المناضل ابراهيم اوشلح

رحم الله عبد الرحمان اليوسفي.

فقدنا جميعا المجاهد المناضل الذي وهب كل ساعة من حياته للأمة المغربية،للشعب المغربي منذ بلوغه سن الرشد.

عرفني عليه المرحوم المجاهد محمد الفقيه البصري في سنة 1972 بباريس،كنت حينها أناضل في مجال الإعلام والعلاقات الخارجية للحزب مباشرة تحت قيادته. بقيت خلال بعض المراحل باتصال مباشر معه إلى غاية بداية هذه السنة – 2020 – حيث توقفت عن زيارته لما أصبحت أتألم من مشاهدته وهو في حالة صحية وذهنية تتطلب منه مجهوداً فائقا لإشعارك بأنه تعرف عليك.

كانت آخر زيارتي له برفقة علبة سره الفعلية السي محمد أبو الفضل مدير ديوانه وسكرتيره خلال كل مدة رأسته لحكومة التناوب.

كنت خلال السنوات الأخيرة من الفريق المصغر من رفاقه المقربين : السي محمد الحلوي الأستاذ فتح الله ولعلو والسي محمد أبو الفضل.

لعل أهم عمل قامت به المجموعة إلى جانب الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي هو تحضير وإنجاز الذكرى الخمسينية ( 50 ) لفقدان آثار الشهيد المهدي بنبركة يوم 29 أكتوبر 2015 في المكتبة الوطنية بالرباط.

كان هذا الحدث من أهم ما أراد أن يسجله السي عبد الرحمان من بعد خروجه من المهام الرسمية.

هدفه الأول : التعبير عن وفائه وتقديره لرفيقه المهدي بنبركة الذي كان السبب في التحاقه بصفوف حزب الاستقلال وهو في بداية رشده بثانوية ( كوليج مولاي يوسف )

هدفه الثاني : التأكيد على ضرورة تبيان الحقيقة حول اختطاف بنبركة ومسؤولية الدولة المغربية في الاختطاف ومسؤوليتها أيضاً في الإسهام لإظهار الحقيقة .

وتمكن السي عبد الرحمان من بلوغ الهدف خصوصاً أن جلالة الملك محمد السادس أرسل إلى هذا التجمع رسالة سامية تشيد بالدور الوطني الكبير للقائد الراحل المهدي بنبركة ، وعدم إحساسه بأية “عقدة” من موضوع اختطاف المهدي.

كم كان سعيداً السي عبد الرحمان ببلوغ أهدافه في هذا اللقاء وعبّر لي عن ذلك خلال حفل العشاء الذي نظمه الأستاذ فتح الله ولعلو ببيته في نفس الليلة.

السّي عبد الرحمان وسعيد بونعيلات:

اعتاد السّي عبد الرحمان مؤازرة عائلات أصدقائه في محنهم ويخفف عنهم في مصابهم ، غير أن مرض السّي محمد أوجار ( سعيد بونعيلات ) ووفاته في نهاية أكتوبر 2017 من أهم المراحل الصعبة التي اجتازها المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، فلمدة أكثر من أسبوعين كان السّي عبد الرحمان يتوجه يومياً إلى المستشفى ويبقى ساعة إلى ساعتين بجوار صديقه السّي سعيد وهو في غيبوبته.

سعيد بونعيلات كان له رفيق وصديق منذ نهاية الأربعينات في الدار البيضاء مع كل من الشهيد ابراهيم الروداني ولحسن المانوزي ، النواة الأولى لتنظيمات المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي ونشأة الحركة النقابية العمالية.

اشتغلت مع السّي عبد الرحمان في تنظيم الذكرى الأربعينية بدار المحامين بالدار البيضاء. وكم حكى لنا السي عبد الرحمان من قصص مع بونعيلات وهما يتجولان في شوارع الدار البيضاء على مثن الدراجة الهوائية مرتدين الجلباب والطربوش.

خلال هذه المدة الطويلة رفقة السي عبد الرحمان تعرفت على طبيعة ومزاج هذا القائد الوطني واستخلصت درساً في معاملته يمكن اعتبارها وصيّة للشباب المغربي.

السياسة أخلاق:

من اختار ووهب وقته وجهده وأحياناً مصيره وحياته من أجل أمته ومن أجل وطنه بالاندماج في تدبير الشأن العام، عليه أن لا يعتبر ذلك طريقة للاغتناء أو كسب الجاه. من أراد كسب المال ” الله يربحو”

لم يكن يعير للمال أية قيمة ولم أسمعه يتحدث عنه أو يتناول موضوعه إلاّ في مناسبتين :

– عند تسديد إقامته في فندق كريستال المتواضع في باريس ، الفندق الذي اعتاد الإقامة فيه قبل ان يكون وزيراً أولاً وبعد هاته الفترة.

– الفندق الثاني بمكناس أثناء حضوره تأبين رفيق دربه المرحوم السّي محمد بنيحيا.

السياسة أخلاق في العمل السياسي.

لا يمكن لأحد أن يشهد بأن عبد الرحمان اليوسفي أساء لقضايا أي شخص طوال حياته السياسية ولم يسمع من فمه شتم ولا إذلال، بل كان دائماً صريحاً وواضحاُ في التعبير عن رأيه خصوصاً بإعلانه أمام جلالة الملك وأمام مؤسسات الحزب أن إقالته من الوزارة الأولى ” كانت خروجاً عن المنهجية الديمقراطية ” زد على ذلك أن السّي عبد الرحمان لم يشتغل أبداً في العمل السياسي معتمداً على العصبية الجهوية أو ما يسمى بالكنانيسم، لم يكن لليوسفي Clan داخل الحزب كما فعل آخرون.

كان له أصدقاء أوفياء فعلاً يحاورهم ويستشيرهم ومساعدين يثق فيهم دون خلق علاقة نفعية أو ولائية من جانبه.

أعتقد أن السّي عبد الرحمان كان دائماً يعتمد على المؤسسات وقراراتها وينهج سلوك الوفاء ومصداقية الوعود et la parole donnée وعلى أحسن مثال على ذلك جوابه للمرحوم المناضل الكبير السّي محمد لحبيب الفرقاني في اجتماع المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي حينما طلب الفرقاني تسجيل نقطة توزيع المناصب الوزارية في جدول أعمال المكتب السياسي …كان جواب السّي عبد الرحمان ” المكتب السياسي للحزب لا ينصص عليه الدستور

السياسة إذاً أخلاق علينا فردها واحترامها.

ابراهيم أوشلح

باريس 06 يونيو 2020

File Name: ochleh.pdf