القضية الحقوقية من سنوات الجمر إلى عهد الجزر

منذ البداية لابد أن نؤكد مرة أخرى بأن العملية السياسية التي رافقت العهد المحمدي الذي لم يعد جديدا بفعل شعاراته التي تآكل بعضها وطمس جلها ، قد إستنفذت دورتها وطاقتها ، فلا المفهوم الجديد حقق نفوذه في المشهد الحقوقي والإجتماعي ، ولا المشروع المجتمعي الحداثي بصم المرحلة بإرهاصات عقلانية . صحيح أن الربيع الفبرايري أثر على المسار الإصلاحي وغير كثيرا في جدول أعمال الدولة ، فكل الالتزامات التي ارتبطت بالتوصيات الصادرة بمقتضى التقريرين حول التنمية والتحديث أو المصالحة والإنصاف أدرجت في ذيل المخطط التشريعي للحكومة الإئتلافية برئاسة حزب سياسي بخلفية إسلامية ، حزب لم يستطع تفعيل الشق الحقوقي والسياسي المرتبط به عضويا ، رغم تمكينه على التوالي بحقيبتي العدل وحقوق الإنسان . وبغض النظر عن هشاشة البعد الإجتماعي في السياسات العمومية والهويات الحزبية ؛ وبغض النظر أيضا عن هيمنة المقاربة الأمنية وإحتكار تدبير القضايا الحيوية والمصيرية من قبل مؤسسة مجلس الوزراء كرأس فاعلة ورئيسية داخل جسم السلطة التنفيذية ، فإن حظوظ الإنتقال السياسي والإقلاع الإقتصادي ضعفت وكادت تنعدم مع حلول زمن الجائحة الذي لا زالت تداعياته تبرز وتتراكم في شكل إحتقان وخصاص وخوف وما نتج عن هذا الواقع من فقدان الثقة وسلب للإرادة ، رغم أن المغرب في حاجة ماسة إلى القطع مع ماضي الفساد والإستبداد بسن استرتيجية عدم الإفلات من العقاب واستراتيجية عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، مما يؤكد بأن الدولة فشلت في إحترام إلتزاماتها والتي في غالبها لا تثقل كاهل الخزينة العمومية ، بل تكفيها إرادة سياسية قوية . ولولا تمسك الحقوقيين الشرفاء والوطنيين بقاعدة ” ما لا يدرك كله ، لا يترك جله ” لتم العصف بالمكتسبات المتراكمة ، فالرهان كان لدى المحافظين والراديكاليين على السواء كبيرا على الحراك والحالات النضالية المتفرعة عنه ، وكان لابد من الإقرار بأن كثيرا من الوقت ضاع بطغيان ” رغبات ” الزمن السياسي على حساب ” إرادات ” الزمن الإجتماعي . فقد فشل السياسيون بإختزال المطالب في الإصلاح الدستوري وحرها في صك فصل السلطات والذي يستحيل تغيير معالمه دون تغيير جذري في طبيعة النظام السياسي ، فرغم وعي النخبة بحقيقة أنه لا ديمقراطية في ظل نظام وراثي ، فإن هذا الوعي سقط في العدم مادام الأمر يقتضي إستحضار كافة المراجعات النقدية للخيارات ووسائل التغيير . لقد كان الخيار الوحيد الممكن ولازال ، وقبل التفكير في تغيير النظام ، هو طرح سؤال الدولة ومصيرها ، هذا السؤال الذي يستدعي بالضرورة التفكير في جدوى الدولة وتقويتها وعلاقتها بالقوة والمصلحة والمعنى ، وهي متطلبات وإشتراطات أكثر منها إكراهات ومعيقات . حقا لقد جددت الملكية نفسها ولكن لم تتخلص من تقليدانيتها القاتلة ، وقد عايشنا كيف أن ” العقل الأمني ” العالمي قضى على كل التجارب المنبثقة عن الدولة / الأمة أو رأسماليات الدولة ، ناهيك عن سقوط جدار برلين والمنظومة الإشتراكية ، مما حدا بالطيف الحقوقي إلى التفكير في خلق بدائل لتحقيق ما هو سياسي بمقاربة حقوقية ، وما عجز عنه الحزبي بالإجتماعي والمدني ، وفي ظل هشاشة آليات الدفاع المدني صرنا نغيش فوبيا إنقراض مشاريع اليسار أو الحركة التقدمية ، وفي ظلال تطاوس فوبيا عودة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في صيغة قمع ناعم وقهر سائل ، وبذلك نعيش لحظات اللايقين تجاه تصاعد المد المحافظ وتفاقم جزر اليقظة الحقوقية ، والحال أن الوطن يواجه تحديات التحولات الجيوستراتيجية وهو يبحث له عن مخارج تقيه من مخاطر حاذقة من جهة توتر العلاقة مع الجوار وفلول الإستعمار ، ولعل التفكير في جيل نوعي و جديد من الإصلاحات لقمين لتحقيق رهان التجاوز بتحويد التدبير التشاركي للأزمة .
مصطفى المنوزي

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube