديدة من الممثلين والمخرجين تدرك ذلك وتحاول العمل من خلال هذه الرؤية التي تعطي العمل أهميته الكاملة.
تتساءل الممثلة المغربية لطيفة أحرار عن هذا الزخم الجديد ومساهمته في تنمية السينما. بالنسبة لها، الممثل يجسد أولاً نوعا أدبيا، ويشكل ثانيا حياة من خلال المخرج.
“الممثلون أكثر نشاطًا اليوم. لديهم انعكاس على الفيلم والشخصية.” كل شخص هو كتلة من التناقض” ويرتبط بما هو رئيسي في لعبة الممثلين، ألا وهو كيفية عكس المجتمع من خلال التأكيد على وجود الطفل الذي هو بالتأكيد مهم للغاية ولكن حضوره يظل ضعيفا.
سواء تعلق الأمر بسينما الستينيات أو بسينما اليوم، كانت الرسائل المنقولة بشكل عام ذات أهمية كبيرة. كل موضوع له أهميته، لكن المشكل يكمن في طريقة عرضه والوسائل الموضوعة للقيام بذلك.
من الواضح أن الأمر استغرق وقتًا طويلاً لإدراك ذلك، لكن النتيجة موجودة. والدليل هو تعدد المهرجانات التي هي فرصة للتعريف بالسينمات الأخرى وتبادل واسع النطاق وأيضاً هذا النفس الجديد المنبعث من المركز السينمائي المغربي الذي يهدف إلى إنتاج 24 فيلماً روائياً و 40 فيلما قصيرا في كل سنة، بحسب ما قاله مسؤول في إدارة المركز.
مهرجان مراكش هو أحد هذه البراهين على النضج ليس للسينما ولكن لفنانيهاالكومديين ها لأننا نجد أنفسنا في دائرة حيث كل شيء مرتبط. ومع ذلك، يمكننا أن نأسف لأن هذا المهرجان لا يولي أهمية كبيرة للإنتاج المغربي. هل هناك نقص في الإنتاج الجيد أم لأننا نحاول إدخال سينما أخرى إلى المغرب؟
سواء كانت المدينة الحاضنة هي مراكش أو طنجة أو آسفي أو خريبكة، فإن مربط الفرس بالنسبة لهذه اللقاءات هو السينما بكل مكوناتها.
في انتظار مزيد من التألق والنجاح، لنعبر عن ترحيبنا بجودة إنتاج بعض مخرجينا العاشقين للسينما المغربية التي تثبت الآن قيمتها في أركان العالم الأربع.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube