د. محمد الشرقاوي – واشنطن

أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقا.

قليلون هم السّاسةُ ورجال الدولة الذين يقبلون النقد خاصة في المنطقة العربية. ومن النّادر أن يتحلّى أيّ منهم بالشّجاعة الفكرية أو جرأة النّقد الذاتي خشية أن يتدفّق الحبر حول حقيقة تركتهم على صفحات المقالات والدراسات الأكاديمية. لكنّ أريحية عبد الرحمن اليوسفي وتصالحه مع قناعاته الذاتية كانا حافزيْن للقيام هو بنفسه بتقييم أوّل حكومةِ تناوبٍ رَأَسَها في المغرب بين 1998 و2000. فقد عايش شتّى المحاور والتحالفات السياسية المؤيدة والمناوئة في خضم جدلية سياسية بين الملكية والمعارضة اليسارية وبقية الأحزاب، تمتد تاريخيا حتى أوّل حكومة بقيادة البكاي بن مبارك الهبيل في المغرب المستقلّ عام 1956. وجسّد اليوسفي هذا المنحى النقدي خلال محاضرته في بروكسيل أمام حشد من أفراد الجالية المغربية المقيمة في بلجيكا يوم الثلاثاء 25 فبراير 2003، بعد أشهر قليلة من نهاية رئاسته لحكومة التّناوب، وعدم رضاه عن أحوال الاتحاد الاشتراكي آنذاك.

في نَعْيٍ تلقائيٍّ كتبتُه يوم وفاته قبل عام بعنوان “آخر الوطنيين الكبار: أيقونة اليسار بين تجارب السجن والنفي ورئاسة الحكومة”، قلتُ إنّ رحيل اليوسفي “ينمّ عن أكثر من مغزى، ويستحضر أكثر من مفارقة ليس في العمل الحزبي وتقلّبات السّياسة فحسب، بل وأيضا في تحديد مدى العلاقة العضوية بين السّيرة الذاتية للإنسان الملتزم بأفكاره ومواقفه وصنع التاريخ الحقيقي فوق اعتبارات التأريخ البنيوي بمقاسات رسمية. بين 1924 و2000، اختزلتْ حياةُ اليوسفي الكثير من التفاعلات والتقاطعات داخل المثلث الممتد بين أضلاع ثلاثة: أوّلها، التاريخ كما تسطّره الروايات في المقرّرات الدراسية، وثانيها، صلة الذات بأحداث المرحلة أو Historicity. وثالثها، التاريخانية أو Historicism التي تتمسّك بأنّ العقل البشري لا يدرك إلاّ ما يصنع، أي تلك المنشآت التي تكوّن العالم التاريخي”، وأنها “موقف أخلاقي يرى في التاريخ، بصفته مجموع الوقائع الإنسانيّة، مخبرا للأخلاق وبالتالي للسياسة”، كما يقول عبد الله العروي.

واليوم، لا أتمكّن من زيارة قبر اليوسفي ومناجاة صمته عن قرب، لكن أستحضره بسريالية الحديث مع الموتى الأحياء ومجالسة من ينطق بالتزامه الفكري المعهود ويحمل الهمّ الوطني حتى داخل قبره. وأتمعّن مجدّدا في جملة من الخلاصات التي عبّر عنها في محاضرة بروكسيل قبل ثمانية عشر عاما. وليس استحضارُ روحِ اليوسفي وفكرِه في هذه المرحلة من قبيل مناجاة ماضوية، أو تخليد ذكرى عهد قد ولّى أو رجال قد رحلوا، أو التشبت بأطلالياتٍ متواريةٍ عن راهنية المرحلة، بل هناك حاجة لتحيين فكر الرجل وغيره من صفوة المثقفين ورجالات الدولة المخلصين لمصلحة المغرب. ويمثل وفاء هؤلاء الرّاحلين الباقين لعهدة المغاربة حكمةً في حدّ ذاتها، وبناءًا معرفيًا وتجريبيًا يستند إلى الممارسة الميدانية بين تجارب النضال ضد فرنسا، والتعامل مع المخزن في فترات عصيبة، وعزلة السّجن والنّفي لسنوات، وتولّي مسؤولية الحكومة في مرحلة مفصلية بين حقبتي وراثة العرش بين ملكين من الحسن الثاني إلى محمد السادس.

عندما يصلنا صوتُ اليوسفي اليوم هامسًا بضرورة الانتباه إلى أكثر من تحدّ في الداخل، وأكثر من أزمة مع الخارج، فإنّ من أهمّ ما يحيلنا إليه هو فلسفة “المنهجية الديمقراطية”، أحد أعمق المفاهيم التي تبلورت لديه خلال عقود متلاحقة في العمل الوطني والمعارضة وتسيير أول حكومة تناوب في مرحلة حاسمة، وهو القائل “كان قبولنا بقيادة تجربة التناوب مخاطرة أخدنا فيها في الحسبان المصلحة الوطنية وليس المصلحة الحزبية.”

يظلّ بعيدا عن تنميط المخزنة التي ينغمس فيها أغلب القادمين الجدد إلى كرسي المسؤولية، ووفيًّا لعدد من معاصريه من مثقفي اليسار الذين تركوا بصماتهم على تاريخ الفكر السياسي والطرح النقدي المغربي عبر مراحل زمنية معينة. فهو يعتبر محمد عابد الجابري “مفكرا عربيا بامتياز تجاوز نطاق المغرب”، وأنه “التزم سياسياً منذ أن كان شاباً، وعمل في صحافة الحزب إلى جانب فقيد الحزب الآخر، الصحافي محمد باهي، وذلك منذ أيام حرب التحرير وحرب الجزائر، ومن ثمة أضحى عضواً في المكتب السياسي. وهنا نسجل له دوره في التهيئة للمؤتمرات الحزبية والمساهمة في قراراتها ووضع الأطروحات الفكرية وبيانات الحزب في القضايا الكبرى”، في آخر مقابلة صحفية له عام 2005.

انتظارية التناوب الديمقراطي

ما يستدعي تحيينَ خُلاصات اليوسفي حاليا هو أهميةُ المقارنة وجدوى التّحليل بشكل متواز بين تجربة التناوب التوافقي التي عاشها المغرب وآفاق “التّناوب الديمقراطي” بعد ثلاثة انتخابات عامة أجريت في أعوام 2007، 2011، و2016، فيما يتّجه المغرب نحو إجراء رابع انتخابات تشريعية بعد ثمانية عشر عاما من محاضرت في بروكسيل. ولم يكن يتحدّث بصيغة الماضي فحسب، بقدر ما تؤكّد تحدّيات المرحلة الرّاهنة أنّه يتحدّث بصيغة المضارع المفتوح على أكثر من رهان، وعلى أكثر من أمل، في الطّريق المؤدّية، كما يفترض اليوسفي، بين “التّناوب التوافقي” و”التّناوب الديمقراطي”. لكنه يتفادى الحديث عن الدور الذي قام به، بقدر ما يفضّل “ترك تقييمه للذين سيحكمون على هذه التجربة من وجهة نظر التاريخ،” على حدّ تعبيره.

تختزل محاضرة بروكسيل عصارةَ فكرِ اليوسفي وتجاربِه في ثلاثة أنساقٍ رئيسيةٍ تختزل أيضا تحديات المرحلة: 1) “المنهجية الديمقراطية”، والانتقال من 2) “التناوب التوافقي” إلى 3) “التناوب الديمقراطي”. وبالنّظر إلى أداء أربع حكومات من أطياف وشيع سياسية مختلفة تعاقبت على عضوية الإئتلافات الحكومية أو تحالفات المعارضة، يبقى الطرح النقدي قائما بين محاضرة اليوسفي عام 2003 وتأمّلاته من داخل قبره عام 2021. واليوم، يتكرّر السؤال ذاته الذي طرحه اليوسفي باسم عموم المغاربة: “لقد عقدنا آمالًا كبيرةً على هذه الحكومة، فماذا تراها حقّقتْ لنا؟”

يحدّد اليوسفي مفهوم “التّناوب الديموقراطي” بأنّه انتقال السّلطة من أيدي مالكها الى أيدي قوّةٍ أخرى يفرزها التّعبير الديموقراطي الحرّ، وهو ما يعني ضرورةَ التّمييز بين شيئيْن اثنيْن في الديموقراطية :أوّلا، المعنى الحرفي أي “حكم الشعب للشّعب”، وهو ما يعني في وقتنا الحاضر حكم الشعب لنفسه بواسطة أولائك الذين ينتذبهم لهذا الغرض عبر انتخابات حرّة ونزيهة. وهذا ما كان يعنيه الفاعلون السّياسيون مدة السنوات الخمس المنصرمة (1998-2003) بمقولة التناوب الديموقراطي”. ويضع اليوسفي آفاق هذا التناوب الديمقراطي في دائرة أوسع تشمل إما الحرص على، أو التفريط، في معايير حقوق الإنسان، على غرار ما حدث بين ازدهار تلك المعايير بتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بما لها وما عليها عام 2004 وتراجعها في بفعل غلبة النسق الأمني على أنساق الحكامة منذ 2017.

هي كبوةٌ أنذاك في مضمار حقوق الإنسان وحرية التعبير، وكبوةٌ أخرى حاليا في ظل الاعتقالات والأحكام القضائية. ويبدو أن ثمّة انفصامًا أو “سكيزوفرينيا” في الشخصية الحقوقية لمغرب العهد الجديد يعيدنا إلى تمسّك اليوسفي منذ الخمسينات بأهمية “الحريات الديموقراطية مثل حرية التعبير وحريات تأسيس الجمعيات واحترام حقوق الانسان… إلخ؟ وهذا الطابع الثاني من الديموقراطية يوجد اليوم في المغرب بشكل معقول؟ وقد كان له دائما وجود في المغرب منذ الاستقلال بدرجات متفاوتة اللّهم في فترات القمع. وقد انكبت حكومة التناوب على توسيع هذه الحريات وممارستها وجعلها واقعا ملموسا.” ويعود اليوسفي مجددا مثقلا بعبء السؤال الكبير من تأملات 2003 إلى واقع 2021 بالقول: “هل تحقق الانتقال الديموقراطي؟”

لكن، لا يستطيع اليوسفي أن ينفض عن عاتقه مسؤولية عدم الدفاع عن استمرار الصحف “لوجورنال إيبدومدير”، و”دومان”، و”الصحيفة في أواخر 2000 رغم مناشدات منظمة العفو الدولية ومراسلين بلا حدود وبقية المنظمات المدافعة عن حرية التعبير. ويتحمّل أيضا وِزْرَ تصريح وزير الثقافة والحكومة في حكومته محمد الأشعري عندما عزا قرار الإغلاق إلى أن الصحف المعنية نشرت “موادّ تسيء إلى تاريخ المغرب ومؤسساته وقواته المسلحة”، بعد أن توصلت مقالات “لوجورنال” و”الصحيفة” إلى أنّ اليوسفي وبوعبيد كانا “ضالعين” في انقلاب أوفقير. وردّ مدير نشر الصحيفتين أبو بكر الجامعي وقتها بالقول إنّ ما تمّ نشره كان “يتعلق بماضي حزب الاتحاد الاشتراكي”، وهو ما دفع الحكومة إلى “الإرهاب الفكري ضد الصحف.”

تراجع دور الأحزاب أيضا، وبجوارها المجتمع المدني، خاصة منذ تقلّص المد الإصلاحي عام 2011. وأصيبت فلسفة التناوب التوافقي بالوهن وشبه الاندثار وسط هيمنة النّسق الأمني وتنامي السلطوية الجديدة. وتحوّل أغلب قادة الأحزاب إلى مُباركين مُزكّين سواء لتقرير لجنة “النموذج” التنموي أو لما جادت به القِسمة، تبعا لمقولة “القاسم الإنتخابي”، حسب مقاييس وزارة الداخلية ضمن حسابات حزبية ضيقة قبل ثلاثة أشهر. لم يعد هناك من الوجوه الحزبية من يستطيع المساهمة في ابتكار أنساق جديدة للتوافق والتعاون بين الملكية والمعارضة، على غرار تجربة التناوب التي توافقت عليها الكتلة الديمقراطية مع الملك الرّاحل الحسن الثاني. ويقول اليوسفي إن مغرب 1998 كان “نتيجة اتفاق بين الملك الحسن الثاني، المالك لكل السلطات، والمعارضة التاريخية في المغرب (الاتحاد الاشتراكي الذي يمثل تاريخيا الجزء الاكبر والأهم من القوى التي ناضلت من اجل الاستقلال وعودة الملك الوطني محمد الخامس الى عرشه بعد عزله ونفيه الى مدغشقر من طرف السلطات الفرنسية سنة 1953).”

كيف يمسك اليوسفي بشعرة معاوية؟

يبني اليوسفي مفهوم التّوافق بين مراكز القوة والمعارضة بعيدا عن الصّدامية أو الاستهداف المتبادل. وهذه خلاصة أخرى لا تتأتى إلا لمن عايش حقبتيْ الحماية والاستقلال، وجرّب المدّ والجزر بين القصر والكتلة الديمقراطية، وشهد ميزان القوة بين فرضية الأمر الواقع وفرضية الإصلاح والبناء. وعندما أنتُخب على رأس الاتحاد الاشتراكي خلفا لعبد الرحيم بوعبيد الذي توفي عام 1992، يتذكر كيف حافظ على ما يصفها “شعرة معاوية” بين القصر والاتحاد الاشتراكي “في تماوج الى أنّ تأكدت إصابة الملك الرّاحل بالمرض، وعندها قرّر المرحوم تدشين مرحلة جديدة من التّناوب وكان مفهوما أنّها ستكون من خلال حكومة يكون وزيرها الاول هو الكاتب الاول لحزبنا لم يكن سهلا بالنسبة لحزبنا، وأنّ الذي أوضحنا علاقاته مع القصر بأن يقبل بفكرة التناوب، كما طرحها الحسن الثاني في 1997، لكن بالرغم من ذلك خاطرنا بقبولها وبتحمّل المسؤولية في إنجازها.”

أقتبسُ من مقالتي المنشورة العام الماضي بعض العبارات التي تبرز هذه الهيغيلية السياسية في فكر اليوسفي: “هي حياة الفعل والتفاعل وجدلية التغيير التي عايشها اليوسفي بين طموحات الحركة الوطنية ومنحدرات ومرتفعات العلاقة بين القصر والمخزن ونخب اليسار. يقول الفيلسوف إريك فرانك، “إن الحالة التي يجد فيها الفرد نفسه هو نتيجة ما فعله هو نفسه والآخرون قبله وفكّروا في قرارات تاريخية لا يمكن إلغاؤها. فقط من خلال أخذ هذا الماضي في الاعتبار يمكن للإنسان أن يفكّر ويتصرّف ويكون. في هذا الوضع، تتكون تاريخية وجوده”.”

مما يزيد في هذا البعد السياسي عمل اليوسفي في الصحافة منذ الخمسينات مما جعله نافذا إلى دهاليز السياسة في المغرب العُلْوِي وهموم البسطاء في المغرب السُّفْلِي بعدما أولاه المهدي بن بركة الإشراف هو ومحمد البصري على صحيفة “التحرير”. وقد عدل بن بركة عن مجرى الاتصالات وقتها بين محمد عابد الجابري وعبد الجليل القبّاج مؤسّس ومدير صحيفة “العلم” الذراع الإعلامي لحزب الاستقلال منذ 1946 بشأن التعاون في نشر مقالات الاتحاديين في الصحيفة. غير أنّ السلطات قرّرت حجز العدد الصادر من “التحرير” يوم 14 ديسمبر1959 بسبب افتتاحية تضمّنت العبارة التالية “إذا كانت الحكومة مسؤولة أمام جلالة الملك، فإنّها أيضا مسؤولة أمام الرأي العام”. فتمّ اعتقال كلّ من اليوسفي والبصري في سجن لعلو في الرباط. وقرر الشيخ بلعربي العلوي تقديم استقالته من منصبه وزيرا للتاج احتجاجا على اعتقال البصري واليوسفي، وهي أوّل وربّما آخر استقالة سياسية في المغرب المعاصر.

مركزية الشرعية الوطنية

يتمتع اليوسفي بتقدير أنصاره واحترام خصومه، وغدا في أعين الكثيرين أيقونةَ الالتزام والتفاوض دون التساهل في إعادة تركيب فلسفة حكم تقوم على أفضل اجتهادات ممكنة لدى كل طرف: الملكية واليسار والنخبة. ويتذكر اليوسفي يوم 4 فبراير 1998 عندما حضر إلى القصر الملكي ولقاء الملك الحسن الثاني ليصبح وزيرا أوّلا في مرحلة مثقلة بالتحديات ومتدفقة بالتوقعات. وفي هذا اللقاء المباشر، يخاطبه الملك قائلا “إنّني أقدّر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا، منذ الاستقلال أنّك لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار. ولكنّنا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد والعشرين.”

شهادةٌ عميقةُ المغزى من رجل ألمعي في حسّه الاستراتيجي في حقّ رجل ألمعي في وطنيته والتزامه الفكري. بين الحسن الثاني واليوسفي أكثر من قطيعة وأكثر من تلاق، أو أكثر من فصل ووصل إذا استحضرنا قاموس الجابري. هما مثالان على وطنية مغربية فخورة بذاتها ومختلفة في مرجعياتها، لكن الرجلين كانا يبديان التقدير المتبادل ويغلّبان منطق التوافق على تعصب الإقصاء. يتأمل الجابري تلك اللحظة بعين المفكر والناقد قائلا “إنّ الشرعية التاريخية لم تعد تكفي، وذلك لأن الشرعية الوطنية التي منحتها القوة لم يعد لها ذلك الوزن الذي كان لها في الخمسين سنة الماضية· إنّ رجال الحركة الوطنية الذين كانوا سندا للشرعية التاريخية قد انسحبوا من المسرح نتيجة التقدم في العمر والأجل المحتوم، واليوسفي ربما هو آخرهم· وبالمثل، فالملك الحسن الذي عاش مفعول الشرعية الوطنية وتربى في حضنها قد فارق الحياة.”

هل يكون اليوسفي بوذياسرّا؟

لم تخلُ طريق اليوسفي من بعض الضغائن السياسية وقشور الموز المزروعة من حين لآخر. ويشير بلغة الرجل السّموح والسياسي المتشبع بتجارب الماضي القريب والبعيد إلى من يسميهم “جيوب المقاومة”، وإنْ كان يتفادى توجيه الأصابع بشكل مباشر، بل يكتفي بعبارته اللبقة بأن “من الصعب تصوير هذه الجيوب تصويرا دقيقا. لكن الجميع يدرك أن من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة، أو لا يزال، ويرى في التغيير والتجديد تهديدا لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي، سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب. الواضح أن المصالح المتراكمة لا بد أن تجعل نوعا من البشر يستفيد من هذا الإرث، فنحن لا نستغرب أن تلك الجيوب موجودة ولها أثر سياسي، واستغلت وحاولت وضع كل العراقيل، ولكنها لم تفلح في إفشال تجربة التناوب التوافقي.”

يتذكر اليوسفي أنه عندما استهل الاستشارات الأولى لتشكيل حكومة التناوب واستقر وقتها في شقة في حيّ أكدال بالرباط، تبين لاحقا أنه “تمّ زرع أجهزة للتجسّس وأخرى لتسجيل محتوى هذه المشاورات داخل الشقة، وبالنتيجة تمّ التخلي عنها واللجوء إلى أماكن أخرى متعددة لنفس الغرض.” ويروي أيضا ما يسميه “المعركة حول الإعلام” وهي “من أشرس المعارك التي تمت فيها المواجهة مع البصري، وقد عانى المرحوم محمد العربي المساري من جراء ذلك، لدرجة أنه قدم لي استقالته مرتين، وقد تراجع عنهما بعد النقاش معه، وقد حاولت حثّه على الاستمرار في مواجهة جيوب المقاومة، لأنّنا لم نأت من أجل المناصب، بل جئنا من أجل الإصلاح، وهو أمر جد صعب ومساره وعر ويتطلب جهدا وصبرا لا ينضبان.”

يمثل الرجل نموذج البحّار الكتوم عن ألاعيب الموج المفاجئ، ولا يفتح صدره عادة لمجالسيه ولو بالقليل بالبوح السياسي. ويقول أحد أصدقائه الممثل السابق للأمين العام للأمم المتحدة في العراق وأفغانستان وسوريا الأخضر الإبراهيمي “إن اليوسفي يلوي لسانه سبع مرات في فمه قبل الكلام. وهو أشبه ببوذي، ومن الرّجال الذي تتمنّى النساء أن تضعن رؤوسهن على كتفه”. ولا يتردد الإبراهيمي في تصنيف اليوسفي ضمن “خانة فلسفة كونفوشيوس، المتأسسة على مبدأ “الزن” الهادئة، العالية الوقار”، كما يروي الصحفي لحسن العسبي الذي يقول “إنني حين كنت أزور شقة اليوسفي رحمه الله بحي بوركون بالدارالبيضاء، كنت دوما أجد أن أغلب ديكوراتها وتفاصيلها آسيوية صينية ويابانية وكورية!”

استشراف القضايا الملحّة

ليس المجال مناسبا لاستعراض كافة الجوانب المهمة في شخصية اليوسفي وأدائه السياسي عبر سبعة عقود من النشاط في المجال العام. وتستوقفني بشكل خاص قضيتان دافع عنهما اليوسفي على رأس أولوياته عندما قاد حكومة التناوب: التغطية الصحية الأساسية، وحق الشباب حاملي الشهادات العليا في الحصول على فرصة للعمل وتحقيق الذات. ويقول رفيق دربه وأمين سرّه، خلال عقود المنفى في الجزائر وفرنسا وأيضا الحقبة الأخيرة من حياته في المغرب، الأستاذ امبارك بودرقه (عباس) في مؤلّفه “أحاديث في ما جرى: شذراتٌ من سيرتي كما رَويتُها لبودرقة” إنّ “تمكين مواطنينا من الاستفادة من التّغطية الصّحية الأساسية بصفة إجبارية يعدّ أكبر إصلاح اجتماعي حرصنا على إخراجه إلى حيز الوجود… الاصلاح الذي يكرّس لحق من حقوق الانسان المغربي الاساسية ألا وهو الحقّ في الصحة. ولقد صادقت الحكومة على مشروع القانون بمثابة مدونة التغطية الصحية الاساسية يوم 6 دجنبر 2001، ومجلس الوزراء برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس بالداخلة يوم 5 مارس 2002، والبرلمان في شتنبر 2002.”

لم يكن إخراج برنامج التغطية الصحية إلى الوجود أمرا سهلا في ظل معارضة بعض الأشخاص في دائرة الملك. لكن اليوسفي رفض الاستجابة، وصمّم على رأيه وتقديم عرض أمام الملك بأسلوب المرافعة عن المصلحة العامة، مما استمال إنصات الملك بشكل جيد وتزكية المشروع. فهو يروي في الكتاب: “يوم الاثنين 4 مارس 2002، أي يوم واحد قبل انعقاد المجلس الوزاري الذي كان سيبث في مشروع القانون بمثابة مدونة التغطية الاساسية، اتصلت مستشارة جلالة الملك السيدة زليخة نصري، رحمها الله، بمستشاري المكلف بالقطب الاجتماعي، السيد ادريس الكراوي، قصد إقناعه بعدم نُضج مشروع التغطية الصحية الاساسية، وذلك بالنظر إلى وجود صعوبات ستعترض تمويله، وبالتالي ستحول دون ديمومته وبلوغه الاهداف المتوخاة منه، على أن يبلغني بعدم جدوى إدراجه للمصادقة عليه في جدول أعمال المجلس الوزاري المبرمج لليوم الموالي. وفور الانتهاء من مكالمتها الهاتفية، التحق بي مستشاري على الفور بمقر الوزارة الاولى يحيطني علما بمضمون هذه المكالمة. ونحن نتداول سويا بهذا الشأن، أتانيى السيد ادريس جطو، الذي كان وزيرا للداخلية آنذاك، والسيد عبد الصادق ربيع الامين العام للحكومة رحمه الله، لمفاتحتي حول نفس الموضوع. وعلى إثر التعبير لهما عن حرصي الشديد إبقاء هذه النقطة في جدول أعمال المجلس الوزاري المقرر، زارني بعد ذلك العضو في ديوان جلالة الملك السيد محمد رشدي الشرايبي حول نفس الموضوع في آخر محاولة على ما أظن. لكنني عبرت له هو أيضا عن حرصي الشديد إبقاء جدول أعمال المجلس الوزاري كما كان مبرمجا. ولقد كان المجلس الوزاري فرصة سانحة بالنسبة إلي لأعرض أمام جلالة الملك الجوانب الجوهرية لهذا الاصلاح، الذي يهدف، كما قدمته أمام جلالته، إلى تكريس قيم التضامن والعدالة، والانصاف، وأحد الركائز الأساسية لمحاربة الفقر.”

قد تكون للتغطية الصحية أهمية لدى المغاربة في أيّ حقبة زمنية عادية، لكنّها تتحول إلى حدّ فاصل بين الحياة والموت في حقبة كورونا وأشباح الجائحات المتحورة الأخرى. وقد يعتبر البعض استحضار اهتمام اليوسفي بهذه القضية قبل عشرين عاما بأنها نوع من التباهي غير المنطقي، أو أنّ الحديث عن أهمية ذلك مجرد رمية من غير رام. لكن فوق كلّ التأويلات والأحكام، يُعزى حرص اليوسفي على هذا الإنجاز إلى وعيه والتزامه بمجموعة من الإصلاحات الحيوية التي تمس جوهر الرفاهية والاستقرار، أو كما تنادي بذلك نظريات التنمية وفض الصراعات الاجتماعية بضرورة استجابة الدولة للحاجيات البشرية الأساسية Basic human needs، من دراسات أبرهام مازلو في الأربعينات، إلى جون بورتن في التسعينات، إلى يوهان غالتونغ في الألفية الجديدة.

ينقل الأستاذ بودرقة على لسان اليوسفي قوله “وكم كانت سعادتي كبيرة بهذه المصادقة التي من خلالها نكون قد نفدنا ما تعهدنا به أمام المواطنات والمواطنين سواء عند تقديمنا للتصريح الحكومي المتعلق بالسياسة العامة للدولة، أو من خلال تدخلاتنا أمام غرفتي البرلمان… لقد تكلّمنا حينه عن هذا المشروع بكونه مشروعا ذا بعد حضاري من شأنه أن يؤمن على مراحل الخدمات الصحية لكل فئات مجتمعنا في البوادي والحواضر دون تمييز حسب السن، والجنس، ومستوى الدخل، وطبيعة النشاط، والسوابق المرضية.”

أولوية أخرى في الفلسفة السياسية لليوسفي

يبدي اليوسفي اهتماما موازيا بقضية تشغيل الشباب حاملي الشهادات العليا، وكيف أدرج مضمون الشكايات التي أوصلوها إلى رئاسة الحكومة وقتها ضمن إعادة الهيكلة. وكما روى لصديقه الوفيّ امبارك بودرقة “بعد وقوفنا على درجة استفحال بعض النّزاعات الاجتماعية، وكذا على الحيف والظلم الذي طال بعض الفئات الاجتماعية على مختلف الأصعدة والذي بدأ يفرز موجة من الاحتجاجات المشروعة، على رأسها تلك الوليدة عن استفحال ظاهرة بطالة الشباب حاملي الشهادات.” وينمّ حديث اليوسفي بقاموس “النزاعات الاجتماعية” و”الحيف” و”الظلم” و”الاحتجاجات المشروعة” عن ذهن منفتح على تحليل وفض النزاعات بشموليتهما من حيث النظرية والممارسة، وباستحضار علم النفس الاجتماعي الذي يكشف شكاوى المستضعفين وعلم الاجتماع السياسي الذي يفكك ما قد يغيب عن بال البنية السياسية والمالية من تجاوزات باسم أي زواج متماسك بين السلطة والمال.

قرر اليوسفي في منتصف 2000 تأسيس هيئتين حكوميتين للسعى من أجل توظيف الحاصلين على شهادات عليا: 1) الوكالة الوطنية لانعاش التشغيل والكفاءات من أجل تنظيم هيكلة سوق الشغل، وإدخال الشفافية على صعيد كل مكوناته، و2) لجنة وزارية خاصة لإنعاش التشغيل مكنت من بلورة برنامج إداري أدّى إلى إدماج كافة أعضاء المجموعات الثلاثة التي كانت تمثل هؤلاء الشباب العاطلين. وبالنظر إلى خصوصية معضلة البطالة بالنسبة لهذه الفئة من المواطنين، “دعونا بإلحاح إلى أن يعمم هذا الاجراء الاخير على القطاع الخاص بتنسيق مع الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب”، كما يذكر امبارك بودرقه في كتاب “أحاديث في ما جرى: شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة”.

اليوسفي بين آمال الرّبيع العربيوغصّة الاتحاد المغاربي

يقول اليوسفي في آخر مقابلة صحفية قبل خمس سنوات من رحيله إنه “انتظر الرّبيع العربي طويلا”، ويضيف “عشته وأنا منفعل بأحداثه، وكأنّي أنتظره منذ زمن بعيد، وأنا الذي قضيت عمري في العمل السياسي، وجرّبت المعارضة والحكم، وعشت زمناً طويلاً في المنفى خمس عشرة سنة، وأنا محكومٌ بعد شهادتي في باريس في قضية المهدي بن بركة. لقد هزّتني رياح الربيع العربي، ولكني لم أتفاجأ بها، كنت أخمّن دائماً أن الشعوب العربية ستصحو قريباً لتأخذ مصيرها بيدها.” ويستند اليوسفي في تفائله إلى ما يعتبره مسارا لا بدّ منه، وأنّ “قراءة التاريخ على نحو عقلاني تخبرنا أنّ النهايات لن تكون إلا إيجابية. وحين نستعيد تاريخ الثورات الكبرى التي غيّرت مصائر البشر، نجد أن المهمة لم تكن سهلة. لنأخذ مثال ذلك الثورة الفرنسية، التي انتكست مرات عدة قبل أن ينال المواطنون الفرنسيون حقوقهم الدستورية.”

نشوة الحديث عن آفاق “الربيع العربي” لا تدوم لدى اليوسفي عندما تحضر غصّة اتحاد منسي متهالك. وعندما يتأمل أوضاع الجوار المغاربي، ينتابه القلق من مفارقة مثيرة: فهو بقدر ما “يعبّر عن تقديره للأطراف السياسية والنخب التونسية ومكوّنات المجتمع المدني بتوافقها للخروج بنتائج إيجابية للثورة”، فإنه ينزعج من من هول التناقض بين الروح المغاربية خلال فترة الاستعمار وإلى أيّ منحدر وصل العداء السياسي بين بعض العواصم المغاربية في الوقت الراهن.

يروي اليوسفي أنّه “حين كانت بلداننا المغاربية محتلة من فرنسا، كنّا متضامنين، وتعاونّا جميعاً من أجل الحصول على الاستقلال. وكان هدفنا الثاني بعد الاستقلال هو الوحدة، وعندما استقلت الجزائر سنة 1962، عقدنا في المغرب في مايو 1962 مؤتمر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكانت أرضيةُ المؤتمر قائمةً على أساس توحيد أقطار المغرب العربي، وقد استبشرنا في حينه خيراً بالهيئات المسيرة للثورة الجزائرية سواء في نوفمبر عام 1954 في بداية الثورة، أو المؤتمر الذي انعقد في السنة الأولى لاستقلال الجزائر. اليوم، ونحن ننظر إلى ما هو قائم، نجد أنّ الوحدة قامت نظرياً، ولكنّها لا تقدم ما كنا ننتظره منها. هناك جهاز مجمد فقط.”

لا يستسيغ اليوسفي ما يعتبره “وضعا غريبا” بين المغرب والجزائر، ويشير إلى أنه “ليس هناك بَلَدان جارَان في العالم يعيشان حالة إغلاق الحدود، كما هو الأمر بين المغرب والجزائر. وعواقب ذلك سلبية جداً، ومنها أننا تأخرنا كبلدين على صعيد التنمية، ولو كان التبادل قائماً بيننا، لكنّا خطونا نحو مشروع اتحاد المغرب العربي أكبر. من المؤسف أننا نصنع اليوم تقارباً مع الدول الافريقية والاتحاد الأوروبي، ولكن الجمود يخيم على علاقاتنا المغاربية.” وتبقى في روحه لهفةُ العناق لأي خيط يعزز نسيج الوحدة المغاربية، بل قرّر أن يكون آخر خطاب يلقيه في آخر تجمع عام في وجدة، معلمة الحدود المغلقة منذ 1994، وكأنّه يبتهل “من أجل المغرب العربي، ومن أجل تجسير العلاقات المغربية الجزائرية انتصارا للمستقبل ووفاء لروح شهداء التحرير بالبلدين”، كما يروي لحسن العسبي.

مناجاةٌ مغاربيةٌ بين قبور العواصم المتنافرة!

يرقد جثمان اليوسفي بجوار صديقه عبد الله ابراهيم في الدار البيضاء، وترتاح أجساد جيل الكبار وجيل القضية المغاربية الكبرى في مقابر الجزائر العاصمة: رابح بيطاط، ومصطفى بن بولعيد، ومحمد بوضياف، وديدوش مراد، وكريم بلقاسم، والعربي بن مهيدي، أحمد بن بلة، والحسين أيت أحمد وغيرهم من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. ويردد السكون في مقبرة تونس العاصمة صدى مغاربيين آخرين: الحبيب بورقيبة، وفرحات حشاد، وأحمد بن صالح، وأحمد المستيري وغيرهم ممن قاوموا من أجل رؤية هلال الزمن المغاربي والوحدة بعد الاستقلال بعد اتّحادهم زمن الاستعمار.

ثمة ذبذباتٌ روحيةٌ تسافر بين اليوسفي وابراهيم والأصدقاء الطيبين آخرين من الجيل ذاته، والتجربة النضالية ذاتها، في المغرب الأدنى والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى، وتعود إلى الدار البيضاء والرباط ومراكش حيث عبد الرحيم بوعبيد، وعلال الفاسي، وعبد الكريم الخطيب، ومحمد الشرقاوي، وعبد الهادي بوطالب، ومليكة الفاسي وغيرهم من وطنيي المغرب الكبير الفسيح بلا أسوار ولا تخندقات ضيقة. وتستعيد المناجاة المسافرة بين الأرواح ذكرياتٍ قديمةً، وكيف كان اليوسفي خلال سنوات باريس ناشط محوريا وحليفا للثورة الجزائرية، وشريكا مع المحامي موريس بوتان في التحقيق في قضية اختطاف المقاوم سعيد بونعيلات والمناضل أحمد بن جلون.

قرب مسامع اليوسفي ومسامع هؤلاء الموتى الأحياء، يتردّد صدى عبارات الرئيس عبد المجيد تبون الذي قال في نعيه “إنّ الجزائريين ما زالوا يتذكّرون أن الزعيم المغاربي الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الذي كان من الأوائل الذين ساندوا ثورة التحرير المباركة منذ اندلاعها (1954-1962)، وتعاون مع قادتها إذ كان على تواصل دائم معهم لتخليص المنطقة من الاحتلال الأجنبي البغيض.”

وتحتفظ ذاكرة الجزائريين والتوانسة أيضا بالكثير عن الشمائل والمواقف المشرفة التي أبداها اليوسفي بشأن قضاياهم كالتزامه بقضية الجزائر وتونس كالتزامه بقضية المغرب في ذروة المطالبة باستقلال الدول الثلاث من الاستعمار الفرنسي في الخمسينات وبداية الستينات. ومما يترجم هذه الروحَ المغاربيةَ ذات الشهامة العالية ما قاله الرئيس تبون إنّ اليوسفي كان “يسعى بقوة المؤمن الصادق لتحقيق حلم الأجيال المتوالية، في بناء صرح اتحاد المغرب العربي الموحد الذي يخدم مصلحة شعوبه في كنف التضامن والأخوة والسلم، بعيدا عن التأثيرات الأجنبية التي تتعارض مع طموحاتها المشروعة.”

نوستالجيا الماضي النضالي في باريس قد تثير ابتسامة على محيّا اليوسفي للحظات ما. لكنّه سرعان من يبدي نظرة أخرى يستقرأ فيها أصدقاؤه القدامى الضجر مما انقلبت إليه الأمور. فهو يقول “كان جيلنا نحن منذ الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، قد واشج علاقات الأخوة بين شعوبنا المغاربية في المغرب والجزائر وتونس. وكانت الحقيقة المغاربية مجسّدة فعليا في وحدة النضال من أجل الحرية والإستقلال، بل صار الصوتُ المغاربي كلمةً واحدةً مسموعةً من القاهرة حتى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك، مرورا بباريس ومدريد ولندن وبرلين وموسكو وغيرها من كبريات عواصم العالم. وصرنا بقوّة وحدتنا النّضالية التحرّرية تلك، موئلا لكلّ أحرار إفريقيا، يُضرَب بنا المثل كتكتّلٍ تحرريٍ وطنيٍ مغاربيٍ. لكن اليوم، منذ خمسين سنة ونحن في نزاعٍ وراء نزاعٍ، حيث لم تفتح أجيالُنا الجديدة، عينَها سوى على منطق التنازع والخلاف. أخشى أنّ الجريمة الكبرى التي ارتُكبت في فضاءنا المغاربي، هي أنّه تمّ خلق أجيال جديدة، أجيال الإستقلال، لا ترى إلى شقيقها المغاربي سوى من موقع الخلاف وليس موقع الأخوّة. وهذا مؤلمٌ جدًّا أمام أرواح شهدائنا في المغرب والجزائر وتونس.”

كيف تستمرّ مناجاة اليوسفي نحو المستقبل؟

قد يطول هذا الحديث غير المباشر مع اليوسفي من خلال كتاب امبارك بودرقة وأيضا عبر سريالية استحضار الموتى الأحياء، وهم ذوو أرواح شفافة تتحمّس للأمل وتتعب مما يؤجّل تحقيق الأمل. وكما قال الأستاذ إدريس الكراوي خلال تقديم مؤلفه “عبد الرحمان اليوسفي: دروسٌ للتاريخ” في المعرض الدولي للكتاب الدار البيضاء في 8 فبراير 2020 إنّه “رجل من العيار الثقيل، اختار تقوية خيار الاستقرار… والمتأمّل في الوضع الرّاهن يبرز بالملموس الحاجة إلى تناوب جديد، يستخلص العبر من التجربة السابقة… البلاد في مفترق الطرق، ومن المهمّ التعاطي مع هذا الأمر.”

يقول الأستاذ كمال عبد اللطيف في تعليقه على كتاب جماعي أصدره المجلس الوطني لحقوق الإنسان بعنوان “عبد الرحمن اليوسفي مسار رجل دولةٍ استثنائي” إنّ اليوسفي “يحتفظ عبر الشهادات المجموعة بعناية عنه، وعن مساره النضالي الطويل والشاق، بجملةٍ من السمات التي استوعبتها أغلب الشهادات بصيغ مختلفة، يتعلق الأمر بدرجةٍ عاليةٍ من الاستقامة والنزاهة النادرتين في الأمس واليوم. إننا أمام رجل مبادئ وقيم. صحيحٌ أنّ مسارَه السياسيّ دفعه، في بعض اللحظات والمواقف، إلى تغيير بعض مبادئه. إلاّ أنّ التغيير المذكور لم يُحَوِّل القيم التي كان يؤمن بها، بل ساهم في تطويرها في اتّجاه تعزيز الأفق المُوجِّه لخياراته في المقاومة والتحرير والدمقرطة والعدالة الاجتماعية. وقد ظلّ طوال انخراطه في العمل السياسي ملتزماً بهذه القيم، ومحاولاً التفكير فيها في ضوء متغيِّراتِ التاريخ والعملِ السياسي في مجتمعه.”

قبل أن يعود اليوسفي إلى مرقد راحته الأبدية، يقول لنا بابتسامته البشوشة المعهودة وكأنّه يختتم محاضرته في بروكسيل: “واليوم وقد انتهت هذه التّجربة بدون أن تُفضي إلى ما كنّا ننتظره منها، بمعنى التوجّه نحو الديموقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام، التي ستشكل قطيعة مع ممارسات الماضي، فإنّنا نجد أنفسنا مرّة أخرى أمام متطلّب وطني يُلزمنا بالانتظار… على أملِ أن نرى إمكانية تحقّق الحلم في انتقالٍ هادىءٍ وسلسٍ نحو الديموقراطية، ونتمنى أن لا نفقد في المستقبل القريب مَلَكَةَ الحُلم والقدرةِ عليه!”

*أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقا