محمد بوبكري

تداولت مختلف وسائل الإعلام الجزائرية والدولية خبرا مفاده أن “وزير الصحة” الجزائري “عبد الرحمان بن بوزيد” قال: ” إنني أفضل أن تضرب الشعب الجزائري موجة ثالثة من فيروس كورونا”. وأضاف إلى ذلك: “إن هذه الموجة الثالثة من هذا الفيروس هي التي ستجبر الجزائريين على احترام المسافة التي ينبغي أن تكون بين الأشخاص، ويضعون الكمامات على وجوههم، وينضبطون لإجراءات الحجر الصحي التي أقرتها السلطة الجزائرية…”. وقد افتضح أمر الجنرالات عندما قال: “اللقاح ليس هو الحل. الحل هو احترام الإجراءات الوقائية التي حددتها السلطة الجزائرية، بدليل أن الدول الكبرى تسير على هذا النهج، ولا تعتمد اللقاح لمحاربة هذا الفيروس”.
يكشف هذا التصريح أن هذا الرجل لا يعي ما يقول، وأنه لا يدرك فتيلا في علوم الأوبئة، ولا يعرف قيمة اللقاحات التي أنتجتها مؤسسات علمية لها باع في البحث العلمي، ما جعلها تحظى بسمعة دولية، متّعتها باحترام الباحثين في جميع ربوع العالم. وعندما استصغر اللقاحات، واعتبرها أقل أهمية من التدابير الصحية التي أقرتها حكومته، فإنه أراد بذلك أن يخفي عجز جنرالات الجزائر عن اقتناء اللقاح، حيث يعلم أن الخزينة الجزائرية قد تعرضت للنهب، وأن الحكومة الجزائرية عاجزة ماليا عن دفع ثمن اللقاح، وبالتالي صارت تتسول على أعتاب “المنظمة العالمية للصحة” وبلدان أخرى من أجل أن تحصل منها على جرعات من اللقاح. وهذا ما كشف نضوب أموال الخزينة الجزائرية، التي تعرضت للنهب من قبل الجنرالات؛ فكانت الفضيحة الكبرى، التي كشفتهم!
لقد اتهم هذا “الوزير” بأنهم المسؤولون عن انتشار هذا الفيروس، وألصق التهمة بالشعب الجزائري، وكأنه يبحث عن إدانته، وتبرئة حكام الجزائر من أية مسؤوليه، علما أن الأطباء والأساتذة الجزائريين قد فضحوا واقع قطاع الصحة الجزائري، وقدموا فائضا من الحجج على أن المنظومة الصحية الجزائرية ضعيفة، من حيث التجهيزات والأدوية، وهزالة أجور الأطر الطبية وأطقم التمريض…
لقد حاول “تبون” امتداح هذه المنظومة، لكنه لما سقط مريضا، قام الجنرالات بنقله إلى ألمانيا ليتلقى العلاج فيها. وقد دامت هذه الرحلة بين ألمانيا وفرنسا مدة تفوق تسعين يوما، كلفت الخزينة الجزائرية أموالا طائلة. ولما مرض الجنرال “سعيد شنقريحة” ذهب إلى سويسرا قصد العلاج على حساب الخزينة الجزائرية… وقام الجنرالات بالشيء نفسه عندما مرض “إبراهيم غالي”، إذ نقلوه على متن طائرة مجهزة طبيا إلى إسبانيا بهدف علاجه بأحد مستشفياتها بالقرب من مدينة “سراقسطة”.
تكشف هذه الوقائع كذب “تبون” على الشعب الجزائري، وأن الكذب صار عنده وعند أفراد حكومته عقيدة. وقد تبين حقد الجنرالات على المجاهدين عندما أصيبت المجاهدة “جميلة بوحيرد”، وأهملوها وتركوها تعالج في أحد المستشفيات الجزائرية التي لا يثقون فيها كلما تعلق الأمر بأنفسهم، كما لم يلتفتوا إليها، فلم يفعلوا معها ما قاموا به تجاه “تبون” و”إبراهيم غالي” اللذين لا قيمة تاريخية لهما، ولا مزية رمزية، بل إن الأخير متابع بالقيام بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وباغتصاب النساء، وافتضاض الأبكار… أما المجاهدة” جميلة بوحيرد”، فهي هَرمٌ يشهد الشعب الجزائري والرأي العام الدولي بتضحياتها من أجل استقلال الجزائر. وهذا التقدير لا يحظى به المستبد “سعيد شنقريحة” الذي اشتغل تحت إمرة الجنرالين “خالد نزار “و”توفيق محمد مدين” خلال العشرية السوداء”، وكان شريكا لهما في قتل أكثر من ربع مليون جزائري، ما جعل يديه ملطختين بدماء الجزائريين، حيث سيدينه التاريخ بارتكاب جرائم ضد الإنسانية…
لقد قال هذا “الوزير” إنه يفضل أن تضرب الشعب الجزائري موجة ثالثة من “فيروس كورونا”، وعبر عن ذلك بالفرنسية قائلا: “je préfère…”. وقد فهم الخبراء من ذلك كأن هذا الشخص وُضع أمام اختيارين: أحدهما اللقاح، وثانيهما الإجراءات الاحترازية، التي أقرتها السلطة الجزائرية، ففضل هذه الإجراءات على اللقاح، كما جعل هذا الأخير بدون فائدة، لأن النظام عاجز عن اقتنائه، الأمر الذي كشف عداءه للشعب الجزائري وحقده عليه، لأنه انتفض ضد النظام العسكري، وطالب برحيله… وفعلا، فهذا الوزير يتمنى أن تضرب الشعب الجزائري موجة ثالثة من “فيروس كورونا”، حتى يتخلص الجنرالات من الحراك الشعبي السلمي الذي صاروا موقنين أنه سيعجل برحيلهم…
وإذا كان الجنرالات ووزراؤهم وأسرهم قد تلقوا التطعيم باللقاح المضاد لهذا الفيروس، فلماذا هرولوا إلى ذلك، وانخرطوا في ممارسة التسول من أجل الحصول عليه مجانا؟ يكشف هذا التناقض عدم احترام الجنرالات لحق الشعب الجزائري في الحياة؛ فهم يحبون الحياة لأنفسهم، ويتمنون الموت للشعب الجزائري، الذي يحقدون عليه لكونه انتفض ضدهم ورفع شعارا يطالب فيه بـ “دولة مدنية، ماشي عسكرية”.
ولسوء حظ هذا “الوزير” أن مصالح وزارته قد حاولت يائسة تبرئته مما قاله حرفيا، واعتبرت أن الجزائريين أساؤوا تأويل كلامه، لأنه لم يقصد ما فهموه منه. لكن ما يجهله هذا الوزير هو أن عبارة “أفضل..” قد تضمنت تمني الأسوأ للشعب الجزائري بهدف الانتقام منه، لأنه يواجه نظام العسكر، ويطالب بالقطيعة الجذرية معه من أجل بناء “دولة مدنية ديمقراطية حديثة”. وما يجهله هذا “الوزير” هو أننا نعيش في زمن الثورة الرقمية، وأن كلامه قد انتشر في جميع بلاد الله، ولا يمكنه تغييره، لأنه لم يستعمل الإيحاء، بشكل رمزي، وإنما عبر بشكل مباشر. هكذا، فإنه لا يعلم أن الجزائر لم تعد تعيش في زمن الإذاعة والقناة التلفزية الوحيدتين، لأن زمن العسكر وحزبهم الوحيد قد ولى.
وخلاصة القول، إن الخبراء الجزائريين ينظرون إلى ما قاله هذا “الوزير” بكونه شتما للشعب الجزائري واحتقارا له، وضحكا عليه، ما يفيد أن الجنرالات يريدون أن تنهض ” الجزائر الجديدة” على الكذب والشتم والعنف والإرهاب وضرب الحريات؛ إنها جزائر خاضعة لاستبداد العسكر ونهبهم لأموال الشعب الجزائري..