محمد بوبكري

قام جنرالات الجزائر بتسجيل كل من حركة “الماك” وجماعة “رشاد” ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية؛ إذ إن الأولى تنظيم أمازيغي، كان لا يعترف بالجزائر، ويسعى إلى انفصال منطقة “القبايل” عنها، لكن زعيمه غير موقفه أخيرا، حيث صار يطالب بـ “الحكم الذاتي”. أما الثانية، فهي جماعة ذات نزعة إسلامية وعروبية.
هكذا، فإن وضع هذين التنظيمين في خانة واحدة أسقط حكام الجزائر في تناقض؛ لأن ذلك لا يمكن تسويغه منطقيا، لأن مرجعيتيهما تختلفان اختلافا جذريا، ولا يمكن أن يلتقيا فكرا، ولا ممارسة… إضافة إلى ذلك، فإن هذين التنظيمين لم يسبق لهما أن قاما بأي عملية إرهابية، كما لم يسجل عليهما الترويج لخطاب يحرض على العنف والإرهاب، ولا يوجد دليل واحد على ذلك. أضف إلى ذلك أنه لا تجمعهما أي علاقة مع أي تنظيم إرهابي معروف…
ونظرا إلى كون زعامات هذين التنظيمين وأغلب أعضائهما يقيمون في بلدان غربية، ويحمل بعضهم جنسية هذه البلدان الديمقراطية. فإن رمي هذين التنظيمين بتهمة “الإرهاب” لا يمكن أن تقبله هذه البلدان، لأنها تعرفهم حق المعرفة، وقامت بتحريات حولهم قبل الترخيص لهم بالإقامة في بلدانها، أو منحهم جنسيتها، وتوجيه هذه التهمة إليهم يفيد اتهام حكام الجزائر لكل من فرنسا وسويسرا وبريطانيا باحتضان الإرهاب وحمايته. وهذا أمر لا يقبله أحد، ولا يجرؤ حكام الجزائر على التفوه به، كما أنه يدل على أنهم يبحثون عن ترحيل أعضاء هذين التنظيمين من هذه البلدان، الأمر الذي يستحيل تحققه، لأن القانون الدولي وقوانين البلدان الديمقراطية لا تسمح بترحيل أعضاء هذين التنظيمين، أو تسليمهم إلى حكام الجزائر، لأن الرأي العام الدولي يمتلك تقارير وملفات دقيقة تؤكد أن ادعاءات حكام الجزائر ضد هؤلاء تروم تصفية حسابات سياسية مع معارضين لا غير.
لقد قام الجنرالات بتلفيق هذه التهمة إلى هذين التنظيمين لأسباب مختلفة تتعلق بكل واحد منهما، حيث إن توجيه تهمة “الإرهاب” إلى حركة “الماك” لها علاقة بالانتخابات المزمع تنظيمها في يونيو المقبل؛ إذ تشكل منطقة “القبايل” شوكة في حلق جنرالات الجزائر، الذين يدركون مسبقا أن هذه المنطقة ستقاطع الانتخابات؛ لأنه سبق لها أن قاطعت ما ُسمي بـ”الانتخابات الرئاسية” والاستفتاء على “الدستور”؛ إذ إنها لا تعترف بدستور الجنرالات، ولا بـ “الرئيس تبون”. ومن المؤكد أن هذه المنطقة ستقاطع الانتخابات القادمة، وهو الأمر الذي يقض مضجع الجنرالات؛ فهذه المنطقة ترفض الدستور، وكل ما سينبثق عنه من “مؤسسات مزورة”… وما دام الأمر كذلك فإنها لن تعترف بـ “البرلمان”، ولا بالمجالس المحلية، ولا بالمجالس الولائية، مما يعني أنها لن تكون ممثلة في أي كيان من الكيانات الشكلية التي يصنعها الجنرالات لكي تكون تابعة لهم، الأمر الذي سيجعل حكام الجزائر في ورطة كبيرة لا يمكن التنبؤ بما سينجم عنها من كوارث…
وكردة فعل على مقاطعة منطقة “القبايل للانتخابات، قام حكام الجزائر بفرض قانون يعاقب كل من يتظاهر من أجل مقاطعة الانتخابات بـ 20 سنة سجنا، حيث يدخل ذلك في إطار سلسلة الضغوط التي يمارسها الجنرالات على منطقة “القبايل” وكل المناطق الجزائرية الأخرى. ومن المحتمل جدا أن يشرعوا في تطبيق هذا القانون قريبا ضد القادة المناهضين لهذه الانتخابات، وقد يقومون باختطافهم ليلا من بيوتهم، ومحاكمتهم وإيداعهم في السجون لترهيب أهالي هذه المنطقة وغيرها من المناطق الأخرى المناهضة للانتخابات، الذين يصرون على مقاطعة هذه الانتخابات، ومقاطعة كل ما يأتي من الجنرالات و”تبون”، لأنهم لا يعترفون بهم، ويعتبرونهم فاقدين لأية شرعية سياسية، ما يفيد أنهم يدركون أنهم مجرد مغتصبي السلطة. علاوة على ذلك، يرى بعض الخبراء الجزائريين أنه من غير المستبعد أن يقوم الجنرالات بتدبير عمليات انفجار بمنطقة “القبايل” وغيرها من المناطق الأخرى، وسيلفقونها لحركة ” الماك” وجماعة “رشاد”، وهذا ما سيدخل البلاد في نفق مسدود، لأن الشعب الجزائري صار مدركا لمؤامرات الجنرالات…
يبدو أن حكام الجزائر قد فقدو البوصلة، وأصبحوا عاجزين عن إدراك ما سيحدث لهم وللكيان الجزائري بسبب هوسهم بالبقاء في السلطة، الذي جعلهم لا يعون المخاطر التي يتجهون نحوها. وإذا لجؤوا إلى اختطاف أهالي “القبايل”… واعتقالهم، فإن كلا من “البويرة” و”تيزي وزو” و”بجاية”… ستنتفض ضدهم. لذلك يبدو أن الجنرالات قد ينسون، أو يتناسون أن منطقة “القبايل” تسكنها عشرة ملايين نسمة، وليس بضعة أشخاص يمكن التحكم فيهم بوسائل القمع التي ينتهجها الجنرالات، أضف إلى ذلك أن أبناء هذه المنطقة يوجدون في كل ولايات ومدن الجزائر، كما أنهم يوجدون بكثرة في أوروبا… وهذا ما يعني أن الجنرالات يسعون إلى إشعال فتيل نيران الفتن في الجزائر. مما ينبئ بغباء هؤلاء الجنرالات؛ فهم لا يدركون أن أساليبهم ستقوي “الماك” أكثر من ذي قبل، حيث ستحرك كل أهالي “القبايل” ضدهم؛ فحركة “الماك” ستصير ضحية، كما أن وسائل الإعلام الغربية ستتحدث عنها بكثرة وتغطي أنشطتها كلها… لقد عكس حكام الجزائر الآية؛ فعوض أن يقوموا بمعاقبة الجلاد من أجل تهدئة الأوضاع، يقومون بمعاقبة الضحية، للتغطية على جرائمهم؛ لأنهم يدركون أنهم هم الجلادون ذواتهم…
وما لا يعترف به هؤلاء الحكام هو أن الانتخابات مآلها الفشل، ولن يجنوا منها أي شيء؛ بل إن فرضها على الشعب الجزائري يعني أنهم يسعون إلى تقسيم الشعب من أجل بقائهم في السلطة، حيث لا تهمهم وحدة الشعب، ولا الوطن؛ بل إنه يمكنهم أن يضحوا بكل ذلك من أجل الاستمرار في السلطة وما تجلبه لهم من منافع وريع… أما بالنسبة إلى تهمة الإرهاب، التي وجهها هؤلاء لجماعة “رشاد”، فإن الجنرالات قاموا بحبكها حتى لا يقال عنهم إنهم سلطوا ظلمهم على حركة “الماك” وحدها؛ فهم يريدون أن يظهروا اهتمامهم بسلامة الجزائريين، الأمر الذي لم يعد يصدقه أحد.
ويرى بعض الخبراء أن التاريخ يعيد نفسه، حيث إنه كلما ضاقت الأرض بما رحبت على السلطة الجزائرية، تلجأ إلى استخدام ورقة الإرهاب، التي استعملها كل من الجنرال “توفيق” والجنرال “نزار” في مؤامراتهم للفتك بالشعب الجزائري بهدف إسكاته وجعله يبحث عن الاستقرار، الذي يتحايل العسكر من أجل التظاهر بضمانه. إضافة إلى ذلك، فقد اتهم “عبد العزيز بوتفليقة” بن فليس بالإرهاب لإزاحته من طريقه. ولحسن الحظ، فإن الشعب الجزائري يعي أن الجنرالات يشكلون خطرا عليه وعلى الوطن معا، ما جعله يبدع حراكه الشعبي الحضارى، الذي يسعى إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وذلك حق مشروع.