الكاتب و المبدع عادل البدوي

كان “العياشي” ينعم بالسلام وسط يقينه الذي لا تطاله نوائب و لا تهدده زلازل، فقد كان يجيب عندما يسأله أحدهم عن مستواه الدراسي:
-“نيڤو” بكالوريا قديمة!!
متعمدا الضغط على و تمطيط كلمة “قديمة”… ثم يستفيض في شرح مزايا هذا “النيڤو” الذي لا يطاله ماجستير و لا تصله دكتوراه حديثة.. حتى جاء يوم قال له فيه صديق له:
-إذا لم تحصل على البكالوريا.. فأنت و الأمي سواء… و كأنك لم تدخل مدرسة!!
هز هذا الكلام وجدان العياشي، و عاد بذاكرته ثلاثين سنة إلى الوراء، عندما “ناطح” البكالوريا ثلاث مرات فهزمته و كسرت قرونه و هشمت جمجمته رغم المجهودات الجبارة التي قام بها، فأخذته الحماسة، و جرى في عروقه الأدرينالين غزيرا.. و قرر التقديم على باكلوريا “حرة”… غير أن الحياة سرعان ما طوته بين مشاغلها، حتى توصل بالاستدعاء و لم يكن قد راجع حرفا واحدا… حاول انعاش ذاكرته، فتذكر اقتصاد الاتحاد السوفياتي، و الكلخوزات و السفخوزات… لكنه اكتشف أنه عهد و ولى، و وجد نفسه أمام دروس جديدة و عديدة، فقرر الاستسلام قبل حتى بدء “القتال”، لكنه -مع ذلك- لبس ملابس أنيقة، و أخفى مقلمته تحت سترته، و ذهب لمركز الامتحان، قال له حارس الأمن الخاص:
-تفضل يا أستاذ.. الإدارة من هنا!!
لكنه تلعثم و قال هامسا:
-أنا ممتحن و لست أستاذا!!
ابتسم الحارس و تمنى له التوفيق، و طلب منه الانتظار ريثما يتم فتح الأبواب، اتكأ العياشي على حائط الثانوية، و بدأ يتأمل الجماعات الصغيرة التي تشكلت قرب الباب الكبير، كثير من الشباب و بعض المتقدمين في السن، بعضهم يبدو متحمسا، بينما البعض الآخر خجل محرج و كأنه يقف بباب ماخور… عندما فتحت الأبواب و انسل المترشحون كأسراب نمل إلى حجراتهم، وجد العياشي نفسه في حجرة نصف عدد مقاعدها فارغ بسبب الغياب، و بسرعة عجيبة نُسجت الألفة بين الأحد عشر مترشحا و مترشحة الموجودين فيها، ليكتسب العياشي لقبا مقيتا إلى قلبه، لكن فارق السن فرضه :
-الواليد!
بدأ الامتحان، و أمسك العياشي بورقة لم يفقه فيها حرفا واحدا.. ثم نظر إلى المراقبين الذين يبدون أكثر خوفا من المترشحين، فقرر العياشي إيقاف العبث، و المغادرة ثم الذهاب إلى مقهاه لتناول فطوره و شرب قهوته، و عندما هم بالوقوف، نشب “صراع” بين مراقب و أحد المترشحين، فقد حاول المراقب الضعيف البنية والذي يحمل نظارات سميكة نزع هاتف و تحرير محضر غش لمترشح شاب قوي البنية، لكن الأخير قاوم، ثم قال:
-إذا كنت سألج السجن، فلن ألجه بسبب الغش وحده… سأضيف تهما أخرى حتى يكون “الحبس” مستحقا!!
احمر وجه المراقب، و نظر. إلى زميليه يستجدي المدد، لكنهما تجاهلاه، فنظر أحدهما من النافذة، بينما طأطأ الثاني رأسه.. فتجرأ الشاب ثم قال:

  • هل تريد أن تفهمني أنك لم تغش عندما اجتزت البكالوريا؟؟ أم أنك صرت أستاذا و ستدعي أمامنا الطهرانية و الصلاح!!
    قال مترشح آخر :
    -نحن فئة الأحرار لا نبتغي من وراء هذا الامتحان سوى “كرطونة”.. لاتخف.. فلن نزاحم أبناءك على كليات الطب والهندسة والمدارس العليا!!
    قالت مترشحة ثالثة:
    -أنا تطلقت منذ سنة… تركت دراستي و ركبت قطار الزواج الذي أنزلني في أول محطة.. ألا أستحق فرصة ثانية.. ألا يمكنني نيل البكالوريا لتقوية حظوظي في نيل وظيفة شريفة؟؟
    ثم قام المترشح الأول الذي أشعل الشرارة الأولى، ثم أشار إلى العياشي و قال:
    -و هذا الرجل الخمسيني المكافح… بالتأكيد لا يريد وظيفة و لن يتظاهر أمام باب البرلمان و لن يُقذف بخراطيم المياه… ألا يستحق هذا اليتيم هذه الشهادة “باش يفرح بها” أولاده و أحفاده.؟؟
    و على ما يبدو، فقد كان العياشي الورقة الرابحة التي حسم بها المترشحون “القتال” ضد المراقبين لصالحهم، فتحول الأخيرون إلى حماية الغش بدل منعه، فاتخذوا وضعيات دقيقة يراقبون بها حركة لجان المراقبة … مر الامتحان في أفضل الأحوال، و قد كان المترشحون كرماء مع العياشي إلى درجة أنه كان يتوصل بالإجابات قبل الجميع، قبل أن يتطوع المترشحون و المراقبون للكتابة بدلا عنه… في الامتحانات الموالية كانت جماعة القسم تعيد نفس المسرحية وتحقق نفس النجاح.. و لم يصدق العياشي نفسه عندما خرج في اليوم الأخير محفوفا بالمترشحين والأساتذة، حتى أن السيد المدير رئيس مركز الامتحان سلم عليه بالاسم وتمنى له التوفيق…
    كان كل شيء يوحي بالنجاح الباهر، قبل أن تحاصره الهواجس :
    -ماذا لو اشتكى المراقب المُهان ضعيف البنية و تم فتح تحقيق؟؟ ماذا لو اكتشف المصححون تطابق أجوبتنا، و اختلاف خطي من مادة إلى أخرى.. ماذا و ماذا ؟؟
    عاش المسكين أياما عصيبة قبل ظهور النتائج، و كان ينتظر زيارة الشرطة في كل حين و آن… جفاه النوم و انسدت شهيته قبل أن يفاجأ برسالة عبر الواتساب بها خبر نجاحه و حصوله على معدل كبير وميزة حسن جدا… انهالت عليه التبريكات، و صار رمزا للكفاح والتحدي، فاستقبله المسؤولون الإقليميون و الجهويون، و زارته عصابات “الميكروفون” و أجرت حوارات مطولة معه، حتى صار اسما لامعا.. فكان عليه تقديم الشكر، فكتب على حساب أنشأه على الفايسبوك:
    (شكرا جزيرا لكول من هنؤني علا الحاصول على الباك بالمونسيووو.. الحمدو لله اللذي جازاني بعد مجهود سنت كاملة. و بعد كفاحن مرير)