بقلم : أمين سامي ، استشاري في التخطيط الاستراتيجي للمنظمات غير الحكومية


– الجزء الأول –

عرف العالم عدة تحولات سياسية و اقتصادية و اجتماعية هاته الأخيرة كان لها تأثير على العالم بصفة عامة و منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بصفة خاصة . وقد عرف العالم أربع موجات حضارية بدءا من الموجة الحضارية الأولى التي عرفت ظهور الزراعة و الثورة الزراعية ، ثم الموجة الحضارية الثانية التي تجلت في ظهور الصناعة و تطورها و ظهور المكننة ، ثم الثورة الرقمية البسيطة التي تميزت بظهور الحاسوب و البرمجيات و اخيرا الثورة الرابعة التي عرفت ظهور الذكاء الاصطناعي و البيانات الضخمة و انترنيت الأشياء و الأمن السيبراني و التكنولوجيا الحيوية .
لكن بالمقابل يتضح أن المنطقة العربية لم تجاري هذا التطور الحاصل على مستوى العالم وهذا يتبين من خلال التقرير العربي للتنمية المستدامة لسنة 2020 الصادر عن منظمة الاسكوا يتضح أن :
40% من سكان المنطقة العربية يعتمدون على الزراعة ، حيث أن هذه الأخيرة لا تتعدى حصة 7% من الناتج المحلي الإجمالي .
خسرت المنطقة العربية 614 مليار دولار نتيجة للصراعات .
44% من السكان يعملون و هو أدنى بكثير من المتوسط العالمي ، ناهيك عن انخفاض نسب معدلات الشباب و النساء .
بلغ معدل البطالة في المنطقة العربية 10.3% في عام 2016 و هو أعلى معدل في العالم .
80% من الشباب يعملون في القطاع غير النظامي ويتركزون في أعمال متدنية النوعية و قليلة الانتاجية مقابل دخل غير منتظم و غير آمن .
ولعل من أبرز الإشكالات التي تحول في عملية الاندماج و مجاراة الثورة الصناعية الرابعة في المنطقة العربية هناك :
الاقتصادات الريعية و سياسات الاقتصاد الكلي غير السليمة
حيث يظهر تركز الثروة في أيدي النخب الاقتصادية و السياسية و بالتالي اتساع الهوة بين الفقراء و الأغنياء. مع غياب العدالة المجالية في توزيع الثروة مما أثر بشكل جلي على التنمية المجالية و بالتالي تم خلق طبقتين بورجوازية و بروليتارية مع دحض و تقليص الطبقة المتوسطة التي تعتبر صمام الأمان، بالإضافة إلى هيمنة القطاعات ذات الانتاجية المنخفضة ، وتركز القطاعات النشطة في مجال الخدمات التي تتطلب عمال ذوي مهارات منخفضة و انتاجية متدنية.

التحديات الهيكلية في سوق العمل
عدم الاتساق بين التعليم و احتياجات سوق العمل و بالتالي نقص كبير في عدد القوى العاملة. مع نقص التنويع الاقتصادي و عدم فعالية سياسات سوق العمل .

ضعف الاندماج في سلاسل القيمة العالمية
أبرز تحدي هو محدودية الاستثمار في البحث و التطوير فالإنفاق في هذا المجال لا يتعدى 0.64% من الناتج المحلي الإجمالي ، بحيث أن المتوسط العالمي للإنفاق في البحث و التطوير هو 1.73% . في حين أن عدد الباحثين لكل مليون نسمة لا يتجاوز 744 باحثا و هو أقل من المتوسط العالمي الذي يمثل 1267 باحثا لكل مليون نسمة.

ضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية و الاستراتيجيات التعليمية و بين العلوم و الصناعة .
حيث يشكل عدم كفاية الموارد البشرية و القوى العاملة عقبة كبيرة أمام تحقيق الازدهار الاقتصادي و بالتالي صعوبة التوافق بين العرض و الطلب و صعوبات انتقال الشباب من الدراسة للعمل و أمام ضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية و الاستراتيجيات التعليمية تضيع الفرص المتاحة على الشباب خاصة في مجال الصناعات الخضراء و الاقتصاديات الرقمية خاصة وبالتالي فالتعليم في وضعه الحالي لا يدعم التحول إلى الابتكار في البحث و الصناعة و بالتالي لا يمكن إدارة البحث و التطوير و الرقي بهما بمعزل عن إصلاح النظام التعليمي.
الفجوة بين البحوث و الاحتياجات التنموية
حيث يتضح أن هناك ضعف الربط بين الإنفاق على البحث و التطوير و نمو الناتج المحلي الإجمالي ، بالإضافة إلى ضعف تسخير الابتكار و تشجيع سياسة الإبداع لإيجاد فرص عمل من أجل تحسين الصناعات و الخدمات ، ضف على ذلك ضعف الترابط بين المجال الأكاديمي و العلوم و الصناعة بفعل القيود على المعلومة و التمويل في الوسط الأكاديمي.
إن التعليم اليوم في الوطن العربي لا يساعد بشكل جلي على تشجيع الإبداع و الابتكار و بالتالي تتسع الفجوة بين البحوث الأكاديمية و الاحتياجات التنموية مما يسهم في ارتفاع البطالة و بالتالي فنحن أمام خيارين إما تذليل البطالة من خلال رسم سياسات تشغيلية محددة في المجال و المدة و تشجيع البحوث و أجرأتها على أرض الواقع من خلال مشاريع مبتكرة و مبدعة تلبي الاحتياجات التنموية ، وإما فنحن نقوم بتأزيم الوضع أكثر مما هو عليه.
البنية الاقتصادية و هيمنة القطاعات المنخفضة الانتاجية
يتضح أن معظم الدول العربية عمدت إلى التنويع الاقتصادي من أجل خلق ما يكفي من فرص العمل اللائق، إلا أن ذلك لم يوف بالنتائج المطلوبة و بالتالي اتسم النمو الاقتصادي بالبطء أو الركود أو التراجع وهذا اتضح بشكل جلي من خلال السياسات الحكومية التي تحاول تشجيع الاستثمارات الأجنبية و الوطنية على خلق المزيد من فرص العمل. بالإضافة الى ذلك لازالت إمكانات القطاع الخاص قاصرة على تحفيز الصناعة و البنى التحتية و الابتكار و الاستثمار في هذه المجالات و الدفع بالمنطقة قدما في مجال التكنولوجيا ، حيث يتضح أن الاستثمار في مجال التكنولوجيا في الدول الغير النفطية ضعيف بالمقارنة مع الدول النفطية وبالتالي نلاحظ هيمنة القطاعات المنخفضة الانتاجية التي لا تساعد في الدفع قدما بتطوير الصناعة و تحسين قدرتها التنافسية رغم المجهودات المبذولة من قبل الدول في هذا المجال.
ضعف السياسات المتعلقة بالعلم و التكنولوجيا و الابتكار
يظهر التقرير العربي للتنمية المستدامة لسنة 2020 إخفاق معظم الدول العربية في تحفيز و إنتاج المعرفة بفعالية لأنها تركز على توسيع البحث و التطوير بمعزل و دون إشراك مجتمع الأعمال و بالتالي لايتم التنسيق و الربط بالشكل المطلوب، لذا يجب إعادة النظر في السياسات المتعلقة بالعلم و التكنولوجيا و الابتكار .
فبالرجوع إلى مؤشر المعرفة لسنة 2020 نلاحظ أن الدول العربية احتلت مراكز متقدمة و متوسطة بالنسبة للدول النفطية و متأخرة بالنسبة للدول غير النفطية ، فعلى سبيل المثال احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة 15 عالميا من أصل 138 دولة التي شملها البحث أما على مستوى مؤشر البحث و التطوير و الابتكار احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة 29 ، في حين احتل المغرب المرتبة 83 من أصل 138 على المستوى العام ، أما على مستوى المؤشرات القطاعية احتل المرتبة 82 على مستوى البحث و التطوير و الابتكار، هذا على سبيل المثال و بالتالي أصبح لزاما إعادة النظر في السياسات المتعلقة بالعلم و الابتكار و التكنولوجيا وربطها مع مجتمع الأعمال.
المصادر :
التقرير العربي للتنمية المستدامة 2020 الصادر عن منظمة الاسكوا .
تقرير مؤشر المعرفة العالمي لسنة 2020.