عبد الحميد البجوقي

“شكون يعطي العيد للعبيد” مثل شعبي مغربي طالما سمعته عن جدتي وعن أمي كلما اشتكيت من الحرمان الذي كنا نعيشه وقارنته بنعيم الآخرين, كانت أمي رحمها الله تذكرني بجوابها أن الحقوق تختلف باختلاف الطبقات وأنها لا تتساوى بين العبد وسيده, ما كان يزعجني أكثر أن المقارنة التي يوحي بها المثل تضع مثلي ضمن العبيد وأن الآخرين أسيادا وأن التفكير في المساواة حلم محرم على مثلنا من العامة.
يحضرني اليوم هذا المثل وأنا أتابع حلقات مسلسل علاقة الدولة المغربية بمواطنيها في الخارج , وتحضرني المقارنة فيما يتعلق بتعامل الدولة المغربية مع مواطنيها في الخارج وكأنهم مواطنين من الدرجة الثانية كان قدرهم أن يبتعدوا عن الوطن, أن يعملوا وأن يجهدوا وأن يخدموا الوطن, لكن أن يكون لهم رأي أو فعل في تدبيره فهذا شأن آخر, هذا عيد لا يستقيم للعبيد. يبدو وكأنه مقطع من مسرحية “كأسك يا وطن” لدريد لحام يعاتب فيها نفسه قائلا ” ما ذنبي إذا ابتعدت عن الوطن لكن الوطن ظل يقاوم ويعيش في داخلي”.
هذا قدرنا مع الدولة المغربية ومع نخبتنا السياسية المهترئة, بقدر ما نلح في انتمائنا لهذا الوطن بقدر ما يلح مختطفيه على إبعاده عنا وطرده من قلوبنا واجتثاثه من وجداننا, لا يلوح في الأفق أن صناع القرار سيتراجعون عن هذا التبخيس المقصود للجالية ما دمنا نبالغ في التعقل والرزانة والمسؤولية واحترام الثوابت, وما دامت نخبة الجالية تكرر مثيلتها في الداخل بانحطاطها وانقساماتها واستيلاء تجار التقسيط الجمعوي والسياسي على “تمثيليتها” وطهرانية بعض نخبها التي نأت بنفسها عن الاختلاط بمحيطها خوفا من الوباء.
قد يخالني البعض أنني متشائم وأرسم صورة سوداء قاتمة عن الهجرة المغربية, لكن الحقيقة أنني متفائل وتقديري أن قتامة المشهد وصلت حدودا تعد بنهاية مرحلة وبداية أخرى, تقديري أن خيط الثقة قد انقطع بين مغاربة الخارج والدولة المغربية بمؤسساتها وأحزابها وأجهزتها وأن ظهر البعير قد انقسم, ولم يعد بدا من التجدد والاستمرار, لم يعد بدا من الفطام والاختيار بين المبايعة والمواطنة. في تقديري أن عصبية الدولة المغربية وضعت مغاربة الخارج بين خيارين, خيار الالتحاق والانخراط بشروط مهينة في مؤسسات أثبتت فشلها وبؤسها , وخيار الانتماء عبر بناء مؤسسات بديلة مستقلة وديمقراطية تضمن ارتباطا حقيقيا بالوطن بما هو من شعب وأهالي وثقافة وغيرها, بمعنى أن نختار بين الالتحاق بالوطن عبر مؤسسات مشكوك أصلا في شرعيتها أو أن ننظم انتماءنا للوطن عبر مؤسسات نحن أساس شرعيتها ووجودها. بعض الصادقين والشرفاء من مغاربة الخارج يقترحون اليوم وبصراحة قطع الحبل مع الدولة وتأسيس مجلس انتقالي لمغاربة العالم, مجلس يشرف على انتخاب مجلس مستقل وديمقراطي للجالية, الجالية بحجمها العددي الذي يقارب اليوم خمسة ملايين مغربي أغلبهم يقيمون في الدول الأوروبية بإمكانها أن تخوض هذا التحدي وأن تصنع المفاجأة, لنا في النماذج اللاتينية أمثلة عديدة ساهمت في سقوط أنظمة وقيام أخرى.
كل هذا ليس اكتشافا جديدا ولا سرا أن الشتات المغربي قوة ضاربة بمالها وأطرها ينقصها فقط التنظيم والتشكل والتأهيل وبروز نخبة قادرة على التأطير, وأن تعي أن الحل ليس في العيد بل في ثورة العبيد.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube