محمد بوبكري


طلبت السلطة الموريتانية مؤخرا من المغرب تقليص صادراته من الطماطم والجزر إلى بلادها، بدعوى أنها تريد حماية الإنتاج الداخلي. ويمكن تفسير قرار السلطة الموريتانية هذا بوجود أزمة صامتة بين البلدين؛ إذ إن حكام الجزائر لم يكونوا بعيدين عن هذه الأزمة، نظرا إلى التحركات التي قاموا بها مؤخرا تجاه السلطة الموريتانية. ولا غرو أن المغرب يعي أن جنرالات الجزائر يمارسون ضغوطا كثيرة على موريتانيا؛ إذ لا يكفون عن تهديدها، وهذا ما يجعل السلطة الموريتانية تذعن لتهديداتهم؛ إذ سبق لحكام الجزائر أن تدخلوا في الشؤون الداخلية الموريتانية، وقاموا بتنظيم انقلاب ضد نظام المرحوم ” المختار ولد دادة”، كما تدخلوا عسكريا في موريتانيا بهدف احتلال شمالها، فاستهدفوا عاصمتها في سبعينيات القرن الماضي. لذلك، فإن شبح الخوف من جنرالات الجزائر لا يزال يسيطر على السلطة الموريتانية، وهذا ما يدل على هشاشة حجة “حماية الإنتاج المحلي” التي بنت عليها موريتانيا طلب تقليص صادرات المغرب من الطماطم والجزر، علما أن المغرب يعي جيدا أن موريتانيا لا تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي في هاتين المادتين وغيرهما من المواد الغذائية الأخرى.


ولما راجعت السلطة الموريتانية قرارها السابق، تعامل معها المغرب بتسامحه المعهود، لأنه يحترم الجوار، ويرفض الاعتداء عليه، أو إلحاق الضرر به، ولا يتردد في خدمته. وتعني مراجعة السلطة الموريتانية لقرارها السابق حاجتها إلى المغرب أكثر من حاجتها إلى الجزائر، حيث إن الأمن الغذائي لموريتانيا بيد المغرب، لا بيد الجزائر. فعندما يوقف المغرب صادراته من المواد الغذائية إلى موريتانيا، فإن هذا البلد سيعرف ثورة اجتماعية عارمة؛ وهذا ما ظهر جليا؛ إذ لم تمض سوى بضعة أيام على تصدير المغرب للجزر والطماطم إلى موريتانيا، حتى بدأنا نلاحظ أن إخواننا الموريتانيين لم يكونوا راضين عن الوضعية، ما يعني أن الأمن الغذائي لهذا البلد الشقيق بيد المغرب. وتفيدنا دروس التاريخ أنه ليس هناك ما هو أصعب من ثورة الجياع. أضف إلى ذلك أن الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية التي يصدرها المغرب إلى دول الساحل ودول غرب أفريقيا تدفع رسوم المرور للخزينة الموريتانية، كما أن أصحابها يستعملون المطاعم الموريتانية، كما أنهم يقتنون الوقود من المحطات الموريتانية، ما يعني أن ذلك يذر دخلا على البلد. ومع كل ذلك، فإن المغرب لا يطلب المستحيل من السلطة الموريتانية، بل إنه يريد منها فقط التزام الحياد تجاه الصراع بين المغرب والجزائر، كما يطالبها بحماية حدودها بما لا يهدد أمن المغرب وسلامة أراضيه…


لكن لماذا طلبت السلطة الموريتانية من المغرب أن يقلص صادراته من الجزر والطماطم؟ ألم يقدم جنرالات الجزائر وعودا بضمان الأمن الغذائي لموريتانيا من قبلهم؟


يبدو أن جنرالات الجزائر قد قدموا وعودا استعصى عليهم تنفيذها، ما جعل موريتانيا تتراجع عن قرارها؛ فحكام الجزائر عاجزون عن ضمان الأمن الغذائي للجزائريين، حيث إن الجزائر لا تنتج إلا البترول والغاز، مما جعل الجزائريين يقفون في طوابير طويلة لاقتناء الزيت والطحين والحليب ومواد غذائية أساسية أخرى. أضف إلى ذلك أن هشاشة الاقتصاد الجزائري قد أفضت إلى انهيار الدينار الجزائري، وهذا ما جعل الأسعار تلتهب، ولم تعد في متناول الشعب الجزائري المغلوب على أمره، والذي ضاقت به الأرض بما رحبت، ومما زاد الطين بلة قلة السيولة النقدية.

لذلك، فإذا كان حكام الجزائر عاجزين عن أن يضمنوا للمواطن الجزائري قوت يومه، فكيف يمكنهم أن يضمنوا الأمن الغذائي للشعب الموريتاني؟ ألم يكذبوا على السلطة الموريتانية؟


غير خاف على أحد أن الخضر والفواكه المغربية ومواد غذائية أخرى موجودة في السوق الجزائرية ذاتها، حيث إن المغرب يصدر هذه المواد إلى دول أوروبا، والسلطات الجزائرية تشتريها بالعملة الصعبة من هذه الدول، وبعد ذلك تشحنها إلى الجزائر، ثم تُنقل إلى موريتانيا، وهذا ما يجعل أسعارها تتضاعف، وفي غير متناول المواطن الجزائري والموريتاني. زد على ذلك أن عملية الشحن تتطلب وقتا، الأمر الذي ينعكس على جودة هذه المواد، ويفقدها طراوتها وبعض فوائدها، كما أنها قد تفقد مذاقها؛ إذ قد تتحول إلى مجرد قطع بلاستيكية…
وعلى هذا الأساس فمن المحتمل أن يسحب حكام الجزائر المواد الغذائية من السوق الجزائرية لينقلوها إلى موريتانيا، التي لن يستطيع شعبها اقتناءها بأسعار مرتفعة جدا، لأن دول أوروبا اقتنتها من المغرب بالعملة الصعبة وحكام الجزائر اقتنوها بالعملة الصعبة كذلك، وأدوا الضرائب التي تستوجبها هذه المعاملة التجارية في أوروبا. كما أنهم دفعوا مصاريف الشحن من أوروبا إلى الجزائر، ومن الجزائر إلى موريتانيا. هكذا، فإن جنرالات الجزائر لا يزالون مستمرين في تجويع الشعب الجزائري بهدف الإساءة إلى المغرب، وهذا ما أجمع الشعب الجزائري على رفضه، لأنه يعلم أن ما يكنه الجنرالات من عداء للمغرب يضر بالجزائريين كثيرا، ولا ينفعهم في شيء، كما أنه من الممكن أن تستورد الجزائر المواد الغذائية من المغرب بجودة عالية وأسعار معقولة، مما سيجعلها في متناول الجزائريين. وهكذا، فإن حكام الجزائر اختاروا معاداة المغرب على حساب الأمن الغذائي للشعب الجزائري. ويجمع الخبراء على إمكانية وجود تكامل بين الاقتصادين المغربي والجزائري، ما يضمن تعاونا واندماجا بين البلدين الشقيقين، الأمر الذي قد يفضي إلى بناء المغرب الكبير.

وخلاصة ما ننتهي إليه أن المغرب متسامح كعادته؛ فهو يعي أن موريتانيا في حاجة إليه، كما أنه يدرك أنه ليس في حاجة إليها. ومع ذلك، فإن المغرب له قيم نبيلة جعلته يحترم الجار، ولا يتعامل معه بمنطق الإساءة والتهديد، ولا يسعى للتوسع على حسابه. لذلك على السلطات الموريتانية أن تعي أن المغرب قادر على الاستغناء عن المرور عبر التراب الموريتاني لتسويق منتوجاته في بلدان أفريقيا الغربية ودول الساحل، حيث إنه عازم على بناء ميناء كبير بجهة الداخلة يمكن من نقل البضائع المغربية والأوروبية بحرا إلى بلدان أفريقيا الغربية وكذا إلى بلدان أفريقية أخرى. وهذا ما سيتحقق في المستقبل القريب إن شاء الله.