ذ. مصطفى المنوزي محامي و رئيس منتدى التفكير والدراسات والتوثيق

كانت حلقة برنامج مباشرة معكم موفقة ، ولا يسعني إلا أثمن كثيرا  من المعطيات الواقعية والقانونية ، وأستقبل بارتياح  كثيرا من الرسائل ، خاصة تلك  الصادرة عن الأخت سارة والأخ محمد العوني ، فالزمن لم يكن كافيا لتشخيص حقيقي وبسط مخرجات للتجاوز ، وبالتالي كانت الفرصة سانحة لدق ناقوس الخطر  حول ثلاثة عناصر مفترضة  لم تناقش بالعمق الشافي

أولا : الحق في التعبير السلمي  وعلاقته بسؤال تحصين الحقوق المكتسبة ، وأدوار الدولة والمؤسسات الدستورية في حماية هذه الحقوق وترسيخها ضمن مخططاتها التشريعية وسياساتها العامة والعمومية ، وسؤال إرساء ضمانات وتدابير عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة وجميع فظاعات الماضي الذي يستعصي على أن يمضي ، والقطع مع مظاهر الفساد والاستبداد ، و من خلال تعثر تفعيل  مطالب الحكامة  التشريعية والقضائية والأمنية ، وما يرتبط بها من مقتضيات تيسير مباشرة الرقابة الدستورية  والمساءلة  القانونية . 

ثانيا : عنصر  الثقة  الذي تدل أغلب  المؤشرات على  أنها مفتقدة  تجاه المؤسسات العمومية والحزبية وتجاه آليات الدفاع المدني ، ومفتقدة أيضا  داخل هذه المؤسسات والهيئات نفسها ، مما يطرح أسئلة حقيقية وحرجة حول طبيعة العلاقات التعاقدية فيما بينها على مستوى التعامل والتخاطب ، وما يترتب عن ذلك من  توافق او توتر  او تنافر أو ولاء أو انتماء او انخراط او معارضة وصراع ، مما يستدعي طرح سؤال  المشاريع والعروض السياسية وكذا المقتربات الثقافية او الحقوقية وجودتها وتعدديتها ، وسؤال تأهيل أشكال الصراع او الحوار او التفاعل ، في سياق دمقرطة وسائل  التمرين  على بناء الديموقراطية ، مع مساءلة الصلاحيات وأدوار كل مؤسسة أو هيأة على حدة ، تفاديا لكل احتكار او تماه أو  تنازع أو اعتداء على الاختصاصات والمهام ، فالفصل بين السلطات أوالمهام غير كاف دون استقلال فيما بينها  ، صحيح أن هناك خيطا ناظما  مفترضا بين الثقافي والسياسي والحقوقي والنقابي ، ولكن في آخر التحليل  تقل الاختلالات والأعطاب كلما تم احترام الأدوار والصلاحيات وفق ما يقتضيه القانون وأخلاقيات تدبير الصراع قانونيا و ديموقراطيا ، وبعيدا عن أي إكراه او تعسف او ابتزاز  اووصم وتمييز او  شعبوية . 

ثالثا : عنصر الالزام والالتزام  الذي لابد وأن يؤطر  السلوكات والتعاقدات تحت طائلة ترتيب الجزاءات ، فالدولة وأغلب الأحزاب الفعلية  وبعض قوى المجتمع المدني  ضخمت من انتظارات  المواطنين والمنخرطين  مع غياب آلية المحاسبة والنقد والنقد الذاتي  ، من هنا  ، ومن بين الأمور التي لم تأخذ  حقها في النقاش العمومي  تقييم وتقويم حصيلة العشرية  السابقة على الحراك الفبرايري  ثم العشرية اللاحقة في ظل تردد وارتباك البعض وعدم الانخراط الكلي في ترتيب والتأسيس للانتقال حتى لا نقول التحول  ، مادام الكل يحاول أن يتكيف مع الأوضاع والسياقات  الجديدة  ، إن بفكر التسوية او نزعة التطبيع أو ثقافة المقاطعة او عدم الاكتراث .  

وفي نظري  ، ودون أن أصادر  على المطلوب ، كان لابد من الإنصات إلى  بعض الرسائل في صيغة إشارات  ، صادرة هنا او هناك  ، وهو مجرد استنتاج لي مطوق بكثير من النسبية واللايقينية ،  هناك هروب حقيقي من نقاش  للحظة الديموقراطية ، فلا يعقل  أن يتم تأجيل مطلب الديموقراطية  ولو في لبوسها اللبرالي ، كما أن الجواب عن مطلب  التحول الديموقراطي يتطلب كثيرا  من الجهد والجرأة من خلال اعادة طرح سؤال طبيعة النظام السياسي  وعلاقته بارادة التغيير أو الإصلاح  ، لأننا فعلا نعيش ردة سياسية خطيرة  ، على مستوى  التأطير  الحزبي للحالات النضالية وكل التعبيرات المجتمعية ، لأن كون تحول الأحزاب إلى وكالات انتخابية لا يلغي  دورها في بناء الدبموقراطية ، ومهما  علا شأن الحركات المدنية والحقوقية  فلا يمكنها أن تنوب عن الفعل السياسي  والحزبي ، فشتان بين القدرة على رصد الخروقات وبين إمكانيات ومهام رصد مؤشرات تغيير العقليات والبنيات  ، في ظل زمن تتجدد فيه مطالب فصل الدين عن الدولة ، والمال عن السلطة ، وفي ظل عودة سؤال هيبة الدولة والذي يستغل مشجبا لتكريس المقاربة الأمنية  والتهرب من الجواب على  أزمة الثقة في المؤسسات في العلاقة مع تفاقم حدة الخصاص الاجتماعي .