أحمد رباص – حرة بريس

بوصفه شخصية نالت شهرة واسعة بفضل قناة آرتي (Arte) التي قدم فيها برنامج “التاريخ الموازي” لمدة اثني عشر عاما، توفي المؤرخ ليلة الأربعاء إلى الخميس عن عمر يناهز 96 عاما.
هذا الرجل الذي أعلنت عائلته عن وفاته عن تلك السن كان كبير المتخصصين في الاتحاد السوفياتي وروسيا ولكن أيضا في حروب القرن العشرين والاستعمار والسينما.
قالت عائلته، بعد أن تم نقله إلى العناية المركزة بسبب مضاعفات كوفيد-19، إنه كان مفعما حتى التمالة بشغفه بالتاريخ وتطور العالم.
كان مؤرخا مشهورا على المستوى العالمي وشخصية فاقت شهرتها الآفاق بفضل قناة آرتي التي قدم على شاشتها لمدة اثني عشر عاما انتهت بسنة 2002 “التاريخ الموازي”، وهو برنامج جعل التاريخ متاحا لعامة الناس. جعله هذا البرنامج تجسيدا للتاريخ على الشاشة الصغيرة، بوجهه المستدير ونظارته المصنوعة من الصدفيات.
كان أيضا مؤلفا غزير الإنتاج؛ إذ نشر في العام الماضي كتابه الخامس والستين بعنوان “الدخول إلى الحياة”، الذي يتحدث فيه عن مصائر شخصيات عظيمة.
لأب إيطالي-يوناني وأم أوكرانية، ولد في باريس يوم 24 ديسمبر 1924. توقفت دراساته للتاريخ، وهو الشغف الذي نماه منذ طفولته بسبب الحرب. انخرط في المقاومة، وانضم إلى مقاتلي فيركور للهروب من مصلحة العمل الإجباري وشارك في تحرير ليون.
توفيت والدته اليهودية في أوشفيتز عام 1943 وهو شاب متزوج ورب أسرة، تم تعيينه مدرسا في وهران بالجزائر من 1948 إلى 1956.
عمل لصالح استقلال الجزائر. سنة 1960، عاد إلى باريس، حيث قام بالتدريس وإعداد أطروحة دكتوراه أفردها للثورة الروسية لعام 1917. وقد أوضح كيف أن استيلاء لينين على السلطة لم يكن نتيجة لانقلاب ذكي فحسب، بل كان يستمد جذوره من موجة في العمق.
بعد ذلك، درس مارك فيرو في مدرسة البوليتكنيك ثم ترأس مجموعة أبحاث حول “السينما والتاريخ” في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية.
رغم فشله في التجميع سبع مرات، واصل هذا التلميذ الوفي للمؤرخ الكبير فرناند بروديل مسيرته الأكاديمية، حيث سعى إلى تحليل الأحداث والمجتمع دون إصدار حكم، بل وقاد منذ سبعينيات القرن الماضي مجلة “الحوليات” المرموقة.
باعتباره مديرا شرفيا للأبحاث في المدرسة السالفة الذكر ، أبدع في نهاية الثمانينيات في جعل أرشيفات الأفلام الخاصة باللحظات العظيمة في التاريخ المعاصر، مثل فترة 1939-1945 والحرب الباردة، في متناول عامة الناس.
كتبت عنه المؤرخة إيزابيل فيرات ماسون في مجلة “ليبراسيون” الفرنسية عام 2008 تقول: “في أي مجال كان المؤرخ أكثر تأثيرا؟ في دراسة الرأي العام الروسي؟ في إظهار دور البيروقراطية في نجاح الكليانية السوفيتية؟ أم في إخراج السينما من مكانتها كـ “تسلية تافهة”، من خلال أخذ الأفلام في الاعتبار كوكلاء ومصادر للتاريخ؟ لقد دشن طريق الاشتغال على الصورة في السينما والتلفزيون. هذا هو المكان الذي تتقاطع فيه مصائرنا. لم يعد الأمر يتعلق بصنع تاريخ السينما، بل يتعلق بإظهار كيف يمكن للفيلم (الوثائقي أو الروائي) أن يساهم في معرفة الماضي، لإثبات مدى كونه كاشفا للمجتمعات ومكانا للذاكرة.”