د. محمد الشرقاوي ـ الولايات المتحدة الأمريكية

عندما تكون ظاهرة اجتماعية جديدة شاذةً عن القاعدة ولم يفككها ويقيّمها البحث العلمي بعد، غالبا ما يصطلح عليها بإضافة ism بالانجليزية أو isme بالفرنسية، أو “ية” أو “وية”، من قبيل الغيتوية ghettoisn وهي ديانة جديدة يتعبد فيها أنصارها الشيطان ويترنمون على سماع موسيقى الشيطان في بعض أحياء نيويورك وأتلانتا وكاليفورنيا.

في مغرب العجائب، ظهرت الطوطووية totoism أو totoisme، فيما يعتبرها البعض إبداعًا وشكلا تعبيريا لجيل جديد. وليس من الواضح كم من المئات أو الآلاف الذي “يطوطون” في جلسات سمرهم وأسلوب حياتهم. وينبغي أن نضيف إلى القاموس الألفاظ التالية:
“طاط” فعل ماضي،
“يطوط” فعل مضارع،
“طُطّْ” فعل أمر،
و”طوطو” و”طوطية”إسم حال،
و”طوطووية” مصدر،
وهكذا دواليك ببقية المشتقات.

لا ضير أن تكون الطوطووية جلية في الشارع، وأن يكون مؤسسها العظيم صريحا يكشف ما لديه من أفكار ومواقف وسلوكيات بشفافية ووضوح. بيد أن اللعنة الحقيقية أن تكون هناك طوطووية “أكاديمية”، وطوطووية “لغوية”، وطوطوية “تواصلية” داخل الجامعة المغربية، وتستند في شرعيتها إلى منصّة “الأستاذية”.

تعالوا نتعرف على أحدهم، وهو يقدم نفسه “أستاذا في القانون ومؤرخا وباحثا في علم مقارنة الأديان، ومؤلف كتب وأبحاث شتى حول التاريخ والمجتمع المغربيين”. يقول في اقتباس مباشر:

“طوطو…ثاني..شوية ديال التواضع الله يعطيكم الخير..
شوية ديال الرّزانة والعقل والتواضع، وحبسوا من اعطاء الدروس للشباب..اذا طوطو اعتدى على شي فنان، كاين القضاء، وما شغلكم، ما شغلي…
أمّا علاش گال هاكّا؟ ولا علاش يغني بحال هاكّا؟! راه ما شغل حتى واحد…وحتى واحد ما عندو الحق يدير فيها واعظ وفاعل خير، وحتى واحد ما وصي على المجتمع او على الشباب والنشء…تفكّر زبّور مّك انك حتى انت كنتي شاب وكنتي صغير…واعرف ان هاذ الجيل ماشي جيلك..واكْبر واصبر للسن والسنين، وادخل سوق كرّك…
صبحنا على الله مع من تّلّينا يا العياذ بالله…”

لم تأت الطوطووية من فراغ، ولم تسقط صدفة من ثقب في الأوزون، بل هي نتيجة تراكم أكثر من خلل موجود أصلا في الجامعة وفي المجال العام. فكم من طوطو درس على يد هذا “الأستاذ” الفاضل، الجليل، الخلوق، الرفيع في ذوقه، والرصين في علمه، والبليغ في لسانه، وهو يذكّر مخاطبيه ب “ز…” أمهاتهم، ويدعوهم للدخول إلى “سوق ك…”!

لم تتغدّ الطوطووية من رافد واحد، بل من روافد عدة. ولا يزال المرء يتذكر محاولات آل عيوش قبل أعوام قليلة لإقبار الفصحى واستبدالها بالدارجة في التعليم، وأيضا فيلم البدعة الفنية من أجل التطبيع مع لغة الجنس الفاحش ونشر منطق “البورنو” علنا في وضح النهار بين الجمهور. وهناك أيضا المدرسة الباطمية والطراكسية والشطحات الشعبوية الأخرى التضليلية في الفنون والثقافة.

إذا أدار أي منكم وجهه يمنة ويسرة، سيكتشف وجود دعاة للطوطووية بشكل ضمني أو صريح منذ سنوات، فلا ينبغي أن نشعر بالمفاجأة أو نعبّر عن الاستغراب اليوم. لكن المؤكد أننا قضينا السنوات الأخيرة نتجاهل روافد معينة داخل المجتمع وعبر المنصات الجامعية والإعلامية تمهيدا لتتويج “الطوطو الأعظم” في حفلات الشارع وعبر الشاشات والمنصات، وفي التغطية “الإشهارية” وليس الإعلامية القياسية التي تمنحها له جمهرة من حملة الميكروفون وأجهزة التصوير وجماجم ترى فيه “نجم” المرحلة

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube