كلمات: إن المساجد لله .. ولضيوفه فلماذا إغلاقها في وجوههم ؟

*كلمات* .. في الانقلاب على ” صُفة” رسول الله (ص) ———————————*
إن المساجد لله .. ولضيوفه فلماذا إغلاقها في وجوههم ؟!* أحمد ويحمان
× يطرح الناس اليوم، بمرارة ودهشة وغضب مكتوم، أسئلة إنكارية موجعة حول استمرار إغلاق المساجد ـ بيوت الله ـ في وجه منكـوبي الفيضانات، بالشمال وسهل الغرب، رغم الحاجة الإنسانية العاجلة إلى فضاءاتها للتخفيف من هول الكارثة، وإيواء المشردين الذين لفظتهم السيول من منازلهم ومدنهم وقراهم. أي مفارقة هذه التي تجعل بيوت الله مغلقة في وجه عباد الله، في اللحظة التي يكون فيها الإنسان أحوج ما يكون إلى سقف يأويه ودفء يقيه ورحابة مكان تبلسم جراحه؟ وأي رسالة تُبعث إلى الضمير الجماعي حين تتحول المساجد من ملاذ الرحمة والتكافل إلى بنايات صامتة مغلقة الأبواب في وجه المنكوبين ؟ تعيدني هذه القضية وأسئلة الناس في الشمال إلى ذات الجرح في المنطقة الشرقية. فقبل أيام، ونحن هناك في سياق الرد على استفزازات الوفد الصهيوني بقيادة ضابط الجيش الصهيوني الذي رفع علم الإبادة الجماعية في “بين الجراف” الحدودية لإشعال الفتنة بين المغرب والجزائر، حدثني، هناك، صديق بمدينة وجدة عن مأساة قال إنها تخنقه وتخنق معه ساكنة المدينة كلها. قال:”تصور يا أستاذ، وجدة مدينة الخمسمائة مسجد، ولا يجد بضع عشرات من مهاجري السودان الفارين من الحرب، ومهاجر واحد من غزة لجؤوا إلينا، أي مسجد يأويهم مؤقتاً حتى تهدأ نار الحروب ويعودوا إلى بلدانهم، علما أنهم كلهم مسلمون .. وسنيون ! ومع ذلك لم نستطع فتح أي مسجد لإيوائهم. لم يجدوا من يستقبلهم إلا الكنيسة الوحيدة في المدينة، التي لم يعد يرتادها أحد !” .أي مفارقة أخلاقية وتاريخية محيرة أبلغ من هذه؟أن يجد المسلم الملهوف باب الكنيسة مفتوحاً في وجهه، بينما تبقى أبواب المساجد موصدة ؟ ليس في الأمر انتقاص من الكنيسة ولا من قيم التضامن الإنساني التي جسدتها، بل هو صفعة موجعة لضميرنا الجمعي قبل أي شيء آخر. والحقيقة أن المصيبة لا تخص الشمال أو الشرق وحدهما. إنها ظاهرة عامة، في كل البلاد : ظاهرة إغلاق بيوت الله في وجه وظائفها التاريخية والروحية والاجتماعية. لقد كان المسجد، عبر التاريخ الإسلامي، أكثر من مكان للصلاة. كان مؤسسة مجتمع كاملة :مدرسة للتكوين.. ديوانية للتثقيف .. مقر بلورة وصنع القرار “الحكومي” والتشريعي ..ملجأ للغريب،ومأوى لابن السبيل،ومكاناً لإغاثة الملهوف،ومركزاً للتكافل والتضامن.بل ان تاريخ الأمة الذي انطلق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ..والذي كان أول مؤسسة يقيمها النبي عليه الصلاه والسلام في الدقيقة الأولى لوصوله الى المدينة مهاجرا… لم يكن مسجدا فقط للصلاة والانصراف.. بل مؤسسة جامعة لوظائف شتى . و من أهمها إيواء المكلومين الفقراء المنكوبين في أرزاقهم بسبب هجرتهم بدينهم.. وقد كانوا يعرفون باسم “اهل الصُّـفة”..*ومن هم اهل الصُّـفة ؟؟:*إنهم فئة تشكلت في أوائل العهد المدني، وكانوا نحو 400 شخص .. وقد كانوا مجموعة من فقراء المهاجرين وصحابة النبي ﷺ الذين لم يكن لهم مأوى أو أهل بالمدينة المنورة، فخصص لهم النبي حجرة مظللة (الصُّفَّة) في مؤخرة مسجده للسكن. كانوا متفرغين لطلب العلم، العبادة، والجهاد، وعرفوا بتعففهم الشديد عن السؤال، وكانوا أضياف (ضيوف) الإسلام.. وتسمية “الصُّفَّة” جاءت من إسم المكان الذي خصص لهم ..و قد كانت بمثابة مكان مسقوف في المسجد النبوي للغرباء والفقراء. ..و كانوا يعتمدون على ما يأتيهم من رسول الله ﷺ من صدقات وهدايا، وعلى صدقات الأنصار.بل ان من أشهرهم : أبو هريرة، عمار بن ياسر، سلمان الفارسي، بلال بن رباح، صهيب الرومي، والمقداد بن عمرو… و هم من أعلام الصحابة ‼️ وكان النبي ﷺ يتعاهدهم بنفسه… ‼️ ويعد أهل الصفة نموذجاً للزهد والتوكل، وقد نزلت فيهم آيات من القرآن الكريم تمدح تعففهم . واذا كانت هذه لمحة تاريخية من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم و صحابته .. فإن الثقافة الشعبية، في كل بلاد المسلمين، وحتى الماضي القريب عندنا في المغرب أيضا، كانت تعتبر، بل وتسمي، المسجد *”بيت الله”* ، ومن يدخل إليه معلناً أنه “ضيف الله”، تصبح جماعة الحي أو القرية، بعرف المجتمع وثقافة العقيدة، مسؤولة عن رعايته :إطعاماً،وسقياً،وإيواءً،ومساعدة حتى يتدبر أمره.فمتى فقدنا هذه الروح؟ومتى تحولت المساجد إلى فضاءات محكومة بمنطق إداري بارد، منفصل عن الوظيفة الحضارية والإنسانية التي نشأت من أجلها ؟ إن المسؤولين عن هذا الوضع مطالبون اليوم، أخلاقياً قبل أي شيء آخر، بتقديم جواب واضح وصريح :هل المساجد مؤسسات عبادة نمطية يحددها وزير الرقابة على العقيدة؛ عبادة كرونوميترية لأداء الصلوات بعد الآذان ثم إقفال الأبواب مباشرة بعدها ؟أم أنها أيضا مؤسسات رحمة وتكافل وحماية اجتماعية كما كانت عبر قرون؟ إن الكوارث الطبيعية والحروب والنزوح القسري ليست قضايا نظرية. إنها امتحان حقيقي لجوهر القيم التي ندّعي الانتماء إليها.والمسجد، قبل أن يكون جدراناً ومآذن، هو معنى.ومعناه الرحمة.
*آخر الكلام*
أي معنى يبقى لقول الله سبحانه؛ “وأن المساجد لله” … إذا أغلقت في وجه عباد و”ضيوف الله” ساعة الشدة ؟
وأي رسالة نبعثها للأجيال إذا صار بيت الله أقل رحمة من أي فضاء إنساني آخر؟
ومن يتحمل مسؤولية هذا العار الأخلاقي والتاريخي؟
وهل سيأتي يوم تعود فيه المساجد إلى معناها الأول: بيتاً لله… وملاذاً لضيوف الله؟نتمنى ..
وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك سقيا خير لا سقيا عقاب !
————————-×
باحث في علم الاجتماع السياسي



