محمد بوبكري

يرى بعض الخبراء الجزائريين أن الدولة الجزائرية تعتبر الشعب خصما لها، ما يؤكد أنها ضد الشعب. لكن عندما ننظر إلى الدولة بمفهومها الكوني الحديث نجد أنها هي دولة الشعب. وعلى عكس ذلك، تكمن وظيفة الدولة في الجزائر في مراقبة الشعب، عوض أن تكون تحت مراقبته. وقد كان هذا عاملا أساسا من عوامل انفجار الحراك الشعبي في وجه حكام الجزائر. فمن الأكيد أن الجزائر غارقة في أزمة اجتماعية واقتصادية كبيرة، لكن هذه الأزمة هي في عمقها أزمة سياسية، نجمت عنها الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تتخبط فيها الجزائر، وأدت إلى تصاعد في الحراك الشعبي الذي ازداد قوة وانتشارا، ما دفع السلطة العسكرية للعمل على إخماد جذوته بهدف إضعافه عبر تشتيت صفوفه التي تبدو اليوم متلاحمة ومتراصة.


لقد قام الحكام بالترويج في منطقة الصحراء الجزائرية لفكرة مسمومة هدفها تعميق النزعة الجهوية، حيث بثوا فكرة تقول إن منطقتي “القبايل” و”الجزائر العاصمة” تستأثران بأكبر حصة من موظفي شركة “سوناطراك”، وكأن الأمر لا يتعلق بواطن واحد يمكن لأفراده الحق في الاشتغال والعيش والتحرك في كل ربوعه. وتهدف هذه الإشاعة المغرضة إلى زرع ألغام الشقاق بين مختلف الجهات، ما قد يؤدي إلى ضرب الوحدة الوطنية، لأن هذه الإشاعة الباطلة تروم عزل الجهات عن بعضها البعض، وإدخالها في صراع يفضي إلى إدخالها في صراع يفرق بينها، من خلال إقامة سياج حول كل واحدة منها، وإجبار أهلها على العمل والعيش فيها من الولادة وحتى الممات، وكأن الجزائر ليست وطنا للجزائريين جميعهم.
لقد كشف الحراك الشعبي الجزائري عمق ما يعانيه هذا البلد من أزمات على كل الأصعدة، فتأكد أن هياكل الدولة مفككة ومهترئة، وأنه لا تمثيلية مجتمعية للأحزاب، حيث يتحكم فيها الجنرالات، ما مكنهم من خلق نخب سياسية لا تفكر إلا في خدمتهم من أجل تلبية شهواتها الحيوانية، وما يعني أن السلطة تجثم على المجتمع، وتخنق أنفاسه، ولا تسمح له بحرية تمكنه من إفراز نخبه بشكل طبيعي، لأن المجتمع عندما يتمتع بحرياته، فإنه يفرز نخبته التي تنير له طريقه وتمكنه من تجديد ذاته حتى يكون مؤهلا لأن يرسم لنفسه أفقا تنمويا جديدا.
ومن الغريب أن الجزائر من بين البلدان التي نظمت أكبر عدد من الانتخابات التي لم ينتج عنها أي تداول على السلطة، ما يعني أن الدولة مصابة بعقم خطير جعلها عاجزة عن تقديم أي جواب على الأسئلة المتواترة والمتنوعة التي يطرحها الشعب الجزائري. وهذا ما يؤكد انتهاء صلاحية هياكل هذه الدولة التي ضربها الجفاف، وأصيبت بعجز كامل، فأصبحت لا تقبل مساءلة الآخرين لها، فأحرى أن تقوم هي بمساءلة نفسها، الأمر الذي دفع بعض الخبراء الجزائريين إلى الجهر بأن نهايتها وشيكة.
وجدير بالذكر أن هذه السلطة قد سبق لها أن نظمت “انتخابات رئاسية”، فقاطعتها أغلبية الشعب الجزائري، كما قامت بتنظيم استفتاء على الدستور، فقاطعه الشعب الجزائري، وعرفت هاتان العمليتان تزويرا فظيعا، ما نزع أي شرعية عنهما، وجعل الشارع الجزائري يرفع شعارات منددة بالتزوير، من قبيل: “تبون مزور، جابوه العسكر”، “لا انتخابات مع العصابات”. ومن الأكيد أن فساد دولة العسكر وممارستها للتعسف والعنف والتزوير هو ما جعل الشعب الجزائري يرفع شعار “دولة مدنية، ما شي عسكرية”…
ويبدو أن حكام الجزائر لم يتعظوا بعد، ولم يستفيدوا من دروس الماضي؛ فهم لا يدركون أن الشعب الجزائري يعي ألاعيبهم ومناوراتهم ومؤامراتهم، ولم يعد يثق في تنظيمهم للانتخابات ولا في نتائجها. ومع ذلك يتمسك الجنرالات بتنظيم الانتخابات في شهر يونيو المقبل، ما يعني أنهم سائرون بالبلاد نحو المجهول، لأن الشعب الجزائري أصبح مقتنعا بأن العسكر هم أصل الداء، ولا يمكن للداء أن يكون دواء، إذ لا حل لمشاكل جزائر اليوم إلا بالقطيعة مع نظام العسكر. ولا تعني هذه القطيعة أن الحراك الشعبي ضد العسكر بكونهم أشخاصا، وإنما هو ضد الآليات السياسية التي يوظفونها للتحكم في رقاب المواطنين ووطنهم، ما يفيد أن الشعب يريد من العسكر أن يعودوا إلى ثكناتهم، ويبتعدوا عن الخوض في الشأن السياسي الجزائري، ويرفض أن تقوم كمشة من العسكر واستخباراتهم بتعيين “الرئيس” والبرلمان وفرضهما…
إضافة إلى ذلك، فإعلام الجنرالات يرفضه الشعب الجزائري الذي أصبح يبحث عن المعلومة حول بلاده في القنوات الدولية ووسائط الإعلام والاتصال الحديثة، لأن إعلام الحكام لا يحترم أخلاقيات الإعلام كما هو متعارف عليها كونيا، حيث يقوم الإعلامي بالبحث عن المعلومة السليمة، ويقدمها للمواطن بشكل يساعده على التمييز بين الأشياء. لكن الإعلام في الجزائر هو مجرد بوق للسلطة وأداة للتملق إليها ومدحها، وترويج أكاذيبها وأضاليلها، والهجوم على خصومها…
فضلا عن ذلك، إن هؤلاء الجنرالات يروجون إشاعات مغرضة ضد الحراك الشعبي، حيث يدعون أنه محرك من الخارج، ويعملون على توظيف مجموعات قليلة لنسف سلميته وضرب وحدته… هكذا، فمناوراتهم وتحايلاتهم ترمي إلى إحباط معنويات الشعب الجزائري، من خلال عملهم على ربح الوقت والتماطل لترك انطباع لدى الشعب بأنه لم يحقق نتيجة في صراعه معهم، ولا يستطيع فعل أي شيء، علما أنه ليس لهؤلاء الحكام مخطط، ولا مشروع، ولا كفاءة، ولا مجهود، ما يؤكد أنهم لا يستطيعون الاستمرار في تسيير البلاد لفترة طويلة. ويدل هذا على أنهم استنفذوا شروط وجودهم، فصارت نهايتهم وشيكة.
ويرى بعض الخبراء أن الصراع بين الشعب الجزائري والجنرالات يختلف اليوم عما كان عليه الأمر في تسعينيات القرن الماضي أيام لجأ هؤلاء إلى اختراق الجماعات الإرهابية وتمويلها وتدريبها وتوظيفها في عمليات إرهابية، يتدخل الجنرالات خلالها أو بعدها لوضع حد لها، ما يفيد أنهم كانوا يدبرون جرائم التقتيل ضد الشعب الجزائري، لكي يتدخلوا لإيقافها بغية منح شرعية لوجودهم، مما يعني أن الإرهاب شكل في تسعينيات القرن الماضي شرطا لوجود نظامهم، لأنهم لا يستطيعوا أن يمنحوا معنى لوجودهم بدون تنظيمهم للإرهاب. بذلك، استطاعوا أن يفرضوا معادلة سياسية على الشكل الآتي: الجيش في مواجهة الإرهاب
ويقول هؤلاء الخبراء إن المعادلة السياسية قد اختلفت مع الحراك الشعبي السلمي الحالي، لأن هناك شعب موحد بكل تياراته في مواجهة حضارية لنظام العسكر، وأن الصراع قد وصل إلى القطيعة بينهما، لأن الشعب توحد بمختلف تياراته من أجل التغيير الجذري وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، والفصل بين السلطات، واستقلا القضاء…
لذلك، مادام الشعب الجزائري مستمر في حراكه بقوة، فإنه ينبغي على الحكام أن يكفوا عن التآمر ضده ويلغوا الانتخابات التي قد تضر بالوطن، بل قد تخلق ظروفا يمكن أن تقود إلى نهاية مأساوية للجنرالات ذواتهم. لذلك، ينبغي على هؤلاء الحكام أن ينصتوا لصوت الشعب الذي لم يعد في إمكانهم إلغاؤه، لأن دولتهم غير منظمة، حيث كلما اشتد ضغط الشارع على العسكر، فإنهم يفترسون بعضهم البعض. والشعب واع بأنه لا يمكن له أن يتفاوض مع العسكر، لأنهم يبحثون عن نخب تقبل الاشتغال في كنفهم، الأمر الذي يشكل انبطاحا في عيون رموز الحراك، الذين عبروا عن قطيعتهم مع النظام. فهؤلاء الرموز يعرفون جيدا طبيعة نظام العسكر وأساليبه وآلياته ومؤامراته، ما جعلهم يرفضون الاقتراب منه، لأنهم يدركون ما فعله الجنرالات بالمرحوم المجاهد “محمد بوضياف” وغيره من آباء الحركة الوطنية الجزائرية التي فجرت ثورة ضد الاستعمار الفرنسي.

تبعا لذلك، فإن رموز الحراك الشعبي مستمرون في الدعوة إلى استمراره، لأنهم يدركون أن العوامل الداخلية والخارجية تساعد على تحقيق أهدافه. أتمنى للشعب الجزائري التوفيق في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة..