هل ما يزال حزب العدالة و التنمية حزبا مطبعا ؟
أحمد ويحمان


ـــــــــــــــــــــــ


عودتنا إلى هذا الموضوع، مرة أخرى، مع أننا خضنا فيه عدة مرات وانتهينا فيه إلى ما يشبه الحسم في شأنه، مرده إلى مستجدات طرأت على الساحة الوطنية، قبل أيام، ما تزال تتفاعل ولها علاقة بالموضوع . منها ما جرى ويجري من جدال وسجال ومشادات في خضم دورات المجالس البلدية، كما حدث في كل من عاصمة سوس؛ أغادير و العاصمة العلمية فاس . ففي دورة المجلس البلدي لمدينة أغادير، تصدى المستشارون الجماعيون في مجموعة أحزاب اليسار وكذا في مجموعة مستشاري حزب العدالة والتنمية للمجلس ورئيسه ( الذي هو نفسه رئيس الحكومة )، عزيز أخنوش ونزوع هذا الأخير إلى جر ” الأغلبية ” المسيرة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وطرحوا ما يحضره المجلس بزعامة حزب ” الرئيس ” الذي انخرط في أجندة التوأمات و ” توحيد الهياكل ” بتعبير أندري أزولاي، على هذا المستوى كما على المستويات كافة بين المغرب والكيان الغاصب

وفضلا عن طرح الموضوع بالمجلس البلدي، فإن مناضلات ومناضلي حزب العدالة والتنمية وعددا من الهيآت الموازية المرتبطة دعت إلى وقفة احتجاجية قبالة البلدية رفضا وإدانة لهذا التوجه؛ هذه الوقفة التي وجهت من طرف السلطات، تعسفيا، بالمنع والمحاصرة والتضليل .
وكما في أغادير، شهدت إحدى دورات مجلس فاس مواجهة وسجالا بين مستشاري حزب العدالة والتنمية و”رئيس المجلس” الذي ينتمي لنفس “حزب” أخنوش الذي وقع توأمة بين فاس وإحدى مدن الكيان الصهيوني تهريبا، ودون مناقشة، أو حتى إطلاع المجلس بذلك .
ومما ميز اشتباك مستشاري حزب العدالة والتنمية، المناهضين للتطبيع، والمهرب،” رئيس المجلس المطبع” سجالٌ فيه ـ كما يقول الفرنسيون ـ
( .. à boire et à manger)
.. فيه كثيرمما يقال وما له علاقة بموضوعنا .. ولذلك عدنا إليه مرة أخرى . ففي خضم هذا السجال رد “الرئيس مهرب التوأمة ” على أحد مستشاري العدالة والتنمية المناهض والمدين للتطبيع الذي أثار تهريب التوأمة مع إحدى مدن كيان الاحتلال قائلا :
” ياك ما حشمتي نذكركم أنكم أنتم اللي … ” … وأتم جملته بلغة الميم، إمعانا في “تقطار الشمع” كما وصفته الصحافة، راسما بيده إشارة التوقيع ! والقصد طبعا واضح .
فالرئيس المهرب يشير ويذكر مستشار حزب العدالة والتنمية بأن أمين عام حزبه هو الذي وقع اتفاقية التطبيع كحكومة منذ سنتين .. وبالتالي، فلا يحق له أن يزايد عليه إذا أقدم هو على توقيع اتفاقية التوأمة بين “مدينته” ومدينة في ” بلد” وقع معه رئيسه اتفاقية أشمل !! .
في هذا السياق وهذا الخضم، فضلا عن نقاش لا يتوقف عن موضوع التوقيع المشؤوم ودوره في إطلاق تسونامي التطبيع على المغرب وأثاره على العمل الوحدوي في مناهضة الاختراق الصهيوني، في هذا السياق عدنا للموضوع من باب عنوان كلمات اليوم، وفي شكل سؤال .
وجوابا على سؤال العنوان ، هناك ردان :
الرد الأول هو رد عموم الناس والأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني وائتلافات مناهضة التطبيع، ويقول : و ماذا تغير، في موقفهم حتى يُطرح هذا السؤال ؟ .. ماذا تغير في موقف هذا الحزب، منذ أقدم أمينه العام السابق على توقيع اتفاقية التطبيع مع العدو الصهيوني، بيده، مع الإرهابي بنشباط مستشار ما يسمى الأمن القومي بكيان الاحتلال، قبل سنتين من الآن (كان التوقيع بتاريخ 22 دجنبر من سنة 2020) .
أما الرد الثاني فهو رد مناضلات و مناضلي حزب العدالة والتنمية الذين يجيبون؛ ومتى كان الحزب مطبعا حتى يُطرح هذا السؤال ؟ فالتطبيع، بالنسبة لهم، وقعه الأمين العام السابق بصفته رئيس الحكومة و ليس بصفته أمينا عاما للحزب .. ومنهم من يضيف تفاصيل عن الضغوط التي مورست عليه ليوقع وأن هذا التوقيع، في كل الأحوال، لا يلزم الحزب في أي شيء وأن القضية الفلسطينية هي، بالنسبة لهم قضية وطنية كما هي بالنسبة لكل القوى الحية بالبلاد . ف” فلسطين والمقاومة أمانة والتطبيع خيانة” أكثر من مجرد شعار يرددونه مع الجميع، وإنما هو ثابت من ثوابت الحزب وكل المناضلات والمناضلين متشبثين بهذا الثابت الذي يرقى إلى مستوى الثابت العقدي لديهم …الخ .
إنه إشكال بالفعل لأن هناك حقائق لا يمكن إغفالها أو تجاهلها أو القفز عليها .. إلا أنه، على تشابكه، إشكال واضح في تداخلاته، ورغم تعقيده، وواضح في حله وتجاوزه إذا …
فمن تشابكاته أن مناضلات ومناضلي وأطر وعدد من مسؤولي حزب العدالة والتنمية لا يمكن الاقتصار على القول في حقهم أنهم يرفضون التطبيع، وإنما هم مكافحون، من موقع الطليعة، في مواجهة ومناهضة التطبيع .. في الوقفات .. في المسيرات .. في البرلمان، سابقا لدى وضع مقترح قانون تجريم التطبيع، أو حاليا في التصويت ضد اتفاقيات العار التي يتم تمريرها ضدا على إرادة الشعب … الخ .
غير أن هذه الحقيقة لا تنفي، بل وتنتصب أمامها حقيقة أخرى تناقضها، وهي أن قيادة هذا الحزب تتحمل مسؤولية هذه الكارثة الوطنية وهذه الجريمة، في حق الشعب المغربي والشعب الفلسطيني وكل الأمة، بقبولها التوقيع على اتفاقية الخزي والعار مع العدو . فاالقيادة السابقة، الأمين العام السابق العثماني، ومعه الأمانة العامة، باستثناء أعضائها القليلين، الذين عبروا عن رفضهم باستقالتهم أو تجميد عضويتهم، مسؤولة عن هذه الجريمة أمام الله وأمام التاريخ وأمام الشعبين المغربي والفلسطيني وكل الأمة وأمام أحرار العالم ..وهي مسؤولة أمام آلاف المناضلات والمناضلين في هذا الحزب الوطني الذي يتم خزيهم ( لا تخزيني في صاحبي) كل يوم مع وخصومهم وأصدقائهم بهذا الموقف المخزي حقا .
كما أن القيادة الحالية ما تزال تتحمل وزر دعم القيادة السابقة وقت التوقيع وكذا الاستمرار في موقف “التفهم لقرارات الدولة في التطبيع” الذي ماتزال هذه القيادة تعلنها من حين لآخر، رغم دعوتها في أكثر من مناسبة إلى مناهضة التطبيع؛ وهو أمر وموقف متناقض يقول الأمر ونقيضه في نفس الآن، وهو ما يضر، غاية الضرر، بالمصداقية وسمعة وصورة الحزب ويخدم حملات التشكيك ويحمل الناس على عدم التعامل مع الحزب وأخذ خطابه محمل الجد ويؤثر على الثقة فيه وبناء التعاون مع شركائه السياسيين الجادين ومع القوى المجتمعية .. الخ، هذا فضلا عما يعانيه مناضلات ومناضلي الحزب من معاناة يومية حقيقية إزاء شماتة عملاء التطبيع الذين يلمزونهم و” يقطرون عليهم الميكا وليس مجرد الشمع “على طول و عرض شبكات التواصل الاجتماعي، ورميهم بأنهم مطبعون بعنوان توقيع العثماني و تفهم بنكيران … وكذا معاناتهم من تجريح بعض مناهضي التطبيع ممن يسحبون جرم توقيع العثماني ليرموا به كل من يحمل صفة “بيجيدي” …
آخر الكلام
.. قلنا بأن الإشكال، على تشابكه، واضح تداخلاته، وبسيط حله وتجاوزه والخروج من خزيه وإحراجاته إذا، وفقط إذا، توفر حد أدنى من الفهم وحد أدنى من الشجاعة .. الحل واضح وبسيط، وهو مما تنطبق عليه القاعدة الفقهية ؛ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
ومع أن المقارنة مجحفة إلا أن القصد هو في تقريب المعنى التطبيقي للقاعدة ..
إن حزب العدالة والتنمية هو في وضع المتلبس بالجنابة .. لا تجوز صلاته إلا برفع الحدث الأكبر ..
إن الصلاة لا تجوز إلا بالتطهر و الوضوء بالماء الطهور إذا لم يك هناك مانع شرعي كالعجز جراء المرض أو السفر … أو غيرهما مما يرخص التيمم . والتيمم بكلام غير عقلاني يستخف بذكاء الناس، من قبيل التوقيع كان بصفة رئيس الحكومة وليس بصفة أمين عام للحزب، لا يقبله أحد .. بل إنه مستفز لمن يقال لهم ويدفعهم لرفضه ومقاومته لأنه يستغبيهم ويعتبرهم أقصر عقلا من أن يفهموا، بديهية يعقلها الجميع، وهي أن رئيس الحكومة هو نفسه الأمين العام للحزب، والناطق الرسمي باسمه وممثله أمام المؤسسات الدستورية وأمام القضاء .. وأنه رئيس الحكومة لأنه بالضبط أمين عام للحزب .. وإلا لما كان . .. التطبيع كارثة وطنية وجريمة بشعة مستمرة تتسم بالديمومة ولا تسقط بالتقادم، وغير قابلة للنسيان، وهي ملازمة لصاحبها، فردا أو حزبا، لعنة وخزيا، إلى يوم الدين . ودواؤها الوحيد هو التوبة منها .. والتوبة كمفهوم شرعي يقابله في براديغم العلوم السياسية مفهوم النقد الذاتي أو في براديغم الأخلاق؛ الاعتذار ! .

أقول قولي هذا، وأختم بدعائي إلى الباري الهادي عز وجل أن اللهم أرنا، و الناس، الحق حقا وارزقنا اتباعه .. وأرنا التطبيع خبثا ودنسا وارزقنا اجتنابه ..والحمد لله على كل حال .

  • أحمد ويحمان .. ناشط حقوقي
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube