محاولة لفهم التحويل القسري للعمل النقابي إلى ثورة عمالية
( على هامش تخليد الذكرى 50 لتأسيس حركة إلى الأمام )

بسبب تعالي بعض قدماء الماركسيين / اللينينيين يصعب التواصل والتفاعل النقدي مع التجربة وتقييم التحول الإجتماعي أو رصد مؤشرات الإنتقال (الهوياتي ) من الحس الإقتصادي إلى الوعي السياسي ثم الفكري الثوري ؛ وبالتالي يستعصي نقد بعض الأطاريح التي يتم التمسك بها ، خاصة حينما يصرون على محاولة التحويل القسري لهيأت تنظيمية بورجوازية صغيرة إلى حزب للطبقة العاملة دون حصول تراكم كمي في ظل مجتمع تقليداني ، وبالاحرى تراكم نوعي من شأنه تحقيق إنتقال ديمغرافي ” بروليتاري ” داخل تلك الصفوف ، باعتبارها شرائح منتمية ( إفتراضا) ماديا وفكريا للطبقات الوسطى ؛ وبالأحرى تحقق حظوظ تحول ” نخبتهم ” الثقافية و السياسية إلى قيادة فكرية بخلفية عمالية !
ونظرا لهذه الصعوبة فلا يسعنا سوى ” تذكير ” بأنه لا يكفي تبني تراث الحركة الماركسية اللينينية دون استحضار التحولات الحاصلة كونيا منذ سقوط جدار برلين وكذا بغداد ، وما نتج عنها من تراجعات و مراجعات في الحركة الشيوعية العالمية وحركات التحرر العالمية ، حيث صارت الإشتراكيات ديمقراطية بأن تبنت رأسماليات الدول الفكر الإشتراكي بنفحة قومية وبخصوصيات هوياتية مفارقة ، بنفس القدر الذي صارت معه أدبيات حقوق الإنسان مرجعية للنضال الديمقراطي السياسي ، بعد أن كانت ، في نظرهم ، مجرد فكر وممارسة ليبراليين ، وتحول العمل الجماهيري بديلا عن العمل الحزبي ، وصار الصراع مع الدولة حول من المؤهل لبناء وعي المواطنين بمقاربة حقوقية ، عوضا عن خوض الصراع حول السلطة المؤسس على إعادة بناء وعي الناس وعلاقات الإنتاج إجتماعيا ، وبالتالي لم يعد النقد موجها للدولة كجهاز للهيمنة والسيطرة ، وإنما اتجهت الهيئات الحزبية ذات المرجعية الجذرية إلى معارضة الدولة كجهاز لقمع الحريات والحقوق ، في تماه فادح وتنويه مقصود بين مناهضة الإستبداد وبين محاربة الفساد ، بآليات الرصد والفضح والإحتجاج ، لتطرح إشكالية العلاقة بين الحقوقي والسياسي كمظهر لتنافر العمل الحزبي مع العمل المدني ، وحصول ازمة الذيلية أو الإلحاقية أو عدم الإستقلالية ، وبغض النظر عن تماهي أدوار الحركة النقابية مع أدوار الحركة العمالية في ظل هيمنة أطر الوظيفة العمومية وإستحواذها على مراكز القيادة والقرار ، تجدر الإشارة إلى سيطرة المتقاعدين من بين هؤلاء الأساتذة التربويين والمهندسين والمهنيين والتقنيين على تشكيلة المنخرطين وخريطة القياديين ، ليطرح السؤال كيف يمكن إفراز الفكر العمالي من خارج الدورة الإنتاجية المادية والإقتصادية وبفائض الخطاب عوض فائض القيمة ؟ وهل يكفي إدعاء الإستمرارية ( إرادويا ) لفلول او شتات الماركسية / اللينينية وزعم الوفاء لشهدائها لأجل تحقيق الثورة الإشتراكية ؟ أم لا مناص من الإنتقال من البحث حول حقيقة الدولة وماهيتها إلى التفكير في كيفية عمل الدولة ، كمدخل للإنتقال من البحث في إشكالية الدولة إلى سؤال الحاجة إليها ، وهو نضال يجب الإقرار والوعي التام بأنه محدد بسقف ليبرالي يفرض نفسه كانتقال ” تحديثي ” يغني نسبيا / زمنيا عن سلوك مقتضيات الثورة الوطنية الديمقراطية ، والتي لن يكفي فيها مجرد التفكير في خطاب السلطة وكيفية تصريف عنفها وتحكمها ، وقوتها الصلبة أو السائلة حتى ، هذا الخطاب الذي لم يعد مقتصرا على الدولة ومؤسساتها ، بل تجاوزهما إلى كافة ديناميات المجتمع الحية وتعبيراته السياسية ومؤسساته الإجتماعية وهيئاته المدنية ؟ ليظل المطلب الطموح هو كيف نؤطر سؤال الديمقراطية ( كأزمة ) و الذي لم يعد النظر إليه كحاجة عمودية بل كضرورة عرضانية /وشبكة أفقية ، مجالها الفضاء العمومي كبديل عن المجال السياسي المغلق ؟
مصطفى المنوزي

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube